روبينس بيليدور: “بخصوص إشكالية الوجود: جوهر الحقيقة والحرية الإنسانية عند هايدغر (الجزء التاسع والأخير)

أحمد رباص ـ تنوير
يريد منا هايدغر أن نفهم أنه كلما كان الموجود ووجوده أكثر أصالة، كلما كان الحضور خالصا وثابتا، وكلما انتمى الاتفقاس المقابل (أو الإخفاء) إلى الموجود بشكل مستمر، كلما قلت إمكانية التحول إلى الإخفاء، كلما انتمى الاتفقاس إلى وجود الموجود المعني. مع ذلك،ما دام أن الحقيقة (الانفقاس) قد بقيت لحد الآن مرتبطة عموما بإمكان لاحقيقة، فلا تكون هي الحقيقة بالمعنى الصحيح، الأسمى. هذه الحقيقة الاكثر سموا، على فرض أنها موجودة، وحده الوجود بالمعنى الصحيح للموجود يستطيع تشكيلها على نحو ظاهر. هل هناك إذن وجود-حق لا يكون، كما هو، مرتبطا باللاحقيقة، التي تنفي مطلقا إمكان الإخفاء. إنما انطلاقا من الوجود ذاته لما يشكل بصفة عامة أخص ما في الموجود يتعين على الوجود-الحق الاكثر خصوصية الذي ينتمي إليه أن يتحدد. ينبغي الآن أن يطرح السؤال بالصيغة التالية: ما هي الحقيقة الأكثر صحة، والتي تستبعد بشكل مطلق إمكان الإخفاء عندما تنشأ معرفة مماثلة؟ وإذا أخذنا ال”بسيط” كمثال، يجيب هايدغر، فلأن في ال”بسيط”، وفقه، وفي التيار الأرسطي، لا شيء يظهر على أساس أته مننتم مشترك. عندما ينفقس “البسيط المطلق” – يتابع ـ بما يكون، لا يجلب معه، باعتباره كذلك، أي شيء آخر على أساسه قد يضطر ويستطيع أن يتحدد. لم يسبق له أبدا أن ظهر كهذا او ذاك، بل فقط هو نفسه، بطريقة صحيحة، بسيطة ومطلقة.
انفقاس البسيط في ذاته لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يتم إخفاؤه من قبل شيء لا ينتمي إلى البسيط. وإذا لم يمكن لهذا الانفقاس أن يصبح إخفاء، فليس فقط لأن ما ينتمي إلى البسيط قد يكون ظاهرا باستمرار، بل لأن بالأولى لا يتسامح مع أي حد منتم مشترك. يستبعد انفقاس البسيط، بطريقة صحيحة وبسيطة، إمكان اللاحقيقة. هذا الانفقاس لم يسبق فقط أن تحول إلى إخفاء، بل لم يرتبط معه بأي علاقة كذلك. الضد الوحيد الممكن لهذا الانفقاس للبسيط هو اللاانفقاس البسيط، الذي، مع ذلك، من حيث الجوهر، لا يمكن له أن يكون إخفاء، للحقيقة. ما هو إذن هذا الانفقاس بالمعنى الصحيح؟ الانفقاس هو ظهار شيء يتيح له أن يعرض ذاته في حد ذاته. انفقاس البسيط هو ببساطة وعلى مطلق حضور الأخير في حد ذاته. هذا الحضور هو الأكثر مباشرة – لا شيء يتدخل فيه او يمكن ان يتدخل فيه. فضلا عن ذلك، الحضور الاكثر مباشرة، هو الذي يسبق كل حضور إذا كان لا بد من وجود حضور لأنه الأكثر سموا وأصالة.
لكن هذا في حد ذاته، الحضور الثابت الخالص، المباشر في ذاته، الحضور المأخوذ فقط لذاته وقبل أي حضور آخر، هذا هو الأكثر ثباتًا والأكثر خلوصا، ليس شيئا آخر إلوجود الأكثر سموا وصحة. الوجود هو البسيط المطلق، وهو، على أساس أبسط، الركيزة الأولى والأخيرة لإمكان كل موجود واقعي ومفكر فيه. «الوجود في جوهره “هو” خلفية، ولا يمكن أبدا أن يكون له أيضا، في أصله، خلفية يتعين عليها تأسيسه”. لكن، ماذا يقول لنا أرسطو عما يشكل أساس إمكان الموجود بشكل صحيح، أي الموجود بشكل مستمر؟ يقول لنا ما يلي: “مبادئ الكائنات الأبدية هي بالضرورة الأصدق على الإطلاق” (Met.a ،993ب 28-29). ويتابع: “هذه المبادئ للموجود بالمعنى الصحيح، أي الوجود في حد ذاته كما هو، تلك هي الأكثر صدقا، المفهومة كشيء منفقس تماما، في المقام الأول، قبل ومن أجل الباقي كله”. بعبارة أخرى: يتعين على الوجود كما هو أن يكون بشكل مسبق وثابت منفقسا بالمطلق حتى يكون الموجود قابلاً للاكتشاف بشكل عام وبإمكانه الولوج إلى التحديد. إذا كان البسيط يشكل إذن ما هو أكثر خلوصا في الموجود وإذا كان انفقاس البسيط لا يعني شيئا آخر غير الحضور الأكثر خلوصا، السابق على كل الباقي، الثابت إذن، فهذه الحقيقة السامية للبسيط هي الوجود الاكثر خلوصا للموجود بشكل عام. يمكن أن نختم بذلك في مرحلة أولى الحديث عن العلاقة بين الوجود والحقيقة الأنطيقية.
بالفعل، أن يكون الوجود مدركا أو غير مدرك بشكل صحيح، مسؤولا، محددا، فهو قبل كل ذلك لامتحجب ومُتحجب قبلا وباستمرار في جوهره. والآن لم يبق لنا سوى أن نحاول، اعتمادا على روبنس بيليدور، شرح اللحظة الثانية من العلاقة بين الوجود والحقيقة، ولكن هذه المرة، سيتعلق الأمر بالحقيقة الأنطولوجية المفهومة كلاتحجب-تحجب.
كلما تعلق الأمر بمعنى الوجود، إلا وقلنا أن الوجود في اختباره الأصلي هو phúsis – لاتحجب منبثق عن تحجب، تدبير مصدره الانسحاب (انظر ص76 في النص الأصلي). ولكن يبدو أن هناك تناقضا بين هذا “الانسحاب” للوجود وبين انفتاحه. بين اختفاء ومجيء. بالفعل، بما أن هايدجر يحيل إلى الإغريق لتوضيح فكره، نسمح لأنفسنا بالرجوع إلى هذا القولة لهيراقليطس هذا من أجل توضيح تقريرنا: “الطبيعة تحب الاختفاء”. لكن إذا كانت “الطبيعة” (أي الوجود في جوهره) تحب أن تختبئ، فلنسأل أنفسنا كيف يمكن أن ينكشف مثل بيان “في ذاته”، وإذا بان فكيف يختفى عن ذاته؟ إنما هنا يجب علينا أن نكون حذرين حتى لا نسيء التفسير، ولو ان أرسطو سبق أن حذرنا من مبدأ عدم التناقض، وهو أن الشيء لا يمكن أن يكون هو نفسه ونقيضه في نفس الوقت. ما ينبغي فهمه هو أن الامر لا يتعلق ذلك سوى قطبين لنفس الظاهرة. الوجود لكونه بالضبط نورا لكل شيء، بحسب برتراند ريو، يمحي في ما يضيئه. ليس تحجباً خالصاً وإلا لن يستطيع الموجود ابدا أن يظهر كالموجود في الوجود ولن يكون فيه وقوع في الموضوعية. لنفهم أن العبارة: “الطبيعة” تحب الاختفاء تعني أن التحجب واللاتحجب ينتميان معا إلى الوجود في جوهره.
لنضع في اعتبارنا دائما مفهومنا عن الحقيقة (alèthèia). ماذا تقول لنا هذه الكلمة، أليثيا؟ تقول لنا أولاً اللاتحجب واللاختفاء. بتعبير أدق، تقول الخروج من الèthè، الانبجاس إلى الظهور، القدوم إلى الحضور. أليس هذا هو نفس التعريف الذي أسندناه إلى كلمة phúsis، التعريف الذي طلبنا الاحتفاظ به في الذاكرة؟ عندما نقارن بين هذين التعريفين، ألا يمكننا ان تؤكد على وجه اليقين أن الوجود والحقيقة هما من نفس الطبيعة؟ بهذه الكلمات نفسها، تجعل alèthèia ممكنًا شرط معرفة الموجود، الphúsis ذاته وفقًا لتحديده الخاص، أي وفقًا لانفقاس الموجود في وجوده. ولأن alèthèia تعني أولاً وخاصة اللاتحجب، فهي تعني أيضًا وفي ارتباط وثيق الوجود الحقيقي لما هو لامتحجب على هذا النحو. األيثيا هي إذن ما خرج من الكمون أو الإختفاء. الاختفاء ليس نقصًا أو حرمانًا لوجود قد يكون في ذاته نورًا كاملاً في حد ذاتها، إنه الطريقة ذاتها التي بها يجعل الوجود نفسه معروفا، إنها- أي بها يعيش جوهره الكامل (Wesen)، كحضور لكل الحاضرين (AnwesendenJ). فالحضور باعتباره كذلك لا يأتي إلى الظهور، بل الحاضر يشعر بأنه متجمع فيه. إنما بهذا المعنى يحمل في طياته تحجباً معيناً.
عند تحليل كلمة alèthèia، نجد أنها مكونة من حرف زائد a والجذر lèthè الذي يعني النسيان. ما يريد هايدجر أن يفهمنا إياه هو أن هذه الـ”a” الزائدة هي في الواقع مزدوجة إيجابيا: من جهة، لأنها بمثابة إشارة إلى خاصية جوهرية لما هو لامتحجب، بمعنى أن هذا الأخير لا “يكون” إلا باعتباره “منتزعا من الاختفاء”، إلا باعتباره “مسروقا” منه وبهذه الشروط تحدث قبلا “الوجود والزمان” عن اللاتحجب، مضيفا أنه كان لا بد من تصوره ك”اختطاف”. من ناحية أخرى، لأنه في ما وراء الlèthè، في التحديد الأساسي للأليثيا، يشير a الزائد إلى انتشار الليثي ذاته في الأليثيا، طالما أن الاختفاء منذ البدء يحكم جوهر الوجود بالكامل.
هكذا إذن، يشكل حضور وانتشار التحجب في جوهر اللاتحجب الإيجابية المزدوجة لa في alèthéia. بالفعل، كتابات هايدغر الاولى التي سلطت الضوء على اختفاء الوجود ذاته، ركزت كثيرا على هذا التصور الخاص للاتحجب. “الاختفاء الأصلي” (Grundverborgenheit) الذي تحدث عنه في “الوجود والزمان”، كما يقول برتراند ريو، يجب أن يُفهم كمجال غامض منه انتزع الموجود وإليه يشير. اللاتحجب في حاجة إلى تحجب، إلى الليثي، كآخر له من معرفة جوهرها الكامل.
للأليثيا إذن معنى مزدوج: تعني الكلمة اللاتحجب مثلما تعني phúsis الانفقاس الخالص؛ لكن المفكر الذي يبحث عن جوهر الأليثيا سوف ينقاد بالضرورة إلى الليثي. ذلك لأنه إذا تم التعرف على هذا الأخير من قبل هايدغر باعتباره جوهر الأليثيا، فلا يكون ذلك لأسباب لغوية بحتة، بل إنما في الفكر يحتاج اللاتحجب، حتى يكون ما يكون، إلى تحجب. الأليثيا إذن لاتحجب يتمثل جوهره في أن يكون محكوما بتحجب ثابت. هذا ما يدعم هذا التأكيد الهايدغري: الجوهر الكامل للحقيقة يحمل في طياته جوهره المضاد الخاص، وهذا الجوهر المضاد هو اليي يشكل التحجب أو الإخفاء. وبما أن الوجود يظهر ك phúsis، فإنه ينعقد حقا في لاتحجب الموجود (الحقيقة الأنطيقية). لكن لاتحجب الموجود كما هو يكون في نفس الوقت وفي ذاته إخفاء أنطولوجيا للموجود في مجمله. هذه الاتحاد بين التحجب واللاتحجب ينتمي إلى الوجود وإلى الحقيقة، هاتان الكلمتان باعتبارهما من أصل واحد، نستطيع أن نؤكد بشكل لا لبس فيه أن العلاقة القائمة بينهما هي من نفس الطبيعة. بالفعل، يمكننا شرح ذلك على النحو التالي: العلاقة الدقيقة التي يقيمها في الأليثيا التحجب واللاتحجب، يقدمها هايدجر كعلاقة ولادة، قدوم أحدهما انطلاقا من الآخر. وهذا يعني أن الأليثيا ليست لاتحجبا في “حاجة” إلى اختفاء، لكن الأمر الأكثر جوهرية هو ما يلي: “الأليثيا، كما يدل اسمها، ليست انفتاحاً خالصاً، بل لاتحجبا للاختفاء”.
في ختام هذه اللحظة الثانية، دعونا نتذكر أن الإختفاء ال(ليثي) ينتمي إلى الأليثيا، ليس كإضافة بسيطة، ليس كما ينتمي الظل إلى النور، ولكن كقلب الأليثيا نفسه. إنما بهذا المعنى يجب أن نفهم عبارة “لاتحجب الاحتجاب”. اللامتحجب منتزع من الاختفاء (الاحتجاب)، لكنه بهذا الانتزاع ينكشف، أي ينكشف هذا الاحتجاب ذاته، الذي ينكشف باعتباره شرطا (غير ظاهر) لظهور كل شيء منكشف. عبارة “لاتحجب الاحتجاب” هي الصورة المقلوبة لتعبير “وجود الموجود”. هكذا يعني لاتحجب الاحتجاب لاتحجب الموجود المسموح به من قبل انسحاب الوجود – لاتحجب الوجود كانسحاب. الحقيقة مفهومة كلاتحجب هي نمط وجود (existential) الدازاين. في الفكر الهايدغري تعني existential طريقة أو نمط من الوجود، جهة وجود تميز الحياة اليومية، هذه الطريقة متجذرة في الوجود الأنطيقي للإنسان. إن تحجب الموجود في مجمله متأصل في الحرية المنفتحة الوجود والمحدودة للدازاين، لهذا السبب نعتبر أنه من الضروري إبراز العلاقة التي توجد بين الحقيقة والحرية في ما يلي من فقرات.
إن الحقيقة من حيث هي لاتحجب ليست سوى الوجود، وهو ما بيناه قبلا في علاقة وجود-حقيقة؛ قبل كل شيء، هي ليست شيئا “فوق الوجود”، ولكنها بالعكس هي الوجود ذاته، ما ينشر جوهره في الوجود (الحضور كلاتحجب). غير أن الحرية، بقدر ما تهيمن (Waltenlassen) على العالم، هي أصل الأساس بشكل مطلق. لكنها منتهية، “مهملة”: ليس من اختصاث تصرفها الحر أن تكون وتتحقق ببساطة كتعال. من حيث كونها أساس الأساس، فهي أيضا تفتقر إلى أساس من اجل وجودها الأساس: بلا قعر. لهذا يؤول “في ماهية الحقيقة” الحرية ك”تحرر” سعيا إلى ما هو ظاهر في المفتوح، كترك الموجود يوجد” وبالتالي كواقعة الانعطاء لمنفتح اللاتحجب ولامتحجبه. باعتباره هجرانا للاتحجب، الذي ينفتح وينعرض، يحافظ الانعطاء بهذه الطريقة على اللاتحجب. علما بأن الحرية في دراسة “في ماهية الأساس”، مفهومة كأساس لا قعر له، يكون هجران الحرية نحو الحقيقة كلاتحجب ملزما بإستعادة الهاوية، غياب الأساس في التأسيس.
لأن الوجود يثيرها، تأتي الحقيقة من حيث هي لاتحجب مما هو حر، تذهب إلى ما هو حر وتؤدي إلى ما هو حر”. لذلك يمكننا أن نقول إن هناك علاقة جوهرية بين الوجود-الحقيقة-الحرية. الحرية، مفهومة على أنها ترك الموجود يوجد، تستكمل وتنجز ماهية الحقيقة بمعنى لاتحجب الموجود. باعتبار أنها تجعل الانفتاح ممكنًا، والحرية هي “إلى جانب الوجود”؛ باعتبارها صيرت ممكنة بهذا الافتتاح نفسه، تكون الحرية “إلى جانب الموجود”. هل هناك تناسق أم لاتناسق؟ وهذا ما يجب تبياته الآن في هذه المرحلة الثانية الخاصة بتناسق الفكر الهايدغري. إن لاتحجب الوجود هو دائمًا، حسب هايدغر، حقيقة وجود الموجود؛ على العكس في لاتحجب الموجود، ينعقد دائمًا لاتحجب وجوده. في تحليلنا، بالاعتماد فقط على نصي هايدغر الرئيسين، وهما: “الوجود والزمان”، و”في ماهية الحقيقة”، سنقتصر على ملاحظة نقاط الاتصال والاختلاف التي تجمع أو تفصل بين رسالة الحرية ورسالة الحقيقة. لقد اختزل “الوجود والزمان” التصور الكلاسيكي للحقيقة إلى التأكيد المزدوج على أن الحقيقة تجد مكانها في الحكم وماهيتها في توافق الحكم مع موضوعه.
لم يشك هايدغر قط في أن هاتين الأطروحتين كانتا بحد ذاتهما نتيجة المواقف الميتافيزيقية، الضمنية في أغلب الأحيان لدى كبار الكلاسيكيين، التي ناقشها وشرحها. واصل “في ماهية الحقيقة” تفسير هاتين الأطروحتين حول ماهية الحقيقة. “الوجود والزمان” و”في ماهية الحقيقة” يتفقان على القول بأن مطابقة الحكم لموضوعه، المطابقة التي تكمن فيها، بالنسبة للكلاسيين، ماهية الحقيقة، لا يمكن أن تكون إلا نسبية في بعض الجوانب. إنها تهدف إلى أن تصبح الشيء الذي تعبر عنه، وإلى تسليم هذا الأخير كما هو. سبق لهايدجر أن دان، وما زال يدين بصرامة أكثر من أي وقت مضى، أي تصور للحكم يقوم بحمل الأخير على محتوى محايث للذات الحاكمة، على تمثيل. لكن هيدجر، وهو يتساءل عما يسمح بإقامة التوافق بين الحكم والموجود الذي وقع عليه الحكم، وجد أن هذا الإمكان يقتضي، في المقام الأول، أن وجود الموجود الذي وقع عليه الحكم ينكشف كما هو في ذاته ويمكننا اكتشافه. وجود الحكم يجد جذره في الموقف الذي يهدف إلى اكتشاف الموجود أو، وفقا للغة “الوجود والزمان”، إلى “اتركه-يوجد”. لأسباب لا مجال للتفصيل فيها هنا، وضع “الوجود والزمان” على عاتقها مهمة إيجاد مدخل إلى مشكلة الوجود، لكنه في الواقع اهتم بشكل رئيسي بتحليل الوجود الإنساني، الدازاين. كل ما يعلمناإياه الكتاب عن الموجود، يتم دائمًا النظر إلى الأخير طبقا لنتائج التحليل.
لكن التحليل الوجودي يهدف إلى إثبات وجود الإنسان على جهتين أساسيتين، إحداهما الأكثر ممارسة كذلك، تميل إلى وضع الموجود الإنساني في حالة من عدم الوضوح والوهم تجاه ذاته، وبالتالي تجاه الأشياء. “في ماهية الحقيقة” يؤكد ذلك بصريح العبارة، فالطريقة التي يكون بها الدازاين منفتحا، تقرر أيضًا ما في قدرته على الحضور أمام نفسه. من ناحية أخرى، يتجاوز “في ماهية الحقيقة” التحليل الوجودي ويدرس بشكل مباشر علاقة الموجود، من حيث هو قابل لأن يعرف ومعروف، بالبنية غير المتميزة للدازاين. وهذه العلاقة تعلمنا أن الإنسان في الأصل قريب من الأشياء، لأنه هو أيضًا في الأصل موجود منفتح، أي موجود عليه أن يجد دائما وجوده موضوعا خارج ذاته، وهو ما يعود إلى البنية الوجودية في “الوجود والزمان”. فكرة الوجود المنفتح حلت محل فكرة الوجود– في-العالم. الإنسان في العالم لا يعني أنه يجد ذاته إلى جانب الأشياء والنوضوعات، بل إنه يفهم هذه الأخيرة في بنية مرجعية، لأنه في حد ذاته خارج ذاته وقريب من تلك الاشياء والنوضوعات. ولذلك يبقى صحيحا الادعاء بأن الوجود-في-العالم والوجود المنفتح مكونان للحقيقة.
لكن هذه العبارة (الوجود-في-العالم والوجود المنفتح مكونان للحقيقة) تتلقى معنى ليس على الإطلاق هو المعنى الوارد في “الوجود والزمان”. إنها تعني أن الإنسان مصدر الحقيقة على نحو صوري، إذا كان لا بد من وجود الحق، كائن كاشف، أي موجود غير منطو على نفسه، قادر على أن يكون ذاته وخارج ذاته في نفس الوقت بالقرب من… بمعنى آخر، التضاعف الأنطولوجي المكون للحقيقة يفترض وجود الموجود المنفتح ek-sistant. إلا أن تلك العبارة اصبح باطلة إذا ألمحت إلى أن الإنسان يخلق محتوى العبارات الحقيقية التي يتلفظ بها. كان “الوجود والزمان” في هذه النقطة أكثر راديكالية. علمنا هذا الكتاب الأول لهايدجر أن خلق الحقيقة انطوي على إنشاء المعنى وهو (الإنشاء) مرتبط بإسقاطات الدازاين وقبل أن يسحب هذا الإسقاط — وعليه وحده ان يسحب – الموجود من الفوضى الأصلية. ذلك ما يدل على أن هايدجر لم يفلت من قبضة الفلسفة الكانطية حول المعرفة. لم يعد هذا هو الحال بالنسبة إلى كتابه عن ماهية الحقيقة. الموجود منظور إلبه هنا في ذاته. فكرة الوجود التي كانت تتستهدف بالأخص خاصية الدازاين التي تجعله ينطرح أمام ذاته، وفي الوقت نفسه، يؤول الأشياء، يعين الآن هذه الخاصية الأخرى — مختلفة بعض الشيء على نحو صوري – التي وفقا لها يكون الدازاين دائما بالقرب من الأشياء، التي تكتسب في حد ذاتها دلالة.
ويبقى الوجود والفهم مترادفين. لكن الحد المشترك الذي به يكون هذ الترادف مضمونا، ليس هو الإسقاط بقدر ما هو الانفتاح تجاه الموجود. بدون شك، ليست فكرة الإسقاط الغائبة من الناحية الحرفية، لاغية تماما من الناحية الذهنيه. لكنها تابعة لفكرة الامتثال للموجود، ل”ترك-الوجود-يوجد”: لا تعبر عن ذاتها إلا بالمعنى الذي يقال فيه إن كل شخص لا يصل إلا إلى الحقائق التي ينفتح عليها
بمبادرته، أو حسب الاصطلاح الجديد، بسلوكه. بل سوف نؤكد أن التفكير الحالي يبرر بشكل أفضل الفرضية التي طرحها بالفعل “الوجود والزمان”، والتي مفادها أن الدازاين يشكل الحقيقة من خلال فعله الكاشف، وهي الجملة التي بقيت ذات مرة مشوبة بغموض لا يمكن تجاوزه.
أما الأطروحة التي تحدد حقيقة وجودنا بالقدرة على جعل الحقيقة ممكنة، يتم تأكيدها ولكنها تأخذ أيضا معنى مختلفا بعض الشيء. ذلك أن اكتشاف الوجود من حيث هو كذلك وفي كليته يرتبط بشكل مباشر ب”اتركه-يوجد”، يحصر داخل حدود معينة ميلنا إلى جعل الموجود الخاص، الذي يربطنا به الفعل النفعي، مقياس كل الوجود. يحدث هكذأ أننا لا نشرع في الكشف عن الموجود كما هو وفي كليته إلا بقدر ما نضع أنفسنا على مسافة من الكائن الخاص. ندرك إذن أن القدرة على إثبات الحقيقة، على التموقع خارج الذات وقريبا من الموجود من حيث هو كذلك وفي كليته، هي في نفس الوقت ضامنة لحقيقة وجودنا الخاص، الذي هو بالتحديد الوجود المنفتح. من الآن يستطيع هايدغر أن يقول بشكل لا لبس فيه أن هناك حقيقة لأننا نكون حقا ما نكونه.
الخاصية الاكثر إثارة هي أنه (الفعل اليومي) يسعى، دون تحقيق سعيه بالكامل، إلى نسيان هذه العلاقة من خلال ترك نفسه تخضع بالمطلق لكلية الموجود الخاص إلى درجة الضياع في تحديداته. عقوبة ذلك هي أن الدازاين اليومي سوف يفتقر حتى إلى المعنى “الحقيقي” للموجود الخاص نفسه، طالما أن الأخير لا يسمح لنفسه بأن تنكشف إلا من خلال اعتبار علاقته الداخلية بالموجود من حيث هو كذلك وفي كليته. لذلك نفهم مرة أخرى لماذا الأصالة، التي هي الآن “ترك -الموجود-يوجد” من حيث هو كذلك وفي كليته، تظل دائما شرطا لا غنى عنه للاتحجب. يتشكل المقابل الجوهري للحقيقة من اللاحقيقة، وبالتالي يتبين، إذا جاز لنا أن نقول، انه مشترك في الجوهر مع الحقيقة الأساسية نفسها. إذا لم تكن هناك من حقيقة سوى في وجود الموجود وإذا كان وجود الموجود لا يُدرك إلا في المعارضة الداخلية للموجود الخاص والموجود من حيث هو كلية، فإن أي لاتحجب لأحد الطرفين لا ينفصل عن انحجاب الآخر، وبالتالي عن لاحقيقة. وهكذا اختتم “الوجود والزمان” دراسة الحقيقة: “التأويل الوجودي والأنطولوجي لظاهرة الحقيقة يعلمنا أن (1) الحقيقة بالمعنى الأكثر أصالة موجودة في التداخل-الكاشف للدازاين، الذي يجلب للموجود الدنيوي إمكان أن يكون مكشوفا. (2) الدازاين موجود أصلا وفي نفس الوقت في الحقيقة وفي اللاحقيقة. وهذا ما يثبته كتاب “في ماهية الحقيقة”. لكن الدازاين ذاته مستوعب ومؤول من منظور أكثر عمقا، تحديداً في علاقته بالوجود. “ترك-الموجود-يوجد” يتوقف على انفتاح الدازاين، وهذا الانفتاح بتوقف على العلاقة التي يقيمها الأخير مع الوجود. إنما الطريقة التي يظهر بها الوجود للإنسان هي ما يحدد إمكان انفتاح الأخير على هذا الموجود أو ذاك بهذه الطريقة أو تلك. لقد رأينا بالفعل أنه تم التفكير في الأليثيا كنقيض للإختفاء، أي كلاتحجب.
واللامتحجب – أي أن الموجود – كان، دائما وفي كل مكان، يُختبر باعتباره “ذلك الذي يظهر”، باعتباره الحاضر الخالص والبسيط، دون النظر أبدا إلى علاقته بالليثي (lèthè) والاختفاء. هناك إذن مفارقة أكيدة. ولكن، بحسب هايدغر، إنما بالضبط التوازي بين هاتين النقطتين غير المتناسقتين، هو الذي يثير، من خلال الدهشة التي يحدثها، السؤال الحاسم: لماذا هذا الاحتجاب للاحتجاب؟ لأن ما يظهر وينعطى باستمرار كحاضر يفترض بالضرورة ما يختفي ولم يعد حاضرا، أي أنه يفترض هذا الآخر لكل موجود لا يمكن أن يتلقى أي اسم آخر غير اسم الوجود.ىذلك لأن الوجود لا ينعطي إلا على شكل انسحاب؛ الأفضل من ذلك: الوجود ليس شيئا آخر سوى هذا الانسحاب. الانسحاب هو الطريقة التي ينشر بها الوجود جوهره، أي يرتسم كحضور. لهذا قدمنا تأويلا لشذرة من كتاب الميتافيزيقا لأرسطو الذي فهم فيها الوجود وأوله على أنه حضور ثابت. أرسطو الذي اكتشف العلاقة بين سؤال الحقيقة وسؤال الوجود، لم يتساءل، كما أكد جان گيش، لماذا تكون الحقيقة هي التحديد الاكثر صحة الوجود. ومن هنا ضرورة أن يطرح هايدغر هذا السؤال: ماذا يعني “الوجود” حتى يمكن أن تكون الحقيقة مفهومة باعتبارها سمة الوجود؟ يسلط هذا السؤال الضوء على العلاقة التي تطرقنا إليها بين الوجود والحقيقة.
الوجود إذن حقيقي لأنه حضور خالص معلن عنه بكلمة أوسيا (ousia) (Anwesenheit). كلمة ousia التي تم الترويج لها كجوهر عبر تاريخ الفلسفة لا تعني شيئا آخر غير الحضور بمعنى محدد، يتعلق ب”الإدراك”. باتباع مجموع هذه العلاقات بين الوجود، الحقيقة، الحضور، الجوهر. الحرية نجد مشكلة الزمانية التي تركها بيليدور جانبا لأن توضيح هذه المشكلة يمكن أن يقوده إلى الاقتراب من هايدغر الثاني الذي أجل الحديث عنه إلى دراسة أخرى. إن فهم الوجود كحضور وحقيقة يعني فهم الحضور نفسه كخاصية للزمنية. مجموع هذه العلاقات يشكل ما نسميه: تناسق الفكر الهايدغري. ومع ذلك، يريد منا هايدجر أن ندرك أن السؤال الحاسم حول “معنى” الوجود، السؤال الأساسي في “الوجود والزمان”، أي السؤال عن مدى الإسقاط، بكلمات أخرى، عن الانفتاح، أو حتى عن حقيقة الوجود، وليس فقط الوجود، لم يتم تطويره فيه بشكل متعمد.
ومع ذلك، ينعقد فيه الفكر بشكل ظاهر على طريق الميتافيزيقا لكنه لا يحقق بقدر أقل خطواته الحاسمة – عندما ينتقل من الحقيقة كمطابقة إلى الحقيقة المنفتحة ومن هذه إلى اللاحقيقة كإخفاء وتيه، ثورة تؤدي، وفق هايدغر، إلى تجاوز للميتافيزيقا. المعرفة المكتسبة هنا تكمن في هذه التجربة الحاسمة: إنما انطلاقا من الدازاين فقط، الذي ينخرط فيه الإنسان، يتهيأ بالنسبة إلى الإنسان التاريخي القرب من الوجود. تتم متابعة حقيقة الوجود ك”أساس” لموقف تاريخي جديد، غير أن كتاب “في ماهية الحقيقة” يعيد التفكير فيها انطلاقا من هذا الأساس الجديد (من الدازاين). إن الصيغ اللغوية التي جرى بها التساؤل تشكل في ذاتها توجه فكر، بدل ان يمنحنا تمثلات ومفاهيم، يمتحن (مبني على المحهول) ويتعزز كثورة العلاقة بالوجود. في المقدمة حددنا لانفسنا هدفا؛ ألا وهو تبيان أن الحقيقة والحرية من حيث ماهيتهما بحسب هايدجر تكونان نفس الشيء الواحد وتشكلان على نحو مطلق البنية الأنطولوجية للإنسان. هل حققنا هدفنا؟ هذا ما سنحاول البرهنة عليه في الخاتمة التالية.
يريد الكاتب أن يبين، كما وعدنا في ورقته التمهيدية، ان الحقيقة والحرية تشكلان على نحو مطلق البنية الوجودية للإنسان وتكونان الوحدة مأخوذتين في جوهرهما. لتحقيق ذلك سوف نتبتى في هذا الجزء الأخير من هذا الدراسة تمشيا ذا بعدين اثنين (1) بعد أنطولوجي للحرية، و(2) بعد لاهوتي. وفقا للبعد الأول، سنحاول التفكير في جوهر الإنسان، مثل هذا التفكير سيسمح لنا بأن يبين لنا بشكل أفضل بماذا يجد الإنسان بحسب بنيته أساسه في الحقيقة والحرية. وفق البعد الثاني سنقدم من جهة القطب اللاهوتي الذي يحتوي على الرسالة الهايدغرية. باستعمال المنهج المقارن، سوف نبين، دون تفسير مفصل أن رسالته، حتى لما هايدجر، في بحثه عن حقيقة الوجود، لم يضعها نصب عينيه، محور بحثه حول وجود الإله الإنجيلي، تتوافق تماما مع الخطاب الإنجيلي عن الحقيقة. من ناحية أخرى، سوف نتناول التزام هايدغر القومي-الاشتراكي، مع الأخذ في الأعتبار إصرار فكره على العلاقة: الوجود-الحقيقة-الحرية. لنبدأ مقاربتنا بتقديم البعد الأول.
في الفصل الأول قمنا بعرض ثلاثة أنواع من الحقيقة: (1) حقيقة حملية (2) حقيقة قبحملية أو حقيقة أنطيقية و(3) حقيقة وجودية (أنطولوجية). حددنا الأنطيقي كما هو موجود، والأنطولوجي كما بجعل الموجود موجودا. كما قلنا لماذا استخدمنا مصطلحي “الأنطيقي” و”الأنطولوجي”. إذا تصورنا الأنطولوجيا (علم الوجود) كسؤال حول وجود الموجود، ومن هنا كقلب الميتافيزيقا، يؤكد ذلك بوجيلر، تكون ميتافيزيقا الميتافيزيقا أساس علم الأنطولوجيا، أنطولوجيا أساسية. هذه الأنطولوجيا الأساسية، يسميها هايدغر في كتابه عن كانط “ميتافيزيقا الوجود-هنا”. وفق المنظور المفتوح من قبل كانط، تبحث ميتافيزيقا الوجود-هنا عن وحدة جوهر التعالي في ملكة الخيال وزمانيته. هكذا تتساءل الميتافيزيقا عن الإنسان، ولكن ليس على طريقة الأنثروبولوجيا التي تعتبر الإنسان موجودا من بين موجودات أخرى (حتى ولو كان موجودا خاصاً)، ولا على طريقة النزعة الأنثروبولوجية التي تضع كل الموجود أمام الإنسان وتوجهه نحو ذاته وتشرحه بذاته. بينما تتساءل ميتافيزيقا الوجود-هنا، بخلاف ذلك، عن كيف ينتمي بالضبط سؤال “ما هو الإنسان”؟ إلى السؤال الميتافيزيقي.
بطرح السؤال “ما هو الإنسان؟” نتساءل عن الطريقة التي ينتمي بها السؤال عن الإنسان والسؤال عن الوجود إلى بعضهما البعض. في سؤال الوجود نتساءل عن وجود الموجود. في سؤال وجود الموجود يكمن السؤال الأكثر أصالة عن الوجود من حيث هو كذلك: يتضح أن الوجود يقال بطرق مختلفة، مثلا، باطن، وجود، وجود-حق. لا يمكن التعرف على وحدة هذه الأنماط للتعبير عن الوجود إلا إذا تم طرح سؤال الوجود من حيث هو كذلك (وهو ما قام به بيليدور في الفصل الثالث). لكن هذا السؤال يعود إلى سؤال أكثر بدائية: “على أي أساس يجب إذن أن نفهم شيئا مثل الوجود، مع كل الغنى الذي يحتويه من مفاصل وعلاقات؟ إن الوصول إلى هذا “الأين”، الذي يجب أن يُفهم انطلاقا منه الوجود كما هو، يتم السعي إليه عن طريق تأويل الفهم الأنطولوجي للإنسان. هذا الفهم للوجود ليس خاصية يمتلكها الإنسان. ولا يكون حقا الإنسان إنسانا بالأولى إلا بفضل هذا الفهم الأنطولوجي. فهو إذن ال”هنا، الذي مع وجوده يحدث الاقتحام اللامتحجب في الموجود. بفضل هذا “الاقتحام” يستطيع الموجود الذي يكون هو الإنسان والموجود الذي لا بكونه أن يظهرا. ميتافيزيقا الوجود-هنا (Da-sein) لا تعني: ميتافيزيقا حول الوجود-هنا، بل الميتافيزيقا التي “تحدث بالضرورة كوجود-هنا”، السؤال حول وجود الموجود والوجود كما هو يقدم نفسه في الهنا من الوجود-هنا. يصبح الوجود-هنا أساس الميتافيزيقا. هكذا إذن، بما أن الوجود-هنا هو هذا الأساس وأن لاتحجب وضعه أنطولوجي، تسمى بالتالي ميتافيزيقا الوجود-هنا الأنطولوجيا الأساسية. لكن هذه الأنطولوجيا (باعتبارها تحليلا وجوديا) ليست سوى “الدرجة الأولى من ميتافيزيقا الوجود-هنا”. إنها تزيل الحجاب عن العوز الأنطولوجي للوجود-هنا، الذي يكمن في نسيان وزمنية هذا العوز.
إنه يستهدف إذن من هنا المعنى “الأساسي-الأنطولوجي” على نحو صحيح للسؤال حول الزمان، مهمة التفكير انطلاقا من زمانية الوجود-هنا، في هذا الزمن الذي ضمن أفقه وضعت الميتافيزيقا الوجود ك”استمرار في الوجود”. لكن، لأن سؤال الوجود يشكل دائرة (لأن الوجود لا بداية له ولا نهاية)، فهو يحيل إلى سؤال وجود الإنسان الذي يتميز على وجه التحديد عن الموجودات الأخرى، باعتبار أن طرح سؤال الوجود هو هو طرح سؤاله الخاص. التساؤل عما هو الوجود هو بمثابة إحالة إلى الدازاين من حيث أنه موجود، في وجوده “يوجد” الوجود، وعلى العكس، السؤال عن الدازاين، هو اكتشاف معناه الأكثر عمقا كذازاين، أي كمكان يظهر فيه الوجود.
إن انفتاح الوجود يحفزه انفتاح الدازاين، مثل انفتاح الدازاين هو في انفتاح الوجود. وهذان الجانبان من نفس “الظاهرة” يحفزان بعضهما البعض بشكل متبادل وبشكل لا ينفصم “الإحساس بالوجود”. هذا هو السبب في ان على الأنطولوجيا أن ترتكز على التحليل الوجودي للدازاين باعتباره البعد الذي يجعل من الممكن أن نطرح سؤال الوجود. وقد قمنا في الفصل السابق بتعريف كلمة “الوجود”؛ وبينا العلاقة القائمة بين الوجود، الحقيقة والحرية. إنما على حقيقة الوجود ذاته يحيل الدازاين، بحيث أنه يتحرك في الحقيقة التي تؤسس الماهية الأصلية للحرية. لكن الدازاين هو الحرية؛ والحقيقة لا تكون في علاقة وثيقة بالدازاين إلا على أساس الوجود نفسه. وهذا ما سمح لهايدجر بكتابة هذه الجمل الثلاثة الصغيرة الغامضة في كتاب “الوجود والزمان”: “لا وجود – لا واجد – إلا بقدر ما توجد الحقيقة. هذه الاخيرة ليست سوى الدازاين. الوجود والحقيقة هما أصلان مشتركان.” يكمن الفكر الهايدغري في تأكيد هذه العلاقات العميقة بين الوجود والموجود، بين الوجود والدازاين، والوجود والحقيقة. لهذا السبب، نؤكد أن الحقيقة والحرية، من حيث جوهرهما، هما نفس الشيء الواحد وتكونان بشكل مطلق البنية الأنطولوجية للإنسان. ومع ذلك، نواصل نهجنا، لأنه ما يزال هناك شيء آخر علينا تبيانه. رأينا أن الدازاين هو في الأساس كاشف. يظهر الموجود بتركه يوجد كما هو، أي يكون مُمنوحا للموجود في كليته. ولأن الحرية خضوع لم يعد الموجود في كليته يظهر لنا إلا بوجهه المتعالي كفهم مسبق يفتح أفق كل الواقع على شكل تطلع “دنيوي”، ولكن أيضا باعتباره بُعدا حقيقيا للموجود الذي يظهر دائما ضمن منفتح. ببقائه ضمن حدود الميتافيزيقا، ما يزال الوجود يسمى بالموجود في كليته.
تتضمن البنية الانطولوجية المسبقة للدازاين حضور الكينونة في الوجود ذاته، هكذا يكتب هايدجر: “الإنسان هو راعي أو انفراجة الوجود؛ عندما يتوقف عن التصلب على حريته باعتبارها الأساس النهائي لكل شيء، فهو يختبر نفسه باعتبار أن الوجود يطالبه بأن يكون مكان إنارته”. إن جوهر الدازاين هو “الوقوف في ضوء الوجود”، فهو يسمح للوجود بالانكشاف. وجود الدازاين الذي به يتعلق الأمر في السؤال عن وجوده ذاته، يجب أن يُفهم انطلاقا من الوجود كوجود منفتح Ek-sistenz، أي من الوجود “المتعالي” الذي يصبح نور الوجود أو حقيقة الوجود من خلال إظهار نفسه في انفتاح الدازاين. في حد الدازاين هذا، يظهر حضور الوجود في جوهر الإنسان. الإنسان هو “هنا” (da) الوجود، مكان انكشافه. قلنا سابقا إن الدازاين حرية، وقبل أن يغلق الكاتب هذا البعد الأول، اقترح تفسير الحرية كشرط لإمكان ظاهرية الوجود في النقطة التالية.
الآن، حان وقت الحديث عن الحرية كشرط ممكن لوجود الموجود وفقا لهايدغر. تشكل الحرية جوهر كل موجود يكون قريبا من ذاته. جوهر الإنسان يعتبر المكان المتميز لتحديد الوجود بشكل عام ومن حيث ماهيته. في الفصل الثاني، عند معالجة ماهية الحرية الإنسانية، استشهدنا بكانط الذي يعرف الحرية كقوة موجود له وجود-سبب خاص ومتفرد (ص: 65 في النسخة الاصلية). فماذا لو أصبحت السببية، حتى بالمعنى الكانطي، مشكلة؟ السببية، مثل المقولات الأخرى للموجود التي في المتناول (vorhandenheit)، هي وفقا لكانط، خاصية موضوعية الأشياء. الأشياء هي الموجود كما هو متاح في التجربة النظرية كتجربة للإنسان المحدود. المقولات هي خصائص وجود الموجود المتجلي هكذا، تحديدات وجود الموجود، تسمح لهذا الموجود بأن يصبح متجليا في ذاته تبعا لجوانبه الأنطولوجية المختلفة. ومع ذلك، يقول هايدغر، لا يمكن للموجود أن يظهر من تلقاء ذاته، ولا يمكن حتى أن يتواجه كشيء إلا إذا كان ظهور الموجود، بالتالي، بالدرجة الأولى، ما يجعل مثل هذا الظهور ممكنا، فهم الوجود، له في حد ذاته خاصية الانفتاح على شيء ما. وهذا ما يسميه جاك تامينيو: الاختزال الفينومينولوجي. إنه يوحي بأن هذا الاختزال الفينومينولوجيي يعني، انطلاقا من فهم الموجود بغض النظر عن الطريقة التي يتم تحديده بها، إعادة توجيه النظرة الفينومينولوجية نحو فهم وجود هذا الموجود، أي نحو المشروع القائم على نمط لا تحجب هذا الوجود.
لنتركه-يفعل-التقابل لشيء كما تحدثنا عنه سابقاً، باعتباره معطى، يقال بطريقة أخرى: ظاهرية الموجود في الخاصية الإلزامية لوجوده-هكذا ولإنيته، لا تكون ممكنة فقط إلا عندما يكون السلوك تجاه الموجود من حيث هو كذلك سمة أساسية يتم بموجبها منح هذه الخاصية الإلزامية لما يمكن أن يوجد بطريقة أو بأخرى ظاهرة (لمعرفة نظرية أو معرفة عملية). لكن المنح المسبق للصفة الإلزامية، كما يؤكد هايدغر، هو أمر ذاتي، ارتباط بالذات: يجعل الارتباط ملزما لذاته، بمعنى آخر، باستعمال المعجم الكاتطي، فهو يمنح نفسه قانونا.
اتركه-يفعل-التقابل للموجود، السلوك تجاه الموجود بأي نمط كان من أنماط فاتحة الشهية لا يكون ممكنا إلا عندما تكون هناك حرية. هكذا إذن، بحسب هذه القراءة الكانطية، يمكننا أن نؤكد دون أدنى شك أن “الحرية هي شرط إمكان ظاهرية وجود الموجود، فهم الوجود. لكن تحديد وجود الموجود بين موجودات أخرى هو السببية. تتأسس السببية على الحرية. الحرية هي الماهية التي تضم الوجود-الإنسان وتنقله من طرف إلى طرف آخر؛ إنما إليها يجب على الإنسان أن يتوجه ليصبح إنسانا حقا، ومن هنا الاستنتاج: يقوم جوهر الإنسان على الحرية. وتبقى نقطة أخيرة يجب توضيحها: وهي موقف الفكر الهايدغري من اللاهوت الدوغمائي المسيحي.
لننتقل الآن إلى البعد الثاني: القطب اللاهوتي للفكر الهايدجري وتوافقه مع الرسالة الإنجيلية حول الحقيقة. يرى بعض المعلقين أن هايدجر، في رسالته، يبشر بالإلحاد. أما نحن فلسنا من هذا الرأي وسنحاول إلى حد ممكن، باستخدام نصوص هايدجر نفسه واخرى من الكتاب المقدس، إظهار أن رسالة الفيلسوف لا تؤثر سلبا على الرسالة الإنجيلية. سيتم تقديم هذه النصوص للقراء، ولذلك فهم مدعوون إلى المشاركة في النقاش. وبدون شرح مفصل، سوف نستخدم الطريقة المقارنة كما وعدنا بذلك، وسنترك الأمر للقراء لاستخلاص النتيجة. لننخرط في النقاش بالبدء أولاً بنصوص هايدجر. ليتكم تدركون القصد بوضوح. يتعلق الأمر بإثبات التوافق ولا شيء اكثر من ذلك: المفهوم الهايدجري عن الحقيقة يفتح منظورا على البعد الديني الذي بدا أن “الوجود والزمان” يستبعده.
في بداية كتابه: “مدخل إلى الميتافيزيقا” يطرح هايدغر السؤال التالي: “لماذا إذن يوجد الوجود وليس بالأحرى لا شيء؟. لماذا إذن يوجد الموجود..؟ لماذا، أي ما هو الأساس؟ من أي أساس يأتي الوجود؟ على أي أساس يقوم؟ نحو أي أساس يتجه الموحود؟ السؤال لا ينصب على هذا أوكذا أو ذاك من الموجود، على ما هو هنا أو هناك، على الطريقة التي ينشأ بها، على ما يمكن له تعديله، على استخداماته المحتملة، وما إلى ذلك. يبحث السائل عن أساس الموجود من حيث هو موجود. البحث عن الأساس، البحث عن القاع، ذلك يعني التعمق. ما تم وضعه موضع تساؤل يتعلق بأساسه وجوهره. الشخص الذي يعتبر الكتاب المقدس، مثلا، وحيا إلهيا وحقيقة إلهية (حقيقة نؤيدها)، يمتلك بالفعل، قبل كل طرح للسؤال: “لماذا يوجد الموجود وليس بالأحرى
لا شيء؟”، الجواب هو: إذا لم يكن الموجود هو الله نفسه فهو مخلوق من قبل الله. لله نفسه، بصفته الخالق غير المخلوق “موجود”. في الفصل الثالث، عند عرض العلاقة بين الوجود والحقيقة، قمنا بتعريف الوجود بأنه phúsis، وفهمناه واستوعبناه كما يزدهر من تلقاء نفسه، كواقعة انتشاره وهو ينفتح، وفي مثل هذا الانتشار، إتجاز ظهوره، قيامه في هذا الظهور وبقائه فبه، باختصار، الهيمنة في ازدهار (انظر ص: 74 من النص الأصلي).
الفوسيس هو الوجود، بفضله وحده يصبح الموجود قابلا للملاحظة ويبقى كذلك. السؤال إرادة-معرفة، لكن ماذا تعني المعرفة؟ يجيب هايدجر: “المعرفة تعني أن تكون قادرا على الوقوف على الحقيقة”. حقيقة الوجود هي ظهوره، انكشافه، خروجه إلى النور، أو باستخدام التعبير المسيحي: مجيئه إلى العالم. لنستمع إلى ما يقوله هايدجر عن الله: “إنما فقط انطلاقا من حقيقة الوجود، نستطيع أن نفكر في ماهية الألوهية، وأن نتفكر ونقول كلمة الله”. إنما فقط باعتبار الوجود مستنيرا وتم اختباره وفق حقيقته، يمكن ان يظهر المقدس، الإلهي والله. الله هو المقياس الذي يجعل الإنسان يصل فورا إلى بعد عمرانه على الأرض. إنه “المجهول، اللا يمكن الوصول إليه، غير المرئي الذي يظهر من حيث هو كذلك (أي كما هو “موجود”) في الإنسان وفي الأشياء المألوفة لذى الأخير. الوجود الهايدجري الذي يمكن وصفه على مستوى الإشكالية الفلسفية على وجه التحديد، من خلال السؤال: “لماذا هناك وجود وليس بالأحرى لا شيء”، مثل الذي لم يسبق له أبدا أن وجد بغير الموجود، يشير إلى مطلق كاشف يمكن أن يكون بكل حرية ظاهرا ومتحجبا في الوجود.
إن هبة الموجود من قبل الوجود كأساس محايث ليست سوى الجانب الجوهري من هبة أكثر أصالة، متعالية وحرة بالمطلق، من ذاك الذي يبقى “غير مسمى”، إذن فهذه مصداقية التأويل المصوغ هنا وفقا لبرتراند ريو تجد سندها في التحليل الذي أجرته مارلين زارادر حول الدين (بتسكين الياء) غير المفكر فيه عند هايدجر. هل من الوهم إذا شعرنا بأن عمل هايدجر تخترقه شحنة صوفية لا يمكن إنكارها؟ القاموس الذي يستخدمه، المليئ بالأصداء الدينية، هل يمكنه الارتباط بالوجود المحدود والتاريخي دون أن يخفي الأخير ما وراء كل التاريخ؟ وعندما يعتبر الإنسان حارس أو انفراجة الوجود، الذي أسندت إليه الاستجابة إلى هذه الهبة الحرة للوجود، الذي لا يوجد منفتحا إلا في التعرض للوجود، الذي يجب أن يرحب بفرح وامتنان بنعمة الوجود، كيف لا يمكننا استحضار الرجل المتدين الذي وضع نفسه تحت تصرف إلهه؟ ومع ذلك، إذا عدنا إلى تاريخ الفكر الأوروبي، نجد حينها أن السؤال عن الوجود، من حيث هو سؤال عن وجود الموجود، يطرح بصيغتين. يقتصي أولاً مع أرسطو: ما هو بشكل عام الموجود من حيث هو موجود؟ الاعتبارات المتعلقة بهذا السؤال تنتظم ضمن نطاق تاريخ الفلسفة تحت عنوان: الأنطولوجيا.
لكن السؤال: “ما هو الوجود؟” يقتضي أيضا: ما هو الموجود بمعنى الموجود الأسمى وكيف هو موجود؟ وهذا الموجود بمعنى الموجود الأسمى، نسميه: “الوجود” في حقيقته الخالصة. هكذا تفكر الميتافيزيقا في الموجود ضمن كينونته. تجد هذا الموجود في الإلهي، الذي يكمن في ذاته، اللاهوت. بهذه الطريقة لم تعد الميتافيزيقا التاسيس الوحيد للموجود في الوجود، أنطولوجيا، بل هي كذلك تأسيس الوجود في موجود أسمى، الإلهي، وبالتالي في اللاهوت (théologie). ولأنها بشكل عام تعطي الأساس، فهي Iogie-. بهذه الطريقة هي أنطو-ثيو-لوجيا.
من اللازم أن يتم بوضوح إحالة الطابع المزدوج للسؤال عن الوجود إلى الطريقة التي ينكشف بها وجود الموجود. ينكشف الوجود في خاصية نسميها الأساس (Gründ). الموجود بشكل عام هو الأساس بمعنى القاعدة (Boden) التي يقوم عليها كل اعتبار لاحق للموجود. الموجود من حيث هو موجود أسمى هو الأساس بمعنى ما يؤدي إلى وجود كل موجود. في سياق تاريخ التساؤل الأنطو-ثيو-لوجي، ظهرت، إلى جانب مهمة تبيان طببعة الموجود الأسمى، مهمة أخرى لإظهار أن الأكثر موجودا في الموجود هو أن الله موجود.
تشير مصطلحات الوجود (Existenz)، والوجود-هنا (Dasein)، والواقع (Wirklichkeit) إلى نمط من أنماط الوجود. لا حاجة بنا إلى القول إن هايدغر، وقد توصل إلى قول، فهم معنى الوجود أو حقيقة الوجود، يعبئ في الوقت نفسه جسده، مدافعا عن حقيقة الله، وجوده، وأنه أساس كل شيء؛ لأنه بالنسبة للمسيحي كينونة = وجود. لذلك سوف نجازف بالمعادلات التالية.
يظن الملتصقون بالحس المشترك أن الفلسفة هي العدو اللدود للإيمان. لكن، ما هو الإيمان عند هايدجر؟ في جملة قصيرة، يعرفه على النحو التالي: “الإيمان هو وسيلة للانعقاد في الحقيقة”. لنلاحظ جيدا أننا أمام نفس التعريف الذي خص به المعرفة، ومن هنا جاءت المعادلة الصغيرة: إيمان = معرفة عند هايدجر. من يعرف حقا يستطيع أن يقول إن الله موجود. وبما أن الفيلسوف هو من يعرف، إذن حسب معادلتنا
لا يستطيع أن ينكر الإيمان، لأن إنكاره هو أيضا إنكار للمعرفة. كل الفلاسفة متفقون على هذه النقطة: تكون المعرفة دائما صحيحة، وإلا لن تكون معرفة. هكذا إذن لا يمكن ولا يجب أن يكون هناك أي تعارض بين الفيلسوف والإيمان. بعد ذلك، سوف نتطرق إلى المسألة الشائكة المتعلقة بالتزام هايدغر القومي الاشتراكي.
بمقارنة التعريفات التي أعطاها هايدغر للوجود والحقيقة، لم تعكس أقواله أي سلوك عنف تجاه تعاليم الإنجيل؛ سنبين ذلك من خلال بعدين: (1) طبقا لمعنى الوجود، و(2) طبقا لمعنى الحقيقة. فيم تتفق التصريحات الهيدجرية حول الوجود مع تعاليم الإنجيل؟ قلنا سابقا (انظر ص: 102 في النص الأصلي) إن الله من حيث هو خالق غير مخلوق “موجود”؛ الوجود “موجود”. حقيقة الوجود أو الله، هي ظهوره، انكشافه، خروجه إلى النور.. الحقيقة تنتمي إلى ماهية الوجود. الوجود ينكشف كحضور دائم، بل “حاضر” يتحدث لغة العصر.
يقول هايدغر: عندما يبلغ الزمان ثراءه، يبلغ الوجود ذاته امتلاءه. يسمي هايدغر الزمان بأفق الوجود، والزمان بالنسبة إليه ليس هو الزمن الذي أوله أرسطو ميتافيزيقيا، أي انطلاقا من الوجود، كحضور (ousia) لتحديده بشكل قانوني على أنه سلسلة من اللحظات. مع توالي اللحظات، يتعارض حسب هايدجر، ، ذاك الذي يحتوي على كل الأشياء معا، من خلال تأسيسه زعما على لحظة الأبدية. يقول هايدغر بخلاف ذلك: الأكثر راديكالية من المتعاقب وحتى من الأبدي هو الحاضر الذي تحتضنه في ذاتها تسمية الوجود، الذي من خلاله يتلاقى الماضي والمستقبل معًا أو بالأحرى يتجاوبان بطريقة مختلفة تماما عما تقوله عبارة “تباعا”. الحاضر، الماضي والمستقبل، بعيدا عن تشكيل متوالية، هم على نحو ثابت إلى حد ما معاصرون في عالم لا يمثل حاضره اللحظة العابرة، بل يمتد بعيدا بحيث يستجيب حاليا مستقبل لماض… من خلال التفكير في الوجود “تحت أفق الزمان” وليس العكس، يدعو هايدجر القارئ إلى التراجع عن الميتافيزيقا وسؤالها عن الوجود نحو فكرة أكثر راديكالية وهي، كما قال عام 1927، فكرة معنى الوجود أو حقيقة الوجود ذاته، التي من العجب أنها لا تظهر في مكانها الخاص إلا ضمن “انفراجة الزمان”. وهذه أعجوبة يمكن مطابقتها مع أعجوبة الإنجيل.
والآن، ماذا عن التزام هايدجر القومي الاشتراكي في ضوء إصرار فكره على العلاقة بين وجود-حقيقة-حرية؟ هذا السؤال يقتضي الآن سؤالا آخر حقيقيا، يطرحه كل إنسان يحركه، في هذه الحالة، الاهتمام بالتفكير: ما الذي حدث لهايدغر عام 1933-1934، حتى ينقاد إلى دعم النظام الذي تم تأسيسه للتو دون تحفظ من خلال الوعد بـ “ثورة قومية اشتراكية”؟ قبل أن نتناول هذا السؤال الحارق، نود أن نوضح ما يلي: (1) رغم أن هايدجر لم يسحب بطاقة عضويته لمدة خمس سنوات تقريبا، فهناك أسباب وجيهة للاعتقاد بأن قناعات هايدجر في ما يتعلق بالأيديولوجيا القومية الاشتراكية لم تدم أكثر من سنة توليه رئاسة الجامعة، وهي السنة التي استقال في نهايتها. (2) تم إدراك الالتزام القومي الاشتراكي نفسه – بسذاجة دون شك – كالتزام بالهيمنة السياسية والثقافية لألمانيا في أوروبا، الهيمنة التي من خلالها كان على الأمة الألمانية أن تحقق حريتها وحقيقتها. ولكن هذا لا يصل إلى العلاقة الأساسية التي يقيمها الفيلسوف بين الحقيقة والحرية. وفي ما يلي شرح هاتين القضيتين.
(1) لفهم انخراط مارتن هايدغر في الاشتراكية القومية وأنشطتها في ظل نظام هتلر، سيكون من الضروري الاهتمام بتحليل الحركة الطلابية في الجامعات الألمانية. وهذا قد يسمح لنا بالمشاركة بشكل أفضل في النقاش حول إصلاح الجامعة والمواجهات التي أطلقها. إنما في علاقة بهذين المشكلين، يؤكد فيكتور فارياس، سيتخذ مارتن هايدجر قرار الانخراط بوضوح في المعركة السياسية. وقد لاحظ هتلر التوجه السياسي لحركة الشباب، ولا سيما الحركة الطلابية، وقدرتها على التوسع منذ عام 1930. وأشار إلى اختراق حزبه صفوف الطلاب: تجاوز عدد مناضليه بكثير عدد المجموعات الجامعية المنظمة الأخرى مثل المنظمات القومية الإشتراكية غير الطلابية. ومن المؤكد أن أساتذة الفلسفة والتاريخ والاقتصاد كان معظمهم مقتنعين بأن الشعب الألماني هو “شعب ميتافيزيقي في معارضة عنيفة لسطحية الغرب الديمقراطي.” كما يشير فرانسوا فيدييه في: “هايدجر، تشريح الفضيحة”، بعد حرب عام 1946 مباشرة، كتب جان بوفريه رسالة إلى هايدجر، سأله فيها هذا السؤال: “كيف نعيد إعطاء معنى لكلمة إنسانية”؟ إذا لم يُفهم هذا السؤال على حقيقته، أي كسؤال يطرحه التاريخ الحديث، وعلى وجه الخصوص، الرؤية التي كانت لنظام هتلر وأتباعه، تعظم المجازفة بعدم الاستماع إلى جواب هايدغر. ذلك أن “رسالة في النزعة الإنسانية” تجيب على هذا السؤال. هذه الرسالة، وفقا لفرانسوا فيدييه، ليست على الإطلاق رسالة ضد الإنسانية (مثلما أن فكر هايدغر الأخير ليس ضد الميتافيزيقا، ولا ضد التكنولوجيا). الجواب نجده في الصفحة 345 من المجلد التاسع من الطبعة الكاملة، ننقله حرفيا كما يلي:
“إعادة إعطاء معنى بكلمة [الإنسانية] لا يمكن أن يعني إلا ما يأتي: إعادة تحديد معناه. هذا يتطلب، من ناحية، القيام بتجربة نمط وجود خاص بالإنسان بطريقة أكثر أصالة؛ الشيء الذي يعني، من ناحية أخرى، إظهار إلى أي مدى هذا النمط من الوجود، على طريقته، مرتبط بمصير”.
ماذا تعني تجربة نمط الوجود التي تحقق الإنسانية في الإنسان؟ هل يمكننا القيام بهذه التجربة دون أن نكون، بهذا المعنى الأصلي، ملزمين بالوجود؟ هل ما زال من الممكن، هناك، التمييز بين الممارسة والنظرية، مثلا؟ في نفس الكتاب، يقول هايدغر: “الفكر يفعل في هذا الذي يفكر فيه”. ومن الواضح أنه في عام 1933، مع الأخذ في الاعتبار توليه رئاسة الجامعة، أراد هايدغر التفكير أكثر من مجرد الفعل. أراد أن ينقل الفكر إلى الواقع، ليس كما يمكننا أن نقرأ هنا وهناك، من خلال الرغبة في ممارسة سلطة؛ أو حتى وفقًا لصيغة أوتو بوجيلر، من خلال الرغبة في “توجيه هتلر”. من الضروري أن نفهم ما أراده هايدغر نفسه، حتى لو كان ذلك يعني التساؤل في ما بعد عما إذا كان من المشروع بالنسبة إليه أن يريد ذلك في عام 1933.
لكن ما كان يريده هو ثورة في الجامعة الألمانية لجعلها قادرة على تربية “قادة المستقبل والأوصياء على مصير الشعب الألماني”. نعثر هنا مرة أخرى على كلمة المصير. في عام 1946، أعلن هايدغر أنه من أجل إعادة إعطاء معنى للإنسانية وفق تحديد جديد تماما لجوهره، ذلك الذي يقدمه تحت اسم الدازاين (الوجود-هنا) (على اعتبار أن الأساسي على وجه التحديد هو تجربة وجود هذا هنا – تجربة يمكن بل يجب أن تقال بكل اللغات)، ما يعني في نفس الوقت إظهار العلاقة الضرورية للدازاين بمصير. إذا كان لدينا أدنى تردد تجاه هذه الكلمة (المصير)، فلنستبدلها بالتاريخ، بشرط أن ندركه أكثر من مجرد تسلسل زمني بسيط: كبعد محدد نكون فيه (جميع البشر)، إذا كان حاضرنا الحقيقي مؤهلا بالفعل لجعل المستقبل ممكنًا بما يتناسب مع ما ورثناه. إن اختيار تسمية هذا البعد مصيرا وليس تاريخا، وفقا لما قاله فرانسوا فيدييه، هو طريقة هايدجر لتوضيح حقيقة أننا لسنا “في” التاريخ، بل إن لنا بعدا، أي أننا نقف في “الزمان” على قدر محدد ما نكون قادرين، وقد صرنا متلقين للمصير، على معرفة الذي يصير. ونعلم أيضًا أن مارتن هايدجر ألقى يوم 13 نونبر 1935 في فريبورغ محاضرة بعنوان: “في أصل العمل الفني”. في الفقرة 30 من الجزء الثاني من المحاضرة نقرأ: “الإثنيات والأعراق، تزداد قوتها بالاتحاد، عندما تعي جيدا ما يعود إلى مهمتها؛ بمعنى تصبح تاريخية وهي تنظر نحو المستقبل”.
ذلك ما قاله هايدغر بعد عام ونصف من استقالته من رئاسة الجامعة، وبالضبط بعد ثمانية أسابيع من صدور قوانين نورمبرغ، التي تقوم على مبدإ الفصل المنصوص عليه في القانون، بين كامل المواطنين على حدة؛ أي المواطنين الذين يجري في عروقهم الدم الألماني أو ذوي القربى، والمواطنين من الدرجة الثانية الذين لا يتمتعون يحقوق سياسية.
لإنهاء هذا الجزء الأول، يبدو من الضروري أن نستشهد بتصريح آخر لهايدغر عن الأيديولوجيا النازية. آلان بولوك في كتابه “هتلر” (ر. ص. 394) يخبرنا بأن: “ما سعى هتلر إلى التعبير عنه بكلمة “العرق” هو إيمانه بعدم المساواة – بين الشعوب والأفراد – كقانون طبيعي لا يرحم”. إن مفهوم العرق، عند النازيين، طبيعي، وجسدي بحت. الدم هو أولا الدعامة المادية. بهذا المعنى، هناك في النازية تماما اختزال للأيديولوجيا: كل كنوز الحضارة والفن ليست في نظر النازيين إلا تعبيرا عن العرق المتفوق.
ما موقف هايدغر من هذه الإيديولوجيا؟ نلاحظ منذ عام 1934، في محاضراته، أن مؤلف كتاب “الوجود والزمان” يعارض عمدا مثل هذا الاختزال البيولوجي. ما قاله وردده هو أن تأسيس الحركة الثورية على مفهوم العرق نصف إجراء. وطالما لا نعرف إلى أي مدى كان هايدغر مفكرا ثوريا براديكالية نادرة، لن نكون قادرين على فهم أي شيء عن التزامه السياسي. راديكاليته ليست سياسية في المقام الأول. ومن المحتمل جدا أن هايدغر عرف في وقت مبكر جدا ما في تداعيات اكتشفاته مع تقدمه في عمله من أمور مزعجة تماما: أولاً، الحدس حول الرابطة الوثقى التي تربط وفق إيقاع البشر ب”الحقيقة” بالمعنى اليوناني لكلمة alèthèia – بحيث يعني الوجود بالنسبة إلى لإنسان الوجود في علاقة بالحقيقة – (alètheuein)، وذلك الوجود بفضل الحقيقة يصبح هو نفس تعريف الفكر. وهذا يقودنا إلى شرح النقطة الثانية.
دراسته باستمرار قائمة على منحة من أحد الأمراء، وكانت النتيجة المحتومة لهذا النزاع الديني، العداوة الاجتماعية. وأهم ما قاله كاتب المقال أن تحولات حدثت في تفكير هايدغر تغيرت بناء عليها نظرته إلى النازية، حيث كان يرى أن أجهزة الدعاية التابعة للدولة النازية أشبه بميتافيزيقا بديلة عن ميتافيزيقا الوجود، لكنها ميتافيزيقا صاخبة تعبر عن العدمية الكبرى، وحتى الدعاية التي يقوم بها الشعب تقع في ذلك السياق. من هذه الزاوية فإن النازية تعبير عن خراب العالم وتدمير الأرض.
المرجع نفسه




