قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الأول)

أحمد رباص ـ تنوير
“كنت اتحاديا، سيرة ذاتية” عنوان كتاب عبد الجليل باحدو صدرت طبعته الثانية في فبراير 2026، عن المطبعة والوراقة الوطنية بمراكش. حظي هذا المؤلف منذ صدور طبعته الأولى باهتمام كبير من لدن القراء، مغاربة وعربا، وتمت الدعاية لصالحه إعلاميا وصحافبا.
من سياق الدعاية الإيجابية الصحافية لفائدة الكتاب ومؤلفه، نقتبس هذه الجملة الواردة في مقال بقلم عبد الرحيم مفكير قدم فيه لهذا الإصدار الجديد ونشر على موقع “معلمة” الإلكتروني في 27 دجنبر 2025: “(هذه) وثيقة فكرية وسياسية تستحق القراءة والتأمل”. من عنديتي أضيف أنها تستحق أيضا الفحص والتدقيق. وهذا ما سأحاول القيام به خلال هذه الحلقات التي أتركها مفتوحة تحسبا للجدل الممكن مع قراء آخرين.
شرعت في القراءة وتوالت الصفحات تباعا إلى أن وجدت الفقرة الثانية من الصفحة (12) قد أفردت لشاعر مغربي لا أحد يشك في إخلاصه للفكرة الاتحادية. تقول الفقرة:
“أما حسن نجمى رئيس اتحاد كتاب المغرب سابقا، على عهد إدريس البصري، وعضو المكتب السياسي للاتحاد، فإنه عندما قدم استقالته من المكتب السياسي، لم يقدمها بسبب الخط السياسى أو الانحراف الذى عرفه هذا الحزب، ولكن مشكلته كانت في بيع التزكيات، ومساومة مناضلين بالحزب ماليا، ولا يتعدى الأمر احتجاجا على عدم استشارته كابن المنطقة (ابن أحمد)، ربما كان الأمر يتعلق بمنافسة على تسويق التزكيات!!”
إذا تأملنا، كما يريد زميلي مفكير، ما كتبه باحدو في هذا المقطع، نستنتج عدة أمور لا يليق بكاتب أن يغفل عنها. أولها أن هذا الموقف المعبر عنه في الفقرة الواردة أعلاه من حسن نجمي ينم عن رغبة في خلط الأوراق. كان حريا بأن يمحو ما كتبه في هذا الشأن لأنه يفضح تحامله على من يقفون إلى جانبه في نفس الخندق ويشتركون معه في تحميل “إدريس الثالث” مسؤولية إجهاض أحلام الاتحاديين كما قال في مستهل كتابه.
وليكن في علم الكاتب أن حسن نجمي يكفيه فخرا أنه قدم استقالته من المكتب السياسي احتجاجا على سلوك لاديمقراطي. أو ليس تسويق التزكيات لمن يدفع أكثر من الأعيان وأصحاب “الشكارة” دون إعطاء الأولوية لمناضلي الحزب انحرافا عن خطه السياسي؟؟؟ كلمة “ربما” الواردة في الفقرة أعلاه دليل على أن الأخ عبد الجليل يهرف بما لا يعرف، وعلامة على أن صاحب الموقف غير متأكد مما يقول.
في نفس الحيز من الكتاب، لمست أن الخطاب الذي بعرضه غير متماسك، ويقوم دليلا على إزدواجية يرزح تحت إكراهاتها المؤلف، وعلى سقوطه في تناقض مع ذاته.
ففي محاولة منه إيهام القارئ بأنه يملك وعيا حداثيا، استشهد بقولة لنيتشه يضرب فيها الاخلاق والدين والقيم جميعا معتقدا أن وراءها “تكمن غرائز وأهواء لا واعية، أحيانا شرسة وعدوانية وأحيانا متسترة ببذاءة خفية أو أكاذيب”، وبعد هذا الاستشهاد الوارد في الصفحة (11) تجد في الصفحة (13) حديثا شريفا وظف للتنبيه إلى مغبة السقوط في الضلال تحت تأثير الكتب. ما هذا التذبذب؟ هل التنشىة الحزبية التي تلقاها الكاتب هي التي تقف وراء هذا التناقض؟ أم ماذا؟
تعليقا من أحد أصدقائي الأساتذة على هامش هذه الفقرة الأخيرة التي تقاسمتها معه عبر (الواتساب)، كتب يقول: “هذا تيهان وعدم الضبط المعرفي الذي جعله يُوظف ما لا يقبل التوظيف في النص حتى أصبح حجة ضده لا معه…”
وباعتباري قارئا ومتلقيا لهذا الكتاب، يكون من حقي أن أسجل عليه بعض الملاحظات سواء كانت ذات صلة بالشكل أو ذات علاقة بالموضوع. من هذا القبيل، يمكن لي الحكم على الفقرة الرابعة والأخيرة من الصفحة (111) بأن بدايتها لم تكن موفقة؛ الشيء الذي مرغ انفها في تراب الركاكة: تحليل نشوء التعليم الحر ودواعيه، التي سبقت الإشارة إليها، فإن جيلنا الذي درس في مدارس محمد الخامس بالرباط لا يمكنه إلا أن يعترف بجودة التعليم فيها…”
ومن ناحية المضمون، نصادف ما يوحي بـ”ذكر الواضحات من المفضحات”. هذا ما نقف عليه في الصفحة (115): “كنا نتمتع باللياقة البدنية الكافية للجري والاختباء في الأزقة ودروب المدينة القديمة”. ذكر “اللياقة البدنية” في هذا السياق تحصيل حاصل، لأنها عادة ما تكون متوفرة في مثل هذا السن.
وفي الصفحة 117 نقرأ: “(…) فإنهم طلبوا مني قراءة مادة اللغة العربية التي امتحنوا فيها”. لعل الأخ باحدو أراد أن يكتب: “…:التي امتحنوني فيها”. ومع ذلك يبقى هناك لبس يكتنف “طلبوا مني قراءة مادة اللغة العربية”. كيف يعقل أن يتم التوجه لمعلم مبتدئ وصغير السن أن يقرأ كل مادة اللغة العربية هكذا كيفما اتفق. مرة أخرى، نفترض: ربما سي باحدو يريد ان يقول: طلب مني قراءة نص باللغة العربية. وفي الصفحة الموالية، نجد هذه العبارة: “متأثر بالثقافة والحضارة الإسبانية”. لا شك في أن الكاتب يعتبر ضمنيا الثقافة والحضارة كلتيهما إسبانيتين، لكن عند التصريح كتابيا لم يأت النعت مطابقا للكلمتين المنعوتتين، إذ جاء بصيغة المفرد بدل صيغة المثنى.
(يتبع)


