الملتقى 23 للذاكرة والتراث الثقافي بالشاوية- دورة أحلاف المذاكرة المجد للذاكرة المغربية

متابعة زكرياء عريف
في فضاء وسط التلال والجبال وأشجار الغاب، التأمت حوالي 400 من الحاضرين من أبناء وحفدة الشهداء والمجاهدين المذاكرة الذين شاركوا في معارك الشرف ضد الاحتلال الفرنسي في سنتي 1907 و1908، التأموا في خيمة واسعة في ساحة بريغيث التي شهدت قبل 118 سنة أشرس المعارك والبطولات المغربية. في هذا المكان الذي يبعد بحوالي 17 كيلومترا عن مدينة الكارة و12 كيلومترا عن مليلة، نظم مختبر السرديات بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، وجمعية البحث ملتقى الذاكرة والتاريخ، ونادي القلم المغربي وجمعية أحلاف للتنمية والثقافة والبيئة، وجماعة أحلاف بإقليم بنسليمان، الملتقى 23 للذاكرة والتراث الثقافي بالشاوية، دورة أحلاف المذاكرة، وذلك يوم السبت 16 ماي 2026 ، وقد انعقد الملتقى تحت عنوان: هوية القيم العليا بالشاوية: المذاكرة ومعارك الغابة – بريغيت وبير الورد، بحضور مؤرخين وباحثين وشعراء وأدباء ومخرجين سينمائيين وجامعيين وممثلي عدد من القبائل بالشاوية.
قد استهلت أشغال الملتقى الذي ترأسه شعيب حليفي بكلمات الجهات المنظمة، حيث أكد رئيس جمعية أحلاف للتنمية والثقافة والبيئة، السيد الطيبي الزعيري، أن تنظيم هذا الملتقى يندرج في سياق رد الاعتبار لأبطال المقاومة المذكورية، وربط الماضي بالحاضر، وصيانة الذاكرة الجماعية للمنطقة، كما ألقت الطفلة نعمة البرني كلمة باسم أحفاد المجاهدين، مستحضرة تضحيات المقاومين الأبطال وحرصهم على حماية الوطن وصون حريته، حتى يظل الأذان يرفع فيه بلا قيود. ومن جانبه، أبرز السيد عبد الله بنمنصور، في كلمة باسم أبناء وحفدة المجاهدين، أدوار المقاومين، وفي مقدمتهم المجاهد الأحمر بنمنصور، مشيدا بشراستهم في مواجهة المستعمر، وبأهمية هذا النشاط في حفظ التراث الثقافي وصيانة ذاكرة المنطقة. كما ألقى السيد عادل طبيطبي، رئيس جماعة أحلاف، كلمة بالمناسبة مرحبا بالجميع في هذا الحدث الاستثنائي، قبل أن يتناول شعيب حليفي الكلمة باسم اللجنة العلمية، مرحبا بالباحثين والمهتمين وحفدة المجاهدين وعموم الحضور، ومستحضرا بطولات رجال المقاومة بقوله: نقول لمن ماتوا في صمت: نحن معكم”، وأكد حليفي أن رجال المقاومة يستحقون صفة الشهادة بامتياز، وأن تكتب أسماؤهم في ذاكرة المغاربة ووجدانهم، مشيرا إلى أن هذه الدورة تأتي في إطار تثمين تضحياتهم وربط الذاكرة الوطنية بالحاضر والمستقبل.
افتتحت الجلسة العلمية بمداخلة للدكتور صالح شكاك بعنوان: “المذاكرة: مجال ورجال”، أكد فيها أهمية العودة إلى البادية باعتبارها عودة إلى جذور التاريخ والهوية. وتوقف الباحث عند إشكالية التأريخ لقبيلة المذاكرة، موضحا أن أغلب المعطيات المتوفرة تأتي إما من مراسلات مخزنية أو كتابات أجنبية، خاصة الفرنسية منها، بحكم حرص الجنود الفرنسيين على تدوين يومياتهم، خلافا للمغاربة الذين غاب عنهم هذا التقليد التوثيقي، مما يجعل التعامل مع تلك المصادر -رغم أهميتها- يقتضي قدرا من الحذر والتحفظ. وفي هذا السياق استعرض الباحث مجموعة من المعطيات الإحصائية المرتبطة بالإنتاج الفلاحي بالمنطقة ما بين سنتي 1908 و1928، كما أشار إلى صعوبة الإحاطة الدقيقة بتاريخ المقاومة الشعبية المذكورية، خاصة في ظل غياب إحصائيات دقيقة حول عدد الشهداء، وضعف الرواية الشفوية في سد هذه الثغرات.
كما أثار عددا من الأسئلة المرتبطة بالحياة اليومية للمقاوم المذكوري، من قبيل طريقة اتخاذ القرار، ودور الأعيان، وخصوصيات الفارس المذكوري، وعلاقته بالخيل والتنظيم القتالي..
وفي سياق حديثه عن معارك المقاومة، أكد صالح شكاك أن منطقة الشاوية كانت من أولى المناطق التي واجهت التغلغل الاستعماري، مبرزا مساهمة قبيلة المذاكرة في الدفاع عن الدار البيضاء ومقاومة الغزو الفرنسي منذ مراحله الأولى. واستشهد في هذا الإطار برسالة للجنرال درود، قائد قوات الاحتلال بالشاوية والدار البيضاء، موجهة إلى وزير الحربية الفرنسي، تحدث فيها عن تجمع قبائل الشاوية بتيط مليل ودار الحاج بوعزة، ومن بينها قبيلة المذاكرة. وأشار الباحث أيضا إلى خصوصية المقاومة بالشاوية، معتبرا أن القتال في السهول كان يتطلب شجاعة استثنائية، بخلاف القتال في الجبال، وهو ما جعله يصف أهل الشاوية بأنهم من أشجع المغاربة، لأنهم واجهوا المستعمر في “الوطا” دون ما يعول عليه للاختباء أو الانسحاب…
وقد أكد هذه الشجاعة عدد من الضباط الفرنسيين في تقاريرهم، حتى أن أحدهم أبدى إعجابه بشجاعة فرسان المذاكرة، كما استشهد الباحث ببيت للشاعر أحمد الكنوني المذكوري حول معركة بير الورد: وبير ورد كان شؤما وبلا، كأنه في الهول يوم كربلا.
ورغم اعتماد المستعمر سياسة الأرض المحروقة، شدد الباحث على أن المقاومة استمرت بأشكال مختلفة، منها التشبث بالأرض ومواصلة الإنتاج الفلاحي، وهو ما اعتبره شكلا من أشكال المقاومة التي ساهمت فيها المرأة أيضا. وأكد أن رجال المذاكرة، رغم بساطة تسليحهم مقارنة بالقوة الفرنسية المنظمة، واصلوا المقاومة وهم يدركون صعوبة هزيمة فرنسا، لكنهم رفضوا الاستسلام أو الموت جبناء. وختم الباحث مداخلته بالإشارة إلى أن معارك الغابة الأخيرة كشفت بداية مرحلة التعب والانكسار، في انتظار ميلاد مرحلة جديدة من الكفاح الوطني المسلح.
أما المداخلة الثانية، فقد قدمها الدكتور نور الدين فردي بعنوان: “تاريخ الشاوية المنسي: الأحمر بنمنصور رمزا للمقاومة ضد الاحتلال الفرنسي”، متطرقا إلى آخر معارك الغابة بالمذاكرة، خاصة بريغيت وبير الورد وسيدي موسى الهواري، متسائلا عن أسباب الهزيمة ومظاهر الضعف، ومنتقدا المقاربات التمجيدية للتاريخ، مؤكدا ضرورة كتابة التاريخ وفق أسس علمية دقيقة.
وقدم د/ فردي -في هذه المداخلة- خلاصات من كتابه المرتقب حول الأحمر بنمنصور، متسائلا عن أسباب تغييب هذه الشخصية وغيرها من الزعامات بالشاوية عن الذاكرة الوطنية والمقررات الدراسية، مقارنة بمقاومات أخرى كالريف والأطلس والصحراء، معتبرا أن أبناء الشاوية والمذاكرة يتحملون جزءا من مسؤولية هذا التقصير. كما استعرض مسار الأحمر بنمنصور منذ نشأته في بيئة مقاومة، حيث كان جده من الرماة المعروفين بالشاوية و واجهت قبيلته خلال القرن 19م القواد المستبدين . وأشار الباحث ان ملامح القيادة العسكرية عند الأحمر بنمنصور برزت مع الانتفاضات التي تلت وفاة السلطان الحسن الأول وترسخت مع الانتفاضات ضد القواد المستبدين مع بداية 1903 حيث كان يمثل قبيلته في اجتماعات زعماء الشاوية المنتفضون خصوصا بالمجني مع المرابط البوعزاوي . مع الانزال العسكري وقنبلة مدينة الدارالبيضاء في غشت 1907م شارك إلى جانب مقدمي الرمى، ومنهم الحاج حمو والقرشي بن الرغاي وولد بوعبيد …. في معارك متعددة من بينها معارك السور ومديونة وتادرت .
وتطرق الباحث الى المراسلات بين المقاومة الشعبية ومولاي حفيظ، ودور الشيخ الطيب البوعزاوي في تشجيعها على الجهاد، مبرزا أن الأحمر بنمنصور رغم إصابته في تلك المعارك الأولى، أبان عن شجاعة كبيرة واعتمد أسلوب “الكر والفر”، وهو ما وثقته الصحافة الفرنسية التي أطلقت عليه لقب: القائد الأحمر او القائد صاحب السلهام الأحمر . وتوقف الباحث كذلك عند بداية تراجع الشاوية بفعل تفكيك قبائلها، حيث كانت المذاكرة بقيادة الأحمر بنمنصور آخر معاقل المقاومة والمستهدف الأساسي لجيش الاحتلال ، قبل أن يعمل الاستعمار على تشتيتها بطرق متعددة من بينها استمالة بعض الاعيان و أتباع بعض الزوايا، لتتحول معارك بريغيت وبير الورد وسيدي موسى الهواري إلى معارك كرامة وإثبات للذات، في ظل اختلال واضح في موازين القوى.
وتناول الكلمة في الأخير المقدم مصطفى الخمليشي من امزاب الذي قرأ رسالة فريدة كان قد كتبها الشيخ المجاهد محمد بن الطيب البوعزاوي إلى أهل المذاكرة أولاد علي يحثهم على مواصلة الجهاد. وقد اختتم الملتقى بتكريم أحفاد عدد من المجاهدين الذين شاركوا أو استشهدوا في معارك الشاوية والغابة، وهم: الأحمر بنمنصور الذي استشهد خمسة من أبنائه في هذه المعركة، بوشعيب بن الغزواني شهيد معركة صخرة النسور في 24 أبريل،محمد بن العربي المذكوري الزيداني شهيد معركة بير الورد، المقدم المعطي بن رضوان من مليلة شهيد معركة جحفة، المعطي بن الغزواني بن الحماني شهيد معركة السدرة في 18 فبراير، ابنه احمر الراس الغزواني من مليلة،المقدم محمد بن رضوان من مليلة ، السماحي المعطي بن بوعزة ولد الساحقة، المعطي بن رضوان وابنه محمد، ، بوعزة بن الشرقي، بوعزة بن محمد بن بوعزة المبارك، فاطنة الرطروط، بوعزة السرحاني ، المعطي بن بوعزة ولد الساحقة، بوعزة السماحي، المقدم محمد بن بوعزة من المباركيين، الفقيه المجاهد سي المكي مول الكمري، الفقيه القاضي بوعزة بن الشرقي.
وتخللت فقرات الملتقى قراءات زجلية بمشاركة كل من الشعراء غالي عزيز، وفتيحة المير، وأحمد السالمي، ومن الكارة حامد رميقي، إضافة إلى عروض من الفلكلور المحلي “عبيدات الرمى”، التي أضفت على الملتقى أجواء احتفالية تستحضر الذاكرة الشعبية والتراث الثقافي للمنطقة.


