قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الثالث)

أحمد رباص ـ تنوير
حتى لا أطيل على القارئ في سرد بقية مراحل أوطم التي غيبها عبد الجليل باحدو في كتابه “كنت اتحاديا”، والتي يمكن له (القارئ) الاطلاع عليها في مقالي “إطلالة تاريخيه على الاتحاد الوطني لطلبة المغرب.. من المهد إلى المهد” المنشور على منصة (الحوار المتمدن) في فاتح يناير 2022، أواصل قراءة المؤلف بنفس الطريقة التي طبقتها في الحلقتين الأولى والثانية.
من الأشياء الدالة على تسرع الكاتب في رسم أسماء مشاهير الفلاسفة والمفكرين الأجانب، أننا نجده يكتب: (فيورباخ) بدل فويرباخ. زيارة عابرة للشيخ “غوغل” كانت كافية لتفادي هذا الخطإ، حتى وإن كان طفيفا. والأنكى أن سي باحدو لم ينتبه إلى أنه من الخطإ اثبات الكاف في المرادف العربي لكلمة (dynamique)، في (ديناميكي)، بحيث تصبح (دينامي)، ونقول كمرادف للاسم المصدر (dynamie) (دينامية) ولا نقول او نكتب: (ديناميكية).
في الفقرة الثانية والأخيرة من الصفحة (137) نقرأ: “كان عمر (بنجلون) مناضلا مؤمنا أشد الإيمان بالفكر العلمي وبالاشتراكية العلمية منهجية وهدف”. إلى معرفة نحوية ضمنية نستند لقراءة كلمة “منهجية” منصوبة وكذلك الكلمة التي تليها بحكم واو العطف الرابط بينهما يجب أن تكون منصوبة.
لا يخلو الكتاب من جمل مبهمة. مثلا، في الصفحة (173) يكتب أن النقابة الوطنية للتعليم “برهنت عن حضور فاعل في الساحة التعليمية، وقدرة على التنظيم والتعبئة، ففازت بـ95٪ من المقاعد في انتخابات اللجن الإدارية المتساوية الأعضاء برسم سنة1976 ـ1981”. لسنا هنا أمام سنة، بل أمام ولاية من خمس سنوات. أحيانا، نصادف عناوين أسيئ التعبير عن فحواها: تنظيم انتخابات المندوبين إلى الجمع العام وفقا للقانون الأساسي (ص: 175). لي فهم شي حاجة يقلها لي!!
في الصفحة (179) نقرأ: “من البديهيات التي لا تحتاج إلى نقاش ولا برهنة أن تقدم الشعوب وتطورها بني على التعليم والمدرسة…” فما دام أن الأمر يتعلق بالتقدم والتطور وجب إضافة الألف إلى فعل “بني” المبني للنجهول؛ لأن له نائبي فاعل تقديرهما التقدم والتطور.
في الصفحة (183)، يقف الكاتب عند محمد جسوس مذكرا بقولته الشهيرة: “يريدون خلق جيل جديد من الضباع”، لينتقل بعد ذلك إلى فشل الدولة المغربية في القضاء على الأمية لغياب الإرادة التي توفرت لدى دول أخرى ذكر بعضها. في هذا السياق، لفت الكاتب الانتباه إلى أن نسبة الأمية في المغرب تقلصت إلى 24٪ وفق إحصائيات البنك الدولي لسنة 2021.
ساق لنا الكاتب معطيين يتعلقان بقولة لمحمد جسوس ونسبة الأمية عندنا في المغرب. ولست أدري لماذا لم يفتح في شأنهما نقاشا ولو على شكل قوس أو إشارة عابرة. تحدث جسوس عن خلق جيل “جديد من الضباع”، وهذا يقتضي بالتالي أن هناك جيلا قديما من الضباع، فمن خلقه؟ وهل يجوز إسناد مهمة خلق “جيل جديد من الضباع” إلى جهة أخرى غير أفراد الجيل القديم. وكيف نفصل الجيل الجديد عن الجيل القديم حتى لا يكون بينهما تأثر وتأثير؟
أما بخصوص نسبة الأمية التي حددها صندوق النقد الدولي في الرقم سالف الذكر، فثمة أكثر من سؤال ينبغي طرحه. ما مصداقية هذا الرقم؟ هل توصل إليه البنك الدولي كنتيجة لأبحاث ودراسات ومسوحات قام بها باحثون محايدون؟ أم جاء نتيجة عملية حسابية أجريت اعتمادا على بيانات متحكم فيها ومغربلة بعناية؟ ولماذا لم ينتبه سي باحدو إلى أننا لو سلمنا بحصول نسبة 24٪ على جانب من الصحة فينبغي أن تنعكس إيجابا وازدهارا في مجالات السلوك المدني والقراءة والصناعة الثقافية والإبداع الفني والجمالي؟؟
لننقل في ما يلي فقرة من الصفحة (184) بحذافيرها لكي نعيد فيها النظر:
“هكذا ضعفت المصداقية في المدرسة وفي وظيفة التعليم، وتغيرت نظرة المجتمع لدورها بسبب الإحباط وتدني مستوى التكوين المعرفي فيها وأنها لم تعد تقوم بدور الرافعة الاقتصادية والاجتماعية وأنها أصبحت تفرخ أصحاب الشواهد المعطلين..”
لو كنت حاضرا مع سي باحدو أثناء التحرير النهائي للكتاب الذي بين أيدينا لكنت قد اقترحت عليه أن يحذف (أنها) من الفقرة لأن لا زوم لها، وأن يكتب (شهادات) عوض (شواهد) لأن الكلمة الأخيرة جمع شاهدة أو شاهد، وأن يستعيض بـ(إلى دورها) عن (لدورها)، حتى ولو كانت حروف الجر تنوب عن بعضها أحيانا.
نفس الشيء قد نقوم به في ما يخص هذه الجملة الواردة في الصفحة (188): “وعند وصول النظام إلى الباب المسدود بسبب اختيارات التبعية للرأسمالية الأوربية، لم يجد النظام سوى التعليم ليجعل منه كبش فداء”. كان اجمل وأصح لو تراجع سي باحدو عن ذكر (النظام) للمرة الثانية في تلك الجملة.
تحدث الكاتب في الصفحة (188) عن “حالة التأرجح التي يعيشها المغرب منذ قرن بين قوى المحافظة وتيارات التحديث والعقلانية”، مستحضرا في هذا الشأن ما ذهب إليه عبد الله العروي في كتابه “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” من كون المغرب “يسبح بين خيبات الماضي وبناء المستقبل”. ولكن ما لم ينتبه إليه سي حدو هو أن العروي ينطلق من عدم القدرة على الحسم في القطع مع الحضارة التاريخية التي تتجسد، كما يقول خالد الغنامي “حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته”.
ويرى الغنامي أن “هذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل”.
في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار، يستنتج كاتب المقال.
(يتبع)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) خالد الغنامي، “التفلسف على الحضارات”، جريدة “القدس العربي”، 12 ماي 2026



