قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الخامس)

أحمد رباص ـ تنوير
في الصفحة (244)، يورد عبد الجليل باحدو نصا لإبراهيم اوشلح مقتطعا من مذكراته دون أن يضع نقطتي تفسير أمام “يقول”، ولم يقم بحصر النص المستشهد به بين مزدوجتين، واكتفى بكتابة رقم يحيل إلى مصدره دون ذكر رقم الصفحة التي تحتوي عليه.
في تعليقه على هذا النص، تساءل الكاتب: “ألم تكن هي نفسها مبادئه؟” نلاحظ هنا أن الهمزة المتطرفة في “مبادئ” كتبت على الياء بينما كان من اللازم كتابتها فوق السطر منصوبة لأن الكلمة خبر كان.
يقول سي باحدو في الصفحة (245): “يؤكد أحمد قداف ان حركة ‘الاختيار المسلح’ تكونت من فئات وطبقات اجتماعية متعددة، خاصة من المواطنين الذين اكتوا بنيران البؤس والقمع..” لو قال الكاتب: “(… ) من المواطنين الذين عانوا من أوضاع البؤس واكتوا بنيران القمع…” لكان أحسن التعبير؛ لأن النيران مرتبطة فعلا بالقمع وليس بالبؤس الذي يتسبب للناس في ضروب من المعاناة.
ويبدو أن الكاتب، وقد كان معلما، نسي الدروس التي تعلمنا منها كيف تكتب التاء المتطرفة بناء على موقعها من الإعراب. فها هو قد عاد مرة أخرى إلى كتابتها على الياء: (…) التي تقاسموا مبادئها”. الصحيح هو أن تكتب الهمزة فوق السطر لأن الكلمة مفعول به منصوب.
كشف الكاتب، على مساحة من عدة صفحات، عن الامتيازات والمناصب التي حصل عليها بعض المنتسبين إلى “الاختيار المسلح” في الخارج من الدولة المغربية عند رجوعهم من منافيهم الاختيارية إلى الوطن. كما كشف عن الأموال التي راكموها من جهات أجنبية كانت تريد تقويض استقرار البلد باسم الثورة المفترى عليها، وكيف تحولت إلى رساميل مولت مشاريع سياحية وتجارية.
لقد حصلوا من الدولة المغربية على امتيازات مادية ومعنوية رغم أنهم كانوا من كبار خونة “الثورة”، بينما كان مصير المناضلين الحقيقيين الثابتين على مبادئهم النبيلة الموت والسجن في أحسن الأحوال. هذا الوضع يذكرنا بما حصل في فجر الاستقلال من تكريم المتعاونين مع الاستعمار وتبويئهم مناصب سلطوية أساسية، في حين طال الإهمال والإقصاء المقاومين الفعليبن وذويهم. ما أشبه اليوم بالبارحة!!
في بداية حديثه عن التحاقه بجريدة “المحرر”، يقول الكاتب في الصفحة (258): “بعد خروجه من السجن، وفي إطار الاستعداد للمؤتمر الاستثنائي، قرر الحزب استئناف صدور جريدة “المحرر” وتحويلها إلى يومية بعد أن كانت أسبوعية، صادفت عمر (بنجلون) في اكتوبر 1974…” لا شك أن ذهن القارئ يصاب بالارتباك عند قراءة هذه السطور، وكان على الكاتب، لكي يضمن سلاسة التعبير ويسهل على قارئه المأمورية، أن يقول: “في إطار الاستعداد للمؤتمر الاستثنائي، قرر الحزب استئناف إصدار جريدة “المحرر”، وتحويلها إلى يومية بعد أن كانت أسبوعية. بعد خروجه من السجن، صادفت عمر في أكتوبر 1974…”
المهم أن عمر بنجلون أخبر سي عبد الجليل بأن الاختيار وقع عليه للالتحاق بهيئة تحرير الجريدة المزمع الشروع في إعدادها، لكن راوي القصة المعني بالتعيين رد على مخاطبه نافيا أي علاقة له بالصحافة. من خلال هذا الرد يستشف أن سي باحدو لم يكن من قراء صحافة الحزب بشكل يومي إذ لو كان قارئا نهما للجرائد لراكم عدة مهارات ولاستبطن أساليب الكتابة، ولسهل عليه الاشتغال كصحافي. والواقع أن المعني بالأمر كان رجل تنظيم فقط، والشاهد على ما أقول فشله في مواصلة مساره كصحافي وتخليه عن العمل الصحفي منذ أفول تجربة المحرر واختفائها بعد أحداث يونيو 1981.
وصلت التجربة الصحفية لسي باحدو إلى الباب المسدود رغم التفرغ النقابي الذي كان يتمتع به ورغم تعيينه باكرا في منطقة غير بعيدة عن الرباط. بينما نحن جيل الثمانينيات تم التلويح بنا كمعلمين بعيدا في الجنوب والشرق المغربيين، وتمكن البعض منا من مواكبة جريدة “الاتحاد الاشتراكي” قراءة ومراسلة، ولا أحد منهم حظي بالتفاتة مماثلة من المسؤولين عن الإعلام الحزبي رغم بلائه البلاء الحسن على أعمدة الجريدة، وكانت منابع التفرغ النقابي قد جفت نهائيا.
يقول عبد الجليل باحدو في مقدمة كتابه: “كنا متشبعين بأحلام الحزب وشعاراته عن الحرية والديمقراطية والاشتراكية والعدالة الاجتماعية، وبناء مجتمع جديد أفقنا ذات يوم ونحن في خريف العمر، لنرى أن كل الأحلام تبخرت”.
لم يكن الوقوف على تبخر الأحلام يحتاج إلى الإشراف على “خريف العمر”، بل حصل عندي في وقت مبكر عندما كنت شابا لا أقل حماسة نضالية عن عبد الجليل، حريصا على تغذية جريدة الحزب بعيون المقالات وأنا معلم بضواحي أكدز. لكن بعد انتهاء أشغال إعادة تهيئة وتعلية مقر الجريدة بالدار البيضاء في صيف 1993، منعني البواب من الدخول بدعوى الامتثال لتعليمات من إدارة الجريدة. لم أجد بدأ من العودة من حيث أتيت مكتفيا بأن قلت للبواب: كان على إدارة الجريدة أن تضع رهن إشارتك لائحة بالمراسلين المواظبين!!
(يتبع)

