قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء السادس)

أحمد رباص ـ تنوير
في أعلى يسار غلاف كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو، نجد هذه العبارة: “طبعة مزيدة ومنقحة”. لا يهمني جانب الزيادة بقدر ما يهمني جانب التنقيح. فمن خلال الأخطاء اللغوية والنحوية والأسلوببة الواردة في الكتاب، كما وقفنا على أمثلة منها، يدرك القارئ أن من تكلف بمهمة التنقيح لم يقم بها كما ينبغي. مرة أخرى، نلاحظ أن الهمزة المتطرفة تسببت للكاتب في عدة مشاكل. ففي الصفحة (265)، السطر الأول تحديدا، نجد هذه العبارة: “كنت أقدر أصدقائه”. كان على الكاتب بالدرجة الأولى، أوعلى المنقح بالدرجة الثانية، أن يكتبا الهمزة فوق السطر لأن الكلمة إياها مفعول به منصوب.
تحدث الكاتب، منذ مستهل الصفحة (266) عن انتقاله من سلا إلى الدار البيضاء في غشت 1972 واكترائه لشقة صغيرة. قد يبدو هذا الحكي عاديا، لكن من شأن التمعن فيه مليا أن يترك القارئ في حيرة من أمره. ما الداعي إلى هذا الانتقال؟ هل جاء نتيجة المشاركة في الحركة الانتقالية لنساء ورجال التعليم الذين كان باحدو واحدا منهم؟ أم أن الانتقال من سلا إلى الدار البيضاء جاء كاختيار حر بحكم أن سي باحدو استفاد من تفرغ نقابي؟ وإن كان فعلا متفرغا، فلماذا لم يخبرنا بتفرغه وبكيفيات وحيثيات الحصول عليه؟ أما الانتقال إلى العاصمة الاقتصادية من أجل الالتحاق بهيئة تحرير جريدة “المحرر” فلم يحصل إلا بعد الالتقاء بعمر بنجلون سنة 1974.
في اسفل نفس الصفحة، نقرأ: “كان ضيفَ الشرف المرحوم محمد بنيحيى. الذي أصدر جريدة ‘البلاغ’، الجلسة رائعة، والحديث يدور حول الأدب والفكر والسياسة، وحسن يحرص، عن قصد او بغيره، على معاندة المديني، فكلما خاضا في موضوع، كنت اتوجس اندلاع معركة…”
يقوم هذا النص دليلا على أن التنقيح المشار إليه في غلاف الكتاب شيء مفترى عليه. كيف ذلك؟ هذا ما سأحاول البرهنة عليه من خلال الملاحظات التالية:
هناك نقطة لا داعي إليها بين “بنيحيى” و”الذي”، ثم هناك خلط بين زمن المضارع وزمن الماضي، مع أن الحركات الواردة في النص وقعت في زمن مضى وولى. وأخيرا هناك ملاحظة تخص استعمال أسلوب ناقص: “فكلما… كنت…”، ولكي يكتمل يجب إضافة “إلا” فيصبح الأسلوب على الشكل التالي: “فكلما … إلا وكنت …”
لنقم الآن بتقويم النص وإعادة بنائه على ضوء الملاحظات السابقة: “كان ضيفَ الشرف المرحوم محمد بنيحيى الذي أصدر جريدة ا’البلاغ’. كانت الجلسة رائقة، ودار الحديث حول الأدب والفكر والسياسة، وحرص حسن، بقصد أو بغيره، على معاندة المديني. فكلما خاضا في موضوع إلا وتوجست اندلاع معركة”.
في وسط الصفحة الموالية (266)، كتب الأخ عبد الجليل:” (…) أطلت جوزي، زوجة الأستاذ الصبار، من سطح بيتهما…” لماذا لم يكتب سي باحدو: “من سطح بيتها”؟ أليست ربة البيت؟
ومن خلال أسماء أعضاء هيئة تحرير الجريدة الذين ذكرهم باحدو في كتابه، يتبين للقارئ أن القاسم المشترك بينهم هو اقتصار اهتماماتهم على الأدب. فإذا استثنينا المرحوم محمد عابد الجابري، العضو في المكتب السياسي للحزب، نلاحظ أن الخط التحريري للجريدة يغلب عليه الطابع الأدبي والسياسي، ويعاني، بالتالي، من نقص فظيع في الجانب الفكري والفلسفي. السبب في ذلك راجع إلى عدم إيلاء هذا الجانب ما يستحق من عناية. فلماذا يقول سي باحدو إن زملاءه في الجريدة يخوضون في مواضيع فكرية عندما يجتمعون في شقته، علما بأن الجابري لم يكن يحضر معهم؟ وهل هناك فكر بدون فلاسفة؟
لا أنفي احتضان الجريدة لأقلام محسوبة على الفلسفة، مثل المرحومين سالم يفوت ومحمد سبيلا وعبد الله العروي وكمال عبد اللطيف وآخرين. لكن لا أحد من هؤلاء المفكرين تمت المناداة عليه ليكون عضوا في هيئة التحرير، وإنما تم التعامل معهم كقراء، أو كمتعاونين في أحسن الأحوال. وما يمكن استنتاجه من هذا الإقصاء هو أن السياسي في حزب “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية” كانت له الغلبة على الثقافي.
في الصفحة (267)، نقرأ أن السيدة جوزي أطلت من نافذة بيتها وشاهدت المديني والعلوي وهما يتبادلان أطراف الحديث “في ود وهدوء”. لم تصدق عينيها، أحضرت المنظار الكبير (Jumelle) لتتأكد أن ما رأته حقيقة…” استعمال عبارة “المنظار الكبير” غير موفق، ويوحي بأن السيدة جوزي عالمة فلك تستعمل منظارا كبيرا لتشاهد الأجرام السماوية. وحتى يتفادى هذا اللبس، كان عليه الاكتفاء بالوصف الذي اعتاد المغاربة الإحالة به إلى هذا الجهاز: “مراية الهند”. ولست أدري لماذا غاب عن المسؤول عن التنقيح أن الكلمة الفرنسيه الدالة على هذه الآلة تكتب بحرف [s] لأنها تدل على شيئين، مثل “ciseaux”.
وقبل الانتقال من الصفحة (267)، لا بد من أن نشير إلى أن متطلبات فعل “أكد” هي غير متطلبات “تأكد”. يجوز استعمال “أن” باعتبارها من أخوات “إن”، ولا يجوز استعمالها بعد فعل “تأكد” كما كتب سي باحدو: “لتتأكد أن ما رأته حقيقة”، والصواب هو: “لتتأكد مما إذا كان ما رأته حقيقة”.
وفي الفقرة الأخيرة من نفس الصفحة، يتحدث سي باحدو عن تخصيص المديني لفصل كامل من روايته “رجال الدار البيضاء ـ مرس السلطان” لصديقة حسن العلوي. وحتى يبين سي باحدو للقارئ كيف أن كاتب الرواية نفذ إلى أعماق نفسية صديقه، قال: “وأبدع في الغور إلى نفسيته”.
أرى أن الجملة الأخيرة سليمة دلاليا وبلاغيا. فـ”أبدع” تعني الإتيان بشيء جديد، ماهر وغير مسبوق في جودته. وتعني كلمة “غور” الدخول إلى الأعماق السحيقة كأعماق الأرض والبئر العميقة. والمقصود هنا نفسية العلوي بما تحتوي عليه من خبايا نفسية وأسرار داخلية ومشاعر دفينة.
تحتوي العبارة على استعارة مكنية رائعة حيث شبهت (العبارة) النفس البشرية بمكان عميق جدا (غور)، واصفة عملية فهم هذه النفس بـ”الإبداع”، ما يعني أن هذا الغوص النفسي لم يكن عاديا، بل كان ذكيا، عميقا وفيه مهارة وفراسة عاليتين. من ناحية أخرى، تستعمل هذه العبارة عادة في النقد الأدبي، أو عند وصف كاتب برع في تحليل سيكولوجية شخوص روايته، أو عند وصف طبيب نفسي تمكن من فهم مريضه بدقة.
(يتبع)



