ثقافة و فن

قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الحادي عشر)

أحمد رباص ـ تنوير
في الصفحة (307) يتحدث الكاتب عن شخصية مطيع وعلاقاته المعقدة ودوره في الأحداث السياسية والأمنية في ليبيا والمنطقة. ويذكر فوزي أن مطيع، بعد فشل سابق، تمكن من اختراق ليبيا بتوجيه من رئيس المخابرات المغربية، وكان على تواصل دائم مع شخص اسمه الحسين جميل، المعروف بالاسم الحركي “عباس”. هذا الاتصال ظهر صدفة في مكالمة هاتفية، حيث وعد عباس مطيع بأن الأحكام في قضية عمر بنجلون ستبرئه، لكن الحكم بالسجن المؤبد أصابه بهيستيريا وغضب شديدين، و”صب جام غضبه على الدكتور الخطيب”، مما يؤكد أن مطيع كان خادمًا للخطيب ومنفذًا لأوامره.
بعد ذلك، قام مطيع بانعطاف كبير، حيث زار الجزائر، وبعد 20 يومًا من أحداث الحرم المكي انتقل إلى ليبيا، حيث تخصص في مهاجمة إيران وكتب العديد من الكتب المسيئة للثورة الإيرانية، وكسب من ذلك أموالًا طائلة.
ويصف فوزي عبد الكريم رفيقه السابق، الذي أصدر مجلة “المجاهد”، بأنه شخصية غامضة وشغوفة بجمع الأموال، يرضي الجميع من أجل مصلحته الخاصة. بعد صدور الأحكام في قضية عمر، جمع عدة ملايين تحت ذريعة أتعاب المحامين ومساعدة عائلات المعتقلين، لكنه كان يلهف الأموال بينما عاش الضحايا في بؤس وحرمان.
ويحكي الكاتب أن أحد التنظيمات السرية عرض على مطيع مبلغ خمسة ملايين شهريًا ليقيم في بلد أوروبي، لكنه فضل السعودية رغم عدم حصوله على المبلغ، لأن سوق الدين والتجارة في السعودية أفضل بالنسبة إليه كتاجر مجرب.
وختم المؤلف هذه الصفحة بذكر ما ذهب إليه مصطفى معتصم من كونه يرى أن اغتيال عمر بنجلون كان له وقع الكارثة على الحركة الإسلامية، وينقل عن والده في مرض موته تأكيده أن عمر لم يكن ملحدًا، وأن الدولة لم تضطهد الحركة الإسلامية سابقًا. ويصف مطيع بأنه شخص انتقامي وخطير، يلعب على أكثر من جهة، فهو ثوري مع الشباب وله علاقات جيدة مع رموز النظام، ومنذ تأسيس “الشبيبة الإسلامية” لم يصدر أي بيان ضد النظام.
باختصار، وضعنا سي باحدو وجها لوجه أمام تعقيدات شخصية مطيع وعلاقاته المتشابكة مع جهات مختلفة، وتحولاته السياسية، ودوره في مهاجمة إيران، بالإضافة إلى نقد حاد لشخصيات أخرى مثل فوزي عبد الكريم رقيقه، كما يعرض وجهة نظر مصطفى معتصم حول اغتيال عمر بنجلون وتأثيره على الحركة الإسلامية، مع وصف دقيق لشخصية مطيع كذات وجهين تجمع بين الثورة والارتباط بالنظام.
في الصفحة 308 التي يتصدرها عنوان يقول: “مطيع يكشف عن وجهه المخابراتي”، سرد الكاتب قصة عبد الكريم مطيع، بوصفه شخصية مثيرة للجدل ومرتبطة بالمخابرات وأحداث سياسية وأمنية معقدة في المغرب وخارجه، مع تفاصيل عن تورطه في قضايا أمنية وعلاقاته مع أجهزة مخابرات مختلفة.
قام مطيع بأدوار في أحداث سياسية وأمنية في المغرب وليبيا والسعودية. ففي ليبيا، أنكر وجوده، لكنه كان معروفًا ومتابعًا. واتهمه سي باحدو بمشاركته في جريمة قتل رجل مؤمن بسبب مواقفه من النظام.
وعدته المخابرات المغربية بتبرئته، لكنه لم يقدم نفسه للعدالة بعد، معللاً بأن الوقت لم يحن.
وعن علاقته بالمخابرات المغربية، فقد كانت الأخيرة تحاول إبعاده من الساحة السياسية عبر اتهامه بالمشاركة في جريمة. وبعد تراجع المخابرات عن وعودها، توجه مطيع إلى السعودية. هنا، ارتبط بحركة جهيمان العتيبي التي حاولت السيطرة على المسجد الحرام والكعبة عام 1979. كما شارك في أحداث فندق آسني في مراكش عام 1994. أقام علاقات مع أجهزة مخابرات غربية، خصوصًا البريطانية، التي يُعتقد أنها هي التي تحميه منذ 2013، خاصة وأن بريطانيا معروفة بدعمها لبعض المتأسلمين المتشددين لأغراض سياسية.
يعيش مطيع في لندن، حيث يُعتقد أنه يحصل على أموال من التنظيمات المتأسلمة في الشرق الأوسط. ويُطالب الكاتب القضاء المغربي باتخاذ موقف ضده، وعدم منحه اللجوء السياسي. ويحدوه أمل في منحه عفو مستقبلي يسمح له بالعودة إلى المغرب.
باختصار، عبد الكريم مطيع شخصية معقدة تجمع بين أدوار مخابراتية، تورط في جرائم سياسية وأمنية، وأقام علاقات مع مخابرات دولية، وقام بتحركات بين عدة دول، دون القدرة على إخفاء تناقضات مواقفه، وتنسيقه مع المخابرات المغربية، وتورطه في أحداث كبرى في المغرب والسعودية، مع دعوة للسلطات المغربية لاتخاذ موقف قانوني منه.
من خلال العنوان الذي تصدر الصفحة (309): “عبد العزيز النعماني وعدالة السماء”، يدرك القارئ أنها خصصت للحديث عن هذا الشخص الذي تعرض فلت من لاعتقال. فبعد سنة قضاها مختفيا في ضيعة للدكتور الخطيب الذي “سهل له مغادرة المغرب بجواز سفر مزور عن مطار محمد الخامس وليس عن طريق الجزائر. وكانت هناك جهات أمنية معنية بتنفيذ اعتقاله، من بينها “كوميسارية المعاريف” التي كانت مكلفة بذلك.
قبل اعتقاله، تمكن النعماني من اجتياز مباراة الالتحاق بمركز تكوين المعلمين، وكان يقدم وثائق تعريف شخصية وشهادات دون أن تثير فطنة أحد.
بعد استقراره في أوروبا التي أسس فيها “حركة المجاهدين المغاربة”، اصبح موضوع اهتمام الأجهزة الأمنية، حيث كان يتلقى توجيهات وأموال من جهات مجهولة. في سنة 1980، سُمح له بحضور جنازة والده دون تفتيش أمني دقيق.
هناك إشارات إلى وجود تصفية حسابات أمنية بين شخصيات مثل الحسن الدارسي، رشيد بنعيسى، حمزة، وخالد الصاوي، الذين تعرضوا للتعذيب في فروع الأمن.
تم اغتيال عبد العزيز النعماني سنة 1984 في فرنسا بأفينيون، في عملية مرتبطة بمعسكرات تدريب على السلاح في لبنان.
ذكر عبد الكريم فوزي أن النعماني كان يتاجر في التهريب، وأن اغتياله كان من طرف مجموعته، رغم أن جثته لم يظهر لها أثر كما يقول فوزي.
خلال فترة السجن، التقى النعماني بمعتقلين اتحاديين ومناضلين آخرين. وتوفي أحد القتلة إثر إضراب عن الطعام، وأصيب آخر، مما دفعهم إلى الإدراك أنهم كانوا أدوات لتنفيذ جريمة أكبر.
بعض المخططين الحقيقيين قدموا نقدًا ذاتيًا وطلبوا العفو من عائلة الشهيد عمر، وتم إطلاق سراحهم بعد قضاء عقوبات طويلة.
اعترض مصطفى الرميد، الذي انتمى سابقًا إلى الشبيبة الإسلامية، على صدور بلاغ يكشف تفاصيل المجموعة التي تورطت في اغتيال عمر بنجلون، مطالبا بالتوقف عن نشر البلاغ بسبب محاولات تطبيع الأجواء السياسية في المغرب، واستشارة عائلة بنجلون.
كما عمل الرميد على تأخير نشر الحقائق التي قد تكشف منفذي الجريمة، رغم أن هذه الحقائق لن تضيف جديدًا لمعرفة من يقف وراءها. هذا السلوك يُفسر بأنه محاولة للتستر تحت غطاء الإسلام للاستفادة السياسية.
خلاصة عامة.
هذه، باختصار، قصة عبد العزيز النعماني، من اعتقاله في ظروف غامضة، مرورًا بمتابعته الأمنية، حتى اغتياله في فرنسا، مع إشارات إلى تعقيدات سياسية وأمنية كبيرة. ولم يفوت الكاتب الإشارة إلى تأثير هذه الأحداث على المعتقلين الآخرين، ومحاولات بعض السياسيين تأخير كشف الحقائق المتعلقة بالاغتيالات السياسية في المغرب، مستغلين الدين لتحقيق مكاسب سياسية.
عنون الكاتب الصفحة (310) بـ”ملك الموت”، قاصدا بهذا الوصف عبد الكريم الخطيب الذي كان معروفا. فهو في الحقيقة شخصية مثيرة للجدل في تاريخ المغرب الحديث، خاصة في فترة ما بعد الاستقلال. وُلد في مارس 1921 في الجديدة، أبوه من أصل جزائري وأمه مغربية. كان أول طبيب جراح مغربي بعد تخرجه، لكنه اشتهر أكثر بدوره في النشاطات السياسية والأمنية التي تخللتها تصفيات واغتيالات.
عباس المسعدي كان قائد جيش التحرير في الريف، وقد تم اغتياله في يونيو 1956. تشير المصادر إلى أن عبد الكريم الخطيب كان له دور بارز في تصفية عباس المسعدي بناءً على قرارات اجتماعات قادة جيش التحرير التي عقدت في يناير 1956 في مدريد. وقد وصف الخطيب عباس المسعدي بأنه “ولد الحرام” وأنه لا يمكن التفاوض معه، مما يعكس موقفًا عدائيًا حازمًا تجاهه.
اطلق لقب “ملك الموت” على عبد الكريم الخطيب
بناء على اتهامات وجهت إليه بالتعاون مع السلطات الفرنسية في قمع المقاومة. فقد كان متورطًا في مؤامرات واغتيالات ضد المقاومين، وكان حاضراً في مناسبات انتهت بموت مشكوك فيه أو تصفيات جماعية.
يُقال إنه كان جزءًا من شبكة دعم نشاطات مطيع، وهو ما يعكس دوره في العمليات الأمنية والسياسية التي استهدفت معارضي النظام الملكي. وهناك إشاعات ونظريات متعددة حول تورطه في اغتيالات أخرى، منها اتهامات متداولة عن علاقته بعمليات اغتيال أخرى في تلك الفترة.
بالنسبة إلى السياق التاريخي، كان عبد الكريم الخطيب شخصية محورية في مرحلة انتقال المغرب من الاستعمار إلى الاستقلال، حيث تداخلت أدواره الطبية والسياسية والأمنية. دوره في تصفية عباس المسعدي يعكس الصراعات الداخلية التي شهدها المغرب في تلك الفترة، خاصة بين قادة المقاومة والنظام الملكي الجديد.
بكل إيجاز، عبد الكريم الخطيب هو شخصية معقدة ومثيرة للجدل، جمع بين الطب والسياسة والأمن، وكان له دور مهم في تصفية عباس المسعدي وغيره من المقاومين، مما أكسبه لقب “ملك الموت” في الأوساط المغربية. دوره يعكس الصراعات السياسية العميقة التي رافقت استقلال المغرب وبداية حكم النظام الملكي الحديث.
(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى