بينما تقترب محطة الانتخابات التشريعية لسنة 2026، تحول سوق أضاحي العيد بالمغرب إلى مسرح مكشوف لتبادل التهم وتصفية الحسابات السياسوية داخل الأغلبية الحكومية نفسها. إن ما يعيشه المواطن اليوم ليس نتاج تقلبات مناخية عفوية، بل هو النتيجة المباشرة لسياسة التدبير الريعي والهروب إلى الأمام؛ حيث تصطدم الأرقام والخطابات “الوردية” للحصيلة الحكومية بواقع الغلاء الساحق الذي طحن ما تبقى من الطبقة المتوسطة والفقيرة على حد سواء.
التضليل بالأرقام والواقع الحارق
تتبجح الوزارة الوصية بأرقام وإحصائيات تتحدث عن قطيع وطني يفوق 32 مليون رأس، وتخرج تصريحات حكومية مستفزة تدعي وجود أضاحٍ ابتداءً من 1000 درهم لتبرير نجاح خططها الفلاحية. لكن لغة الواقع في “الرحبة” تكشف زيف هذه الادعاءات؛ فالحد الأدنى لأي خروف متوسط صار يتأرجح بين 5000 و8000 درهم، بينما تباع اللحوم الحمراء في الأسواق والمساحات الكبرى بأسعار قياسية تتراوح بين 130 و140 درهماً للكيلوغرام. هذا الفارق الصادم بين الخطاب والواقع يؤكد أن الحصيلة الحكومية المعلنة ليست سوى أرقام مشكوك في مصداقيتها، تم تفصيلها على مقاس الصالونات السياسية لا جيوب المواطنين.
ميزانيات ضخمة في جيوب “الفراقشية” وكبار السماسرة
لقد رصدت الدولة ميزانيات ضخمة فاقت 1300 مليار سنتيم وُجّهت لدعم الأعلاف ومربي الماشية، فضلاً عن تقديم دعم مباشر بقيمة 500 درهم عن كل رأس مستورد في الفترات السابقة بهدف حماية الاستقرار الاجتماعي وتخفيف العبء عن الأسر. لكن أين ذهبت هذه الملايين؟
الحقيقة المقززة التي يتداولها المغاربة اليوم هي هيمنة “الفراقشية” والشناقة الكبار—وهم لوبيات احتكارية وسماسرة يمتلكون سيولة مالية ضخمة—عمدوا إلى التهام الدعم العمومي واحتجاز العرض ليتلاعبوا بالأسعار كيفما شاؤوا. لقد تم إقصاء الكساب الصغير وترك المواطن البسيط يدفع فاتورة الجشع، وسط تساؤلات حارقة عن غياب المراقبة البنيوية الصارمة لمسالك التوزيع التي ينفذ منها هؤلاء المضاربون المحظوظون.
تبادل التهم وصمت ما قبل الحملة الانتخابية
المثير للاشمئزاز في المشهد الراهن هو تبادل الاتهامات ومسرحية “الهروب من المسؤولية” الدائرة بين مكونات التحالف الحكومي؛ فالأحزاب التي التزمت صمتاً رهيباً طوال السنوات الماضية أمام طحن القدرة الشرائية للمواطنين، واكتفت بتبرير ارتفاع أسعار الخضر، والمواد الأساسية، والمحروقات بمبررات دولية، تنبري اليوم لتبادل اللوم والطعن في تدبير هذا القطاع الحساس. هذا الاستيقاظ المفاجئ للأغلبية وصراخها الداخلي ليس غيرة على المواطن، بل هو مناورة سياسية مفضوحة للتنصل من الفشل التدبيري العام وإلقاء اللائمة على الشركاء مع اقتراب الحسم الانتخابي.
استغلال فقر الأسر في بورصة الانتخابات التشريعية 2026
لا يمكن فصل الفوضى العارمة في أسواق الأضاحي عن لغة الحملة الانتخابية السابقة لأوانها لعام 2026. إن الإبقاء على السوق في حالة ارتباك، وترك الأسر محاصرة بين وطأة الديون وضغط الشعيرة الدينية، يخدم بشكل مباشر أجندات سياسية تعول على تعميق الفقر والحاجة. فالطبقة المتوسطة تم سحقها لتدخل في دوامة الاستدانة لتغطية مصاريف تفوق طاقتها، مما يجعل شريحة واسعة من المواطنين عرضة للاستقطاب والابتزاز الانتخابي عبر لغة الوعود الكاذبة وتوزيع “القفاف” والمساعدات الظرفية المستغلة لحاجة الناس.
إن الاستمرار في تغليف سوء التدبير الاقتصادي بلغة “النجاح الرقمي” ومغالطة الرأي العام لم يعد ينطلي على أحد. إن أزمة أضاحي العيد وضعت الحكومة الحالية أمام حصيلتها الحقيقية: حصيلة رسخت الريع، ومكّنت “الفراقشية” من المال العام، وجعلت من معاناة الأسر المغربية وقوداً لمعاركها الانتخابية التشريعية القادمة
-د.رببع الكرعي نائب المنسق الوطني لتيار اليسار الجديد المتجدد