قراءة عاشقة وناقدة في كتاب “كنت اتحاديا” لعبد الجليل باحدو (الجزء الثاني عشر)

أحمد رباص ـ تنوير
في الصفحة الموالية (311) ، تناول عبد الجليل باحدو دور عبد الكريم الخطيب في السياسة المغربية خلال فترة حكم الملك الحسن الثاني، مع التركيز على خلفياته وأدواره المتعددة وتأثيره في المشهد السياسي المغربي. وعلى خلاف طفيف عن الطريقة التي تعاملنا بها مع الصفحات السابقة من الكتاب، ابدأ بمخلص مضمون هذه الصفحة التي نحن الآن بصدد قراءتها، وهذا يعني أن الخلاصة تحولت إلى لمحة عامة تتخذ الشكل التالي:
عبد الكريم الخطيب كان شخصية سياسية بارزة في المغرب، لعب أدواراً متعددة منها تفكيك جيش التحرير، المشاركة في مؤامرات ضد خصوم سياسيين، وحصل على مناصب وزارية رفيعة كمكافأة لخدماته للقصر الملكي. كما يعكس النص كيف استخدم الحسن الثاني البنية القبلية والسياسية لتحقيق توازنات داخلية وضبط المشهد السياسي المغربي في فترة ما بعد الاستقلال.
كان الحسن الثاني، وهو ولي العهد آنذاك، قد دفع لتشكيل حزب سياسي يضم الإقطاعيين والفلول الموالية للاستعمار. وقيل عن هذا الحزب إنه يمثل البادية والأمازيغ، لكنه في الحقيقة كان يهدف إلى إضعاف حزب الاستقلال. وكلف عبد الكريم الخطيب والمحجوبي أحرضان بتنفيذ هذه المهمة.
اعتمد المخزن على البنية القبلية لضبط التوازنات الداخلية واستغلال تناقضاتها عند الحاجة. فبعد جلوس الحسن الثاني على العرش في 3 مارس 1961، أصدر عفواً عاماً على القواد والعملاء الذين تعاونوا مع الاستعمار وشاركوا في مؤامرة نفي أبيه محمد الخامس.
قام عبد الكريم بدور مهم في تفكيك جيش التحرير، حيث شارك في تفكيكه وتصفيه فلوله الرافضة لوضع السلاح قبل تحرير المناطق الجنوبية. وكان من المشاركين في عملية “إكوفيون” (فبراير 1958)، حيث تحالفت القوات الفرنسية والإسبانية مع النظام المغربي لمهاجمة جيش التحرير، مما أدى إلى هزيمته ولجوء فلوله إلى الجزائر. كانت هذه العملية بداية لمشكلة الصحراء المغربية بسبب مشاركة زعماء قبائل صحراوية في المعركة.
ثبت أن الخطيب كان ضالعاً في مؤامرة 1963 ضد الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وحاضرا أثناء إجراء العملية الجراحية التي أجريت للملك محمد الخامس في 26 فبراير 1960 والتي انتهت بوفاته.
مكافأة له على خدماته التي أسداها للقصر، تم تعيينه وزيراً للتشغيل والشؤون الاجتماعية في حكومة محمد الخامس عام 1960،ثم وزيراً مكلفاً بالشؤون الإفريقية في حكومة الحسن الثاني. كما عُين رئيساً لمجلس النواب في المغرب.
يحكي عبد الرحيم بوعبيد في كتابه “شهادات وتأملات” عن دعوته لعشاء من ولي العهد في 17 ماي 1960. بهذه المناسبة، عرض عليه الأخير تولي وزارة الخارجية في الحكومة الجديدة، لكنه رفض. فأبلغه ولي العهد بأنه يطمح للعب دور سياسي فعال في حياة المغرب، وأنه لن ينتظر حتى يصبح هرماً ليبدأ في تحقيق طموحاته.
في الصفحة الموالية، تطرق الكاتب إلى فترة حرجة من التاريخ السياسي المغربي، بدءاً من وفاة الملك محمد الخامس، مروراً بتثبيت الحسن الثاني لسلطته، وتأسيس جبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية التي لعبت دوراً مهماً في المشهد السياسي المغربي، وصولاً إلى تطور حزب العدالة والتنمية في أواخر القرن العشرين. كما أبرز دور شخصيات سياسية قيادية مثل عبد الرحيم بوعبيد، المهدى بنبركة، عبد الرحمن الخطيب، والمحجوبي أحرضان في هذه التحولات.
كان المهدى بنبركة في باريس يقود سيارة عندما أعلن عبر الراديو خبر وفاة محمد الخامس. صعقت الصدمة الجميع. في ذلك اليوم الكئيب، كان عبد الرحيم بوعبيد والمهدي العلوي يخوضان في نقاش حول الوضع السياسي، خصوصاً مسألة المجلس التأسيسي وصياغة الدستور. عكس هذا النقاش حالة الترقب والقلق السياسي في المغرب في تلك الفترة، مع وجود خلافات حول كيفية التعامل مع المرحلة الانتقالية.
في 18 ماي 1960، قام الحسن الثاني بحصار القصر ومقر الحكومة باستخدام الدبابات، وأقال حكومة عبد الله إبراهيم. في 20 ماي1961، تم تشكيل حكومة جديدة برئاسة الحسن الثاني؛ الشيء الذي أشلر إلى بداية حكمه الفعلي وتثبيت سلطته.
وشارك عبد الرحمن الخطيب في تأسيس الفديك بعد إعلان حالة الاستثناء سنة 1965. ضمت هذه الجبهة عدة أحزاب: الأحرار المستقلون (برئاسة رشيد ملين)، حزب الدستور الديمقراطي، وحزب الحركة الشعبية.
من أبرز أعضاء الفديك: المحجوبي أحرضان، محمد حسن الوزاني، المفضل الشرقاوي، محمد لغزاوي، مولاي علي، محمد باحنيني، إدريس السلاوي ومحمد الزغاري، وكان الهدف من تأسيس الفديك تمهيد الطريق لأول انتخابات تشريعية في المغرب.
بتدخل من الخطيب، شغل شقيقه عبد الرحمن منصب وزير الداخلية في حكومة باحنيني عام 1963. كان عبد الرحمن ناشطاً في الاتحاد المغربي للشغل، وجبهة الدفاع عن المؤسسات الدستورية، ثم في حزب الاشتراكي الديمقراطي. كما شارك في حملة الانتخابات. احتضن حزب عبد الرحمن الخطيب حركة الإصلاح والتجديد عام 1996، التي تحولت إلى حزب العدالة والتنمية عام 1998، وتولى عبد الإله بن كيران، الذي يُشار إليه بأنه “صنيعة المخابرات”، الأمانة العامة للحزب الجديد.
في الصفحة (313)، تم، بشكل مركز ومفصل، توضيح نقاط أساسية حول شخصية بنكيران، كدوره في المدرسة المحمدية، وعلاقاته السياسية، ونقده من قبل بعض الأطراف.
في التفاصيل، ووفقًا للمرحوم مصطفى البراهمة، كان بنكيران أثناء دراسته في المدرسة المحمدية للمهندسين يقوم بمهمة قمع التجمعات الطلابية بالقوة. كان يستخدم “زبانيته المحترفة” المسلحة بالعصي والزراويط والأسلحة لنسف هذه التجمعات.
خلال ثلاث سنوات قضاها في المدرسة، كان مسؤولًا بالقسم، ويشارك في فعاليات ترفيهية مع زملائه، بما في ذلك أمسيات يشارك فيها طلاب وطالبات من مختلف الخلفيات.
بعد مغادرته المدرسة (إما بسبب الرسوب أو تعيينه في مصلحة أخرى)، واصل ملاحقة تجمعات الطلبة لتخريبها حتى عام 1977. ولا توجد معلومات تفيد أن بنكيران عمل كأستاذ في أي مؤسسة تعليمية بالمغرب.
لم يكن لديه رقم تأجير كما هو الحال مع موظفي وزارة التربية الوطنية. ورغم أنه حمل لقب أستاذ، لم يمارس المهنة ولم يعش معاناة أو متاعب التعليم. لذلك، لم يكن مستغربًا منه تمرير قانون التقاعد الذي وصفه بـ”الدواء المر”، بينما هو يستفيد من معاش كبير (سبعة ملايين سنتيم).
وأكد الكوميسير محمد الخلطي أن بنكيران كان على اتصال دائم بمطيع، وسافر إلى فرنسا للقاء به بعد اغتيال عمر بنجلون. ذلك ما يفضح ادعاءات “مسيلمة العصر”، وفي مقدمتها ادعاؤه الانتماء إلى الشبيبة الاتحادية، ويشهد على ذلك محمد الساسي، وادعاؤه استمرار جهله بشيء اسمه “الشبيبة الإسلامية” حتى أبريل 1976.
طلب الكوميسير الخلطي من بنكيران إصدار بيان ضد مطيع، ففعل، لكن مطيع رد بإصدار بيانات باسم المعتقلين في السجون، متهمًا بنكيران ومجموعته بالخيانة والتعاون مع الأمن.
اتهموا بنكيران بالخيانة والتعامل مع الخلطي والدكتور الخطيب، واعتبروا أن هناك خطة مدروسة تستهدف الشبيبة الإسلامية، حيث الخلطي يديرها أمنيًا والخطيب سياسيًا.
الصفحة ذاتها تختم بمقولة “إذا اختلف اللصوص ظهر المسروق” في إشارة إلى الصراعات الداخلية والخلافات بين الأطراف.
تحت عنوان “الكوميسير الخلطي والبدايات الأولى لبنكيران”، جرى في الصفحة (314) الحديث عن العلاقة بين عبد الإله بنكيران والكوميسير محمد الخلطي، حيث يظهر أن بنكيران كان يتعامل مع الخلطي بشكل مباشر، وكان يتلقى منه النصح ويتشاور معه. الخلطي كان من أوائل من رافقوا تأسيس الجماعة الإسلامية، وهو من اقترح على بنكيران تنظيم اجتماعات وندوات تحت غطاء جريدة الإصلاح.
وتوضح نفس الصفحة أن بنكيران كان مخبراً وعنصراً في تلغيم التنظيمات الإسلامية واليسارية، حيث استغل الخلطي علاقته ببنكيران للتحقيق مع جماعة التبيين التي كانت مرتبطة بسفارة إيران، وطلب منه التواصل مع مسؤوليها للتحقيق معهم.
كما يشير الكاتب إلى تنافس الأجهزة الأمنية على تقديم الخدمات لبنكيران، حيث استدعاه مديرا الديستي والأمن آنذاك وطلبا منه وقف اتصالاته بالخلطي، لكنه ظل وفياً للخلطي باعتباره معلمه الأول في المخابرات، محافظاً على أخلاقه وقيمه الإسلامية.
في هذا السياق، يأتي الذكر على رسالة بنكيران إلى إدريس البصري في 1986 باسم الجماعة الإسلامية، يعرض فيها خدمات الجماعة لمحاربة اليسار، ويطلب السماح لهم بممارسة نشاطهم الدعوي، موقعا إياها بـ”الخادم المطيع والداعي لكم بالصلاح والتوفيق، عبد الإله بنكيران”. هذه الرسالة قد تشير إلى ترقية بنكيران من مخبر صغير إلى شكام كبير.
أخيراً، انتقد الصحفي محمد التيجيني بنكيران بشدة، واصفاً إياه بأوصاف سلبية جداً مثل “قليل التربية، بليد، ضعيف الذكاء، أمي، جاهل، نكد، سيء الطباع، مجرم، منافق”، وقال إن بنكيران كان يخلط بين السياسة والدين بطريقة فاشلة.
ونحن بصدد ختم هذه الحلقة، نرتئي الصدح بما تم تأجيله في ما سلف من حلقات. الأمر يتعلق بما لاحظته من إهمال رهيب لعلامات الترقيم وللقواعد الضمنية التي تضبط استخدامها. أحيانا، تغيب علامة الاستفهام، ونقطتا التفسير. وأحيانا أخرى لا يتم وضع الأقوال المستشهد بها بين مزدوجتين. وغالبا ما يختم الاستشهاد بمزدوجتين دون أن يبدأ بهما. ولا تبالغ إذا قلنا إن الكاتب يكثر من استعمال الفاصلة على حساب النقطة، وفي أحيان كثيرة توضع الفاصلة مكان النقطة.
(يتبع)




