يرى البعض أن المقارنة بين المغرب وفرنسا، او غيرها من الدول الغربية، في كيفية التعامل مع القضايا السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية، تظل مقارنة غير دقيقة نظرا لاختلاف السياقات التاريخية والسياسية والمؤسساتية..
وهو اعتراض مفهوم ومشروع في سياقه العام.. غير أن الهدف من أي مقارنة ليس الادعاء بوجود تطابق تام بين البلدين، أو تجاهل الفوارق القائمة بينهما، وإنما اتخاذ المقارنة أداة معرفية مفيدة لفهم كيفية تفاعل المؤسسات والمسؤولين والأفراد مع الوقائع المتشابهة، واستخلاص الدروس الممكنة من تجارب متباينة..
في هذا السياق، أعرض حالة “السرقة العلمية” من خلال نموذجين، ضمن عشرات الحالات المشابهة، ليس للمفاضلة بين البلدين، وإنما لمقارنة مسارات تدبير الوقائع نفسها.. إذ غالبا ما تكشف هذه النماذج أن الفارق الحقيقي لا يكمن في حدوث الخطأ أو غيابه، بل في شجاعة مواجهته، وترتيب المسؤوليات القانونية والأخلاقية المترتبة عنه..
الحالة الأولى: جامعة “باريس سيتي” بفرنسا (حسم القرار)
في واقعة مدوية، قررت جامعة “باريس سيتي” سحب شهادة الدكتوراه في فلسفة العلوم من الفيزيائي الشهير والوجه الإعلامي البارز “إتيان كلاين” (Étienne Klein)، مع منعه من التسجيل في سلك الدكتوراه مجددا، وذلك بعد مرور 26 عاما على مناقشته الأطروحة عام 1999.. لاحظوا معي أن المعني بالأمر قامة علمية وشخصية إعلامية مشهورة، وأن شهادة الدكتوراه المعنية بالسحب قد مر على مناقشتها أكثر من ربع قرن..
وجاء هذا القرار الحاسم إثر تحقيق دقيق استمر عشرين شهرا، فتح على خلفية كشف موقع “Arrêt sur images” عام 2024 عن وجود سرقة علمية، حيث أثبتت التحريات وجود عمليات “نسخ ولصق” دون توثيق طالت عدة صفحات من الأطروحة..
ورغم تبرير “كلاين” للأمر بكونه مجرد أخطاء تحريرية غير متعمدة، إلا أن الجامعة انتصرت لقواعد النزاهة العلمية، مؤكدة أن الصرامة الأكاديمية لا تبحث عن التبريرات ولا تستثني أحدا مهما بلغت شهرته ومكانته الاعتبارية..
الحالة الثانية: جامعة ابن زهر بالمغرب (متاهة اللاقرار)
في المقابل، تطرح قضية المدرسة الوطنية للعلوم التطبيقية (ENSA) بأكادير واقعة مثيرة، إثر تقدم أساتذة باحثين بشكاية، يزعمون انها معززة بالحجج والوثائق حول شبهة سرقة علمية ارتكبها زميل لهم..
الشكاية وجهوها إلى إدارة المؤسسة، ورئاسة الجامعة، والوزارة الوصية.. بل ووصلت أصداؤها إلى قبة البرلمان والمنصات الإعلامية الرقمية والورقية..
وفي خطوة غريبة عن الأعراف الأكاديمية، وغير منسجمة مع روح القانون المنظم لعمل اللجان العلمية، انتهت اللجنة العلمية للمدرسة إلى خلاصة “اللاقرار”، بداعي عجز أعضائها عن الإدانة أو التبرئة، مما أفرغ آلية المساءلة والمحاسبة من مضمونها القانوني والأخلاقي..
المثير والغريب في هذه القضية أن الأمر لم يقف عند عتبة “الجمود” الأكاديمي، بل اتخذت مسارا عكسيا في ردهات القضاء، بعد ملاحقة بعض الأساتذة الموقعين على الشكاية بتهمة “بث وتوزيع ادعاءات ووقائع كاذبة بقصد المس بالحياة الخاصة للأشخاص أو التشهير بهم” بناء على دعوى قضائية، ما زالت رائجة في ردهات المحاكم..
توضح المقارنة بين الحالتين بجلاء، كيف تصبح القواعد الأكاديمية في بيئة ما درعا لحماية مصداقية العلم والجامعة، بينما قد تتحول في بيئة أخرى، عبر آلية التسويف والتوازنات، إلى أداة لتعليق الحقيقة وتحوير طبيعة النزاع..
ليظل السؤال معلقا :
ما الذي يصنع الفارق بين لجنة “باريس سيتي” الحاسمة واللجنة العلمية بأكادير المتوقفة عند “اللاقرار”، ما دام أن الهيئتين معا تتكونان من ذات النخبة الأكاديمية؟