الحنبلي عزيز -متابعة
دخلت محاكمة المتابعين في القضية المعروفة إعلامياً بـ«إسكوبار الصحراء» مراحلها الأخيرة، بعد اقتراب المرافعات من نهايتها، في انتظار منح المتهمين الكلمة الأخيرة، قبل حجز الملف للمداولة وتحديد موعد النطق بالحكم.
وتعود بدايات القضية إلى تصريحات وشكايات تقدم بها الحاج أحمد بن إبراهيم، وهو مواطن مالي لُقّب إعلامياً بـ«إسكوبار الصحراء»، عقب توقيفه بالمغرب وإدانته في ملف مرتبط بالاتجار الدولي في المخدرات. وتضمنت تصريحاته اتهامات لعدد من الأشخاص بالمشاركة في أنشطة غير مشروعة والاستيلاء على ممتلكات وأموال قال إنها تعود إليه.
وبعد أبحاث أجرتها الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أحالت النيابة العامة، خلال دجنبر 2023، مجموعة من المشتبه فيهم على القضاء، ضمنهم شخصيات سياسية ورجال أعمال ومسؤولون، يتقدمهم سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي، قبل أن يقرر قاضي التحقيق إيداع عدد منهم السجن ومتابعة آخرين في حالة سراح.
وعقب انتهاء التحقيق الإعدادي، أحيل المتهمون على غرفة الجنايات بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء، حيث انطلقت جلسات المحاكمة العلنية، التي شهدت الاستماع إلى المتهمين والشهود، إلى جانب تقديم مرافعات النيابة العامة والمطالبين بالحق المدني وهيئات الدفاع.
وشهدت الجلسة الأخيرة استمرار دفاع سعيد الناصري في مناقشة عناصر الاتهام، معتبراً أن الملف يتضمن معطيات متعارضة، وأن عدداً من الوقائع الواردة في محاضر البحث لا تنسجم، بحسب موقفه، مع التصريحات المقدمة لاحقاً أمام هيئة المحكمة.
وركزت هيئة الدفاع على القيمة القانونية لمحاضر الضابطة القضائية، مؤكدة أن التصريحات المسجلة خلالها لا يمكن اعتمادها منفردة لإثبات الاتهامات، خصوصاً عندما ينكر أصحابها مضمونها أو يتراجعون عنها خلال المحاكمة.
وفي هذا السياق، أوضح المحامي محمد المسعودي أن بناء الإدانة يقتضي توفر أدلة مترابطة ومتكاملة، وليس الاكتفاء بأقوال منسوبة إلى متهمين أو شهود، مشيراً إلى أن عدداً من التصريحات التي استند إليها الاتهام جرت مراجعتها أو نفيها أمام المحكمة.
واعتبر أن أقوال متهم في مواجهة متهم آخر لا تكتسب قوة إثباتية كافية إلا عندما تؤيدها قرائن مادية واضحة، وتنسجم مع باقي وثائق الملف، مضيفاً أن الدفاع لم يعثر، وفق قراءته، على عناصر تحقق هذا الترابط.
كما ناقشت المرافعات وثيقة صحافية سبق إدراجها ضمن وثائق القضية، حيث أوضحت هيئة الدفاع أن تقديمها لا يعني الموافقة على ما ورد فيها من مواقف أو تعبيرات، وإنما جاء للاستعانة بمضمونها في التحقق من تواريخ ووقائع مرتبطة بأحد أطراف النزاع.
وأكد الدفاع، في هذا الإطار، أن قضية الوحدة الترابية للمملكة لا تقبل المزايدة أو التوظيف داخل نزاع قضائي، مشدداً على أن الاستناد إلى الوثيقة اقتصر على الجانب المرتبط بالإثبات ومقارنة الروايات، دون تبني خلفيتها التحريرية أو السياسية.
وتطرقت المرافعات أيضاً إلى ما وصفته هيئة الدفاع بالاختلالات الزمنية المتعلقة بالفيلا التي تشكل إحدى النقاط الأساسية في القضية. وأشارت إلى وجود اتصالات ومعطيات تعود إلى فترات لاحقة للتاريخ الذي قيل إن أحد الأطراف غادر فيه العقار، معتبرة أن ذلك يفرض التحقق من تسلسل الأحداث ومدى انسجامها.
من جهته، قال المحامي امبارك المسكيني إن عرض النيابة العامة تضمن، في نظر الدفاع، قراءات متباينة للوقائع، إذ جرى اعتماد بعض التصريحات عندما تنسجم مع فرضية الاتهام، مقابل عدم إيلاء الاهتمام نفسه لتصريحات أخرى قدمت أمام المحكمة وخالفت مضمون محاضر البحث.
وأضاف أن المتهمين سعيد الناصري وعبد النبي بعيوي وخالد سداس أنكروا، خلال البحث التمهيدي، الأفعال المنسوبة إليهم، معتبراً أن محاضر الضابطة القضائية لا تتضمن، وفق موقف الدفاع، اعترافات صريحة يمكن اعتبارها دليلاً حاسماً على ارتكاب الجرائم موضوع المتابعة.
واتهمت هيئة الدفاع النيابة العامة بالتمسك بتصريحات بعض الأطراف عندما تخدم روايتها للوقائع، مقابل تجاهل تصريحات أخرى جرى الإدلاء بها أمام المحكمة وأسهمت، بحسبها، في نفي أجزاء من الاتهامات.
واستحضرت في هذا السياق شهادة الفنانة لطيفة رأفت، معتبرة أنها قدمت أمام المحكمة معطيات مخالفة لرواية الحاج أحمد بن إبراهيم بشأن الفيلا موضوع النزاع، وهو ما يفرض، حسب الدفاع، إعادة تقييم مختلف التصريحات وعدم اعتماد رواية واحدة دون غيرها.
واعترض الدفاع كذلك على التكييف القانوني لبعض الأفعال باعتبارها تزويراً معنوياً، موضحاً أن تطبيق هذا الوصف يتطلب شروطاً قانونية محددة، لا يرى أنها متوافرة في الوقائع المعروضة على القضاء.
وتنتظر القضية محطة حاسمة خلال الجلسة المقبلة، التي يرتقب أن تخصص للاستماع إلى الكلمات الأخيرة للمتهمين، قبل اختتام المناقشات ودخول الملف مرحلة المداولة، في انتظار صدور حكم المحكمة، مع استمرار تمتع جميع المتابعين بقرينة البراءة إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية.