وجهة نظر

كيف يراهن حزب جبهة القوى الديمقراطية على الذكاء الاصطناعي لتجديد الممارسة السياسية؟

بقلم: الدكتورة كريمة الصديقي .
في زمن تتسارع فيه التحولات الرقمية، لم يعد تحديث العمل السياسي ترفا تنظيميا، بل أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المجتمع، وتغير سلوك الناخب، وتطور وسائل التواصل. فالمواطن اليوم لم يعد ينتظر الخطابات المطولة أو المنشورات الورقية ليطلع على البرامج الانتخابية، بل يبحث عن المعلومة السريعة، الدقيقة، والمتاحة في أي وقت.
وقد اختار حزب جبهة القوى الديمقراطية أن يجعل الرقمنة أحد أبرز عناوين مشروعه السياسي، ليس كشعار انتخابي، وإنما كخيار عملي يعكس رؤية جديدة لعلاقة الحزب بالمواطن.
وتمت ترجمة هذا التوجه بإطلاق “الزيتونة AI”، التي يقدمها الحزب باعتبارها أول منصة ذكاء اصطناعي حزبية في المغرب مخصصة لشرح البرنامج الانتخابي الخاص باستحقاقات 23 شتنبر 2026، والإجابة عن استفسارات المواطنين، بما يتيح لهم الاطلاع على مضامين البرنامج بطريقة تفاعلية، بعيدة عن التعقيد والاختزال.
فاختيار الرقمنة لا يعني التخلي عن التواصل الميداني، ولا عن دور المناضلين والأطر الحزبية، وإنما يمثل استثماراً في أدوات العصر، وتوسيعاً لقنوات التواصل مع المجتمع. فاللقاءات المباشرة تظل أساس العمل السياسي، بينما توفر المنصات الذكية فضاءً إضافياً للحوار، يضمن استمرارية التواصل ويقرب المعلومة من المواطن.
كما تكشف هذه المبادرة عن تحول في فهم وظيفة الحزب السياسي. فالأحزاب لم تعد مطالبة فقط بإعداد البرامج، بل أصبحت مطالبة أيضا بتوفير وسائل حديثة لشرحها، وتمكين المواطن من مساءلتها، ومناقشة مضامينها، وتكوين موقف مبني على المعرفة لا على الانطباعات.
و يعكس هذا التوجه إدراكا بأن الرقمنة أصبحت جزءا من التنمية السياسية والمؤسساتية. فالدول التي نجحت في تحديث إداراتها وخدماتها العمومية، اعتمدت على التكنولوجيا لتعزيز الشفافية وتقريب الخدمات من المواطنين، ومن الطبيعي أن يمتد هذا المنطق إلى الفعل الحزبي.
وبهذا، يفتح “الزيتونة AI” آفاقا جديدة للتواصل السياسي، حيث يصبح البرنامج الانتخابي مرجعا تفاعليا، يستطيع المواطن العودة إليه في أي وقت، وطرح الأسئلة حول مختلف القضايا التي تهمه، من التشغيل والتعليم والصحة إلى الاقتصاد والعدالة المجالية والبيئة.
ويكتسب هذا الخيار أهمية خاصة مع اقتراب استحقاقات 23 شتنبر 2026، التي تفرض على الأحزاب تطوير أدواتها وأساليب تواصلها، بما ينسجم مع التحولات الرقمية التي يعيشها المجتمع المغربي، وخاصة في أوساط الشباب.
لقد اختارت جبهة القوى الديمقراطية أن تجعل من الرقمنة مدخلا لتجديد الممارسة السياسية، وأن تضع الذكاء الاصطناعي في خدمة المعرفة السياسية، إيماناً بأن الديمقراطية الحديثة تقوم على مواطن مطلع، قادر على الوصول إلى المعلومة، ومشارك في النقاش العمومي.
إن خيار الرقمنة الذي تتبناه جبهة القوى الديمقراطية ليس رهانا تقنيا فحسب، بل هو رهان على مستقبل العمل الحزبي بالمغرب، وعلى بناء علاقة أكثر قربا وشفافية مع المواطن. وإذا نجحت هذه التجربة في تحقيق أهدافها، فإنها قد تشكل بداية مرحلة جديدة، تصبح فيها التكنولوجيا رافعة للديمقراطية، وأداة لتقوية الثقة بين الأحزاب والمجتمع، لا مجرد وسيلة للتواصل الانتخابي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى