الحنبلي عزيز -تنوير
لم تقتصر ضخامة كأس العالم 2026 على عدد المنتخبات المشاركة أو اتساع رقعة المدن المستضيفة، بل امتدت أيضًا إلى الرحلات المتواصلة التي يقوم بها رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، متنقلًا بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك في محاولة لمتابعة أكبر عدد ممكن من المباريات.
فمنذ انطلاق المنافسات، ظهر رئيس الفيفا في مدن متباعدة خلال فترات زمنية قصيرة، حتى بدا وكأنه يخوض بطولة موازية عنوانها الانتقال السريع بين الملاعب والمطارات، وسط تساؤلات حول الكيفية التي تسمح له بتجاوز آلاف الكيلومترات يوميًا دون أن يغيب عن أبرز مواجهات البطولة.
وكشفت صحيفة «24 ساعة» السويسرية أن إنفانتينو وضع لنفسه برنامجًا مكثفًا يقوم على حضور مباراتين في اليوم كلما سمحت الظروف، في مونديال تُقام مبارياته عبر قارة شاسعة وتفصل بين بعض مدنه مسافات تتجاوز ما تقطعه منتخبات كاملة خلال البطولة.
من مكسيكو إلى فانكوفر مرورًا بكاليفورنيا
بدأ إنفانتينو جولته من العاصمة المكسيكية، حيث حضر مراسم افتتاح كأس العالم، قبل أن يغادر سريعًا نحو غوادالاخارا لمتابعة محطة أخرى من البطولة.
وبعد ساعات قليلة، كان رئيس الفيفا قد عبر الحدود نحو الولايات المتحدة، ليظهر في لوس أنجلوس، ثم ينتقل إلى سان فرانسيسكو لمتابعة مباراة المنتخب السويسري.
ولم تتوقف الرحلة عند الساحل الغربي الأمريكي، إذ توجه بعدها إلى مدينة فانكوفر الكندية لحضور مباراة للمنتخب الأسترالي، قبل أن ينتقل في اليوم الموالي إلى ميامي، على الطرف الآخر من الولايات المتحدة.
وفي بداية الأسبوع، عاد إنفانتينو إلى الساحل الغربي، حيث تابع مباراة بلجيكا ومصر في سياتل، ثم ظهر لاحقًا في لوس أنجلوس خلال مواجهة إيران ونيوزيلندا.
هذه التحركات المتلاحقة جعلت رئيس الفيفا واحدًا من أكثر الشخصيات تنقلًا خلال البطولة، في ظل برنامج يصعب تنفيذه بواسطة الرحلات التجارية العادية، نظرًا إلى المسافات الطويلة واختلاف التوقيت بين المدن المستضيفة.
طائرة خاصة لتجاوز جغرافية المونديال
وبحسب تقارير إعلامية بريطانية، يعتمد إنفانتينو في تنقلاته على طائرة خاصة وضعتها الخطوط الجوية القطرية رهن إشارته، في إطار اتفاقية الرعاية التي تجمع الشركة بالاتحاد الدولي لكرة القدم.
وتتيح هذه الطائرة لرئيس الفيفا تفادي الانتظار في المطارات والقيود المرتبطة بمواعيد الرحلات التجارية، كما تسمح له بالانتقال مباشرة بين المدن المستضيفة، والوصول إلى الملاعب في الوقت المناسب.
ولا يبدو استخدام وسيلة نقل جوية خاصة مجرد امتياز بروتوكولي، بل أصبح أداة أساسية لتنفيذ البرنامج الذي اختاره إنفانتينو لنفسه، خصوصًا أن نسخة 2026 تُنظم في 16 مدينة موزعة على ثلاث دول.
مونديال بلا حدود جغرافية
وتعكس رحلة إنفانتينو اليومية حجم التحدي اللوجستي الذي يواجه مونديال 2026، إذ تمتد البطولة عبر أربع مناطق زمنية، وتصل المسافة بين بعض المدن المستضيفة إلى نحو 4500 كيلومتر.
ويعني ذلك أن الانتقال من مباراة إلى أخرى قد يتطلب رحلة جوية تستغرق عدة ساعات، فضلًا عن الوقت اللازم للوصول إلى المطارات ومغادرتها والتنقل نحو الملاعب.
ورغم أن المنتخبات المشاركة تخوض بدورها رحلات طويلة بين المدن، فإن برنامج رئيس الفيفا يبدو أكثر كثافة، لأنه لا يرتبط بمدينة واحدة أو بمجموعة محددة، بل يسعى إلى الظهور في أكبر عدد ممكن من المباريات والمناسبات الرسمية.
حضور رياضي ورسالة سياسية
ولا يمكن فصل تحركات إنفانتينو عن حرصه على تأكيد حضوره الشخصي في أهم لحظات البطولة. فظهوره في مدرجات الملاعب، إلى جانب المسؤولين السياسيين والرياضيين، يمنحه فرصة لمتابعة التنظيم عن قرب، لكنه يسمح له أيضًا بتعزيز صورته بصفته الوجه الأبرز لكرة القدم العالمية.
كما تحمل هذه الجولة المتواصلة رسالة رمزية للدول الثلاث المستضيفة، مفادها أن رئاسة الفيفا تتعامل مع مختلف المدن باعتبارها جزءًا من بطولة واحدة، رغم التباعد الجغرافي الكبير بينها.
غير أن هذا النشاط الاستثنائي قد يعيد أيضًا النقاش حول الامتيازات التي يتمتع بها كبار مسؤولي كرة القدم، خصوصًا في بطولة ترتفع فيها تكاليف السفر والإقامة بالنسبة إلى الجماهير، بينما يتنقل رئيس الفيفا بطائرة خاصة بين الملاعب.
وفي كل الأحوال، يبدو أن إنفانتينو لن يكتفي بمتابعة كأس العالم من المقصورة الرسمية في مدينة واحدة، بل اختار أن يحوّل البطولة إلى جولة جوية متواصلة بين المكسيك وكندا والولايات المتحدة.
ومع استمرار المنافسات لستة أسابيع، يتوقع أن يقطع رئيس الفيفا مسافات تفوق تلك التي ستسجلها معظم المنتخبات المشاركة، ليصبح أكثر شخصيات المونديال سفرًا وتنقلًا، في نسخة تفرض فيها الجغرافيا نفسها بقدر ما تفرض كرة القدم نتائجها داخل الملاعب.