متابعة سعيد حمان
بعد افتتاح المحطة الطرقية الجديدة بالعزوزية بمدينة مراكش، وإغلاق محطة باب دكالة التي ظلت لعقود القلب النابض لحركة النقل الطرقي بالمدينة، برز إلى الواجهة ملف إنساني واجتماعي لا يقل أهمية عن المشروع نفسه، يتعلق بمصير العمال والمستخدمين الذين ارتبطت حياتهم المهنية بالمحطة القديمة، وجعلوا منها فضاءً للعمل وخدمة آلاف المسافرين يومياً.
ورغم أن افتتاح المحطة الجديدة يُعد مكسباً تنموياً مهماً يندرج في إطار تحديث البنيات التحتية وتحسين خدمات النقل، فإن نجاح هذا المشروع يبقى رهيناً أيضاً بمدى احترامه للبعد الإنساني، خاصة تجاه الفئة التي ظلت لسنوات طويلة تضمن السير العادي لهذا المرفق العمومي.
ويطرح الرأي العام، ومعه العاملون بالمحطة القديمة، سؤالاً مشروعاً موجهاً إلى وزير النقل واللوجستيك: ما هو مصير عمال محطة باب دكالة بعد إغلاقها؟ وهل سيتم تمكينهم من أولوية العمل داخل المحطة الطرقية الجديدة بالعزوزية؟
لقد أمضى عدد كبير من هؤلاء العمال سنوات، بل عقوداً، في أداء مهامهم داخل المحطة، بين تنظيم حركة المسافرين، وخدمة شركات النقل، والمحافظة على نظافة المرافق، وتأمين مختلف الخدمات اليومية. ولم تكن المحطة بالنسبة إليهم مجرد مكان للعمل، بل كانت مصدر رزقهم الوحيد، الذي يعيلون منه أسرهم ويوفرون من خلاله متطلبات الحياة.
واليوم، وبعد انتقال النشاط إلى المحطة الجديدة، يعيش عدد منهم حالة من القلق والترقب، في ظل غياب معطيات رسمية واضحة حول مستقبلهم المهني. وهو وضع يثير مخاوف حقيقية من أن يجد هؤلاء أنفسهم خارج سوق الشغل، رغم ما راكموه من تجربة وخبرة ميدانية في قطاع النقل.
إن المشاريع التنموية الكبرى لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات أو بجمالية المنشآت، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية العنصر البشري. فالتنمية التي لا تضع الإنسان في صلب أولوياتها تظل تنمية منقوصة، مهما بلغت جودة البنيات التحتية.ومن هذا المنطلق، يرى متابعون أن عمال محطة باب دكالة يستحقون أن يكونوا في مقدمة المستفيدين من فرص الشغل بالمحطة الجديدة، باعتبارهم أصحاب تجربة طويلة، ولأن العدالة الاجتماعية تقتضي عدم التخلي عنهم بعد سنوات من العطاء.كما أن منحهم الأولوية في التشغيل لن يكون امتيازاً، بقدر ما سيكون اعترافاً بمسارهم المهني، وحماية لاستقرارهم الاجتماعي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة، حيث قد يؤدي فقدان مصدر الدخل إلى انعكاسات قاسية على أسرهم.وفي السياق ذاته، ينتظر الرأي العام المحلي توضيحات من الجهات الوصية حول الآليات التي تم اعتمادها لمواكبة انتقال العاملين من المحطة القديمة إلى الجديدة، وما إذا كانت هناك خطة لإعادة إدماجهم أو ضمان استمرارية عملهم، بما يحفظ كرامتهم ويجنبهم شبح البطالة.إن الانتقال من محطة باب دكالة إلى محطة العزوزية لا ينبغي أن يكون مجرد انتقال للمركبات والحافلات، بل يجب أن يشمل أيضاً انتقال العاملين الذين ساهموا، لسنوات طويلة، في ضمان استمرارية هذا المرفق الحيوي. فالمرفق العمومي لا يقوم على الإسمنت والحديد فقط، بل يقوم كذلك على الرجال والنساء الذين يسهرون على حسن سيره.
ويبقى الأمل معقوداً على وزارة النقل واللوجستيك، وعلى مختلف المتدخلين في تدبير المحطة الطرقية الجديدة، من أجل اعتماد مقاربة اجتماعية مسؤولة، تضمن حقوق العمال وتحفظ كرامتهم، وتجعل من هذا المشروع نموذجاً للتنمية التي تراعي الإنسان قبل كل شيء.
ففي النهاية، قد يكون افتتاح محطة جديدة إنجازاً عمرانياً مهماً، لكن الإنجاز الأكبر هو أن يشعر العامل الذي خدم مرفقاً عمومياً لسنوات بأن الدولة لم تنسه، وأن خبرته وتضحياته محل تقدير، وأن حقه في العمل والاستقرار يظل جزءاً أساسياً من أي مشروع تنموي ناجح.