افتتاحية

انتخابات 2026.. 450 مليون درهم في العلن، فكم يُصرف «تحت الطاولة»؟ الحنبلي عزيز

الحنبلي عزيز 

ترصد الدولة 450 مليون درهم لمواكبة الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، في غلاف مالي يفوق بكثير ما تم تخصيصه لاستحقاقات 2021. وعلى الورق، تبدو القواعد واضحة: سقف للنفقات، حسابات بنكية، وثائق إثبات، مراقبة من المجلس الأعلى للحسابات، وعقوبات على المخالفات. لكن السؤال الحقيقي يبدأ من حيث تنتهي المحاسبة الرسمية: كم تبلغ الكلفة الفعلية للانتخابات إذا أضيفت إلى الأموال المصرح بها تلك التي قد تُصرف خارج الحسابات، عبر الوسطاء، والاستمالات، والولائم، وفي أخطر الحالات عبر شراء أصوات الناخبين؟

الرقم لافت: 450 مليون درهم، أي 45 مليار سنتيم، تعبئها الدولة في إطار تمويل الحملات الانتخابية المرتبطة باقتراع 23 شتنبر 2026.

ومن هذا المبلغ، خُصص 400 مليون درهم لدعم الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية، إلى جانب غلاف مالي قدره 50 مليون درهم موجه لدعم بعض لوائح المرشحين والمرشحات الذين لا تتجاوز أعمارهم 35 سنة، وفق الشروط القانونية المحددة.

من حيث المبدأ، لا يمكن الاعتراض على التمويل العمومي للأحزاب. فالديمقراطية لها كلفة، والحملة الانتخابية تحتاج إلى تنقلات، ولقاءات، ومطبوعات، ووسائل تواصل، وإعلانات، ومقرات، وأطقم تنظيمية.

بل إن التمويل العمومي يمكن أن يحد، نظرياً، من ارتهان الأحزاب لأصحاب المال والمصالح.

لكن كل ذلك يرتبط بشرط أساسي: أن تعكس الحسابات الرسمية فعلاً الحجم الحقيقي للأموال التي تُصرف خلال الانتخابات.

وهنا تبدأ منطقة الظل.

450 مليوناً في الحسابات… واقتصاد انتخابي آخر خارجها

هناك، في الواقع، مستويان لتمويل الحملات الانتخابية.

الأول رسمي ومرئي، يظهر في الفواتير والتحويلات البنكية والملصقات وكراء القاعات والإعلانات ومصاريف التنقل والتواصل.

أما المستوى الثاني، فهو أكثر صعوبة في الرصد: أموال نقدية، خدمات يؤديها أشخاص دون عقود واضحة، مركبات ووقود وتغذية، وسطاء انتخابيون، مساعدات عينية أو مصاريف يمكن أن يتحملها مقربون من المرشح دون أن تمر بالضرورة عبر الحساب الانتخابي الرسمي.

ولا يمكن، من دون أدلة أو أحكام قضائية، الجزم بأن جميع الأحزاب أو المرشحين يمارسون مثل هذه الأساليب، كما لا توجد أرقام موثوقة تسمح بتحديد حجم الأموال التي يمكن أن تدور فعلاً «تحت الطاولة».

لكن غياب الرقم لا يعني غياب الظاهرة أو انعدام المخاطر المرتبطة بها.

فمع كل استحقاق انتخابي، يعود النقاش حول المال الانتخابي، والوسطاء، واستمالة الناخبين، والولائم، والمساعدات الظرفية، والعلاقات الزبونية.

وهنا يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: هل يكفي أن نضع سقفاً قانونياً للإنفاق إذا كان جزء من الإنفاق المحتمل لا يمر أصلاً عبر القنوات الخاضعة للمراقبة؟

600 ألف درهم لكل مرشح… ولكن هل هذا هو السقف الحقيقي؟

حددت القواعد المنظمة لانتخابات 2026 سقف نفقات المرشح لعضوية مجلس النواب في 600 ألف درهم.

كما تم تعزيز إلزامية التتبع البنكي للنفقات، خصوصاً بالنسبة للوائح المستفيدة من الدعم المخصص للشباب، حيث يتعين فتح حساب بنكي خاص بالحملة وتوثيق النفقات بشكل يسمح بمراقبتها.

هذه خطوة مهمة في اتجاه الشفافية.

لكن السؤال الذي يظل مطروحاً هو: كيف يمكن التأكد من أن مرشحاً صرّح بإنفاق 600 ألف درهم لم يحرك، بشكل مباشر أو غير مباشر، مبالغ أكبر خارج الحساب المصرح به؟

الفاتورة يمكن مراقبتها.

والتحويل البنكي يترك أثراً.

والشيك يمكن تتبعه.

أما الأوراق النقدية التي تنتقل عبر سلسلة من الوسطاء، فمن الصعب اكتشافها إذا لم تُضبط أو يتم التبليغ عنها أو إثباتها قضائياً.

وهنا يظهر التحدي الحقيقي: كلما شدد القانون على الشفافية داخل الحسابات، أصبحت المعركة الأساسية هي كشف ما يمكن أن يُترك عمداً خارج هذه الحسابات.

حين يتحول الناخب نفسه إلى «بند من بنود المصاريف»

الأخطر من تجاوز سقف الإنفاق هو أن يتحول المال من وسيلة للتعريف بالبرنامج إلى وسيلة لشراء الإرادة الانتخابية.

فعندما يقدم مرشح أو أحد وسطاء حملته مالاً أو هدية أو منفعة لناخب مقابل التصويت لصالحه، فإن الأمر لم يعد يتعلق بمساعدة اجتماعية أو نشاط انتخابي عادي.

إنه شراء للصوت، أو بتعبير مباشر: رشوة انتخابية.

والتشريع المغربي يجرّم هذه الممارسات ويعاقب على محاولة الحصول على صوت ناخب عن طريق المال أو الهبات أو الوعود بالمنافع أو الوظائف أو الامتيازات.

كما لا تتعلق المسؤولية بالطرف الذي يعرض المال فقط، بل يمكن أن تشمل أيضاً من يقبل المقابل لقاء صوته، بحسب الحالة والوقائع التي يثبتها القضاء.

وهذا أمر مهم، لأن محاربة الرشوة الانتخابية لا يمكن أن تتم إذا بقي الناخب ينظر إلى بيع صوته باعتباره مجرد «استفادة» من المرشح.

فالصوت ليس سلعة.

والورقة الانتخابية ليست مقابلاً لخدمة شخصية.

«الزرود» والوسطاء وشراء الولاءات

شراء الأصوات لا يتم دائماً في صورة مباشرة، بأن يسلم المرشح ورقة نقدية إلى الناخب أمام مركز الاقتراع.

الأساليب قد تكون أكثر تعقيداً.

قد يتعلق الأمر بأشخاص مكلفين بحشد أسر أو أحياء معينة، أو وسطاء يملكون شبكات محلية، أو تنظيم ولائم، أو تقديم مساعدات قبل أيام من التصويت، أو أداء مصاريف لصالح أشخاص مع انتظار «رد الجميل» يوم الاقتراع.

ومع ذلك، يجب التمييز قانونياً بين النشاط الانتخابي المشروع وبين الرشوة.

ليس كل عشاء انتخابي رشوة.

وليس كل اجتماع سياسي شراء للأصوات.

وليس كل مساعدة اجتماعية دليلاً تلقائياً على فساد انتخابي.

المعيار الحاسم هو وجود مقابل انتخابي أو نية مثبتة للتأثير على إرادة الناخب بواسطة منفعة مادية أو وعد بها.

لكن هذه الضرورة القانونية للإثبات لا يجب أن تتحول إلى غطاء للسذاجة السياسية.

عندما تكون مظاهر الإنفاق على الأرض أكبر بكثير مما تعكسه الحسابات المصرح بها، تصبح التساؤلات حول مصدر الأموال وطريقة صرفها مشروعة.

المجلس الأعلى للحسابات… يراقب ما يظهر في الحسابات، فماذا عن المال الخفي؟

يضطلع المجلس الأعلى للحسابات بدور محوري في مراقبة مالية الأحزاب والعمليات الانتخابية.

فهو يدقق في مصادر التمويل، والنفقات، والوثائق المثبتة، ومدى احترام السقوف القانونية، كما يراقب استعمال الدعم العمومي الموجه للأحزاب والمرشحين.

وفي حالات المخالفة، يمكن أن تترتب إجراءات وعقوبات تختلف بحسب طبيعة الخرق.

لكن الإشكال الجوهري يظل قائماً:

المجلس يستطيع مراقبة المال الذي يظهر أمامه، فكيف يراقب المال الذي لم يدخل الحساب أصلاً؟

إذا صُرف مبلغ عبر تحويل بنكي أو فاتورة، يمكن تدقيقه.

أما إذا صُرف نقداً وبواسطة طرف ثالث ومن دون أثر محاسبي، فالأمر لم يعد مجرد مراقبة حسابات، بل يتحول إلى مهمة تتطلب البحث والتحري والتبليغ وإثبات الوقائع.

وهنا يصبح دور مؤسسات أخرى أساسياً: وزارة الداخلية، النيابة العامة، الشرطة القضائية، أجهزة الرقابة، الملاحظون الانتخابيون، المجتمع المدني، وسائل الإعلام والناخبون أنفسهم.

ماذا تخبرنا انتخابات 2021؟

تُظهر معطيات انتخابات 2021 أن الجزء الأكبر من نفقات الأحزاب المصرح بها كان يتركز في ثلاثة مجالات رئيسية.

فقد بلغ الدعم الموجه لوكلاء اللوائح نحو 74,38 مليون درهم، أي قرابة 42 في المائة من النفقات.

أما الطباعة والإشهار والملصقات فبلغت حوالي 54,13 مليون درهم، أي 31 في المائة، بينما وصلت نفقات الإعلانات والتواصل إلى 18,39 مليون درهم، أي نحو 10 في المائة.

وبذلك استحوذت هذه البنود الثلاثة على حوالي 84 في المائة من النفقات المصرح بها.

هذه الأرقام تكشف أن الانتخابات مكلفة فعلاً.

لكنها لا تجيب عن السؤال الأهم:

هل ما تصرح به الأحزاب والمرشحون يمثل دائماً الكلفة الحقيقية للحملة على الأرض؟

عندما يصبح المال شرطاً لدخول السياسة

المال لا يصبح مشكلة فقط حين يكون مجهول المصدر.

بل يصبح خطراً على الديمقراطية عندما يتحول إلى معيار لتحديد من يستطيع المنافسة أصلاً.

كيف يمكن لشاب يحمل برنامجاً سياسياً، أو أستاذ، أو ناشطة جمعوية، أو إطار متوسط الدخل أن ينافس مرشحاً يمتلك شبكة مالية واسعة وقدرة على تعبئة مئات الآلاف أو الملايين من الدراهم؟

إذا كانت حظوظ الفوز مرتبطة بحجم الثروة أكثر من ارتباطها بالأفكار والكفاءة والثقة الشعبية، فإننا لا نكون أمام مجرد خلل في التمويل.

نكون أمام اختلال في تكافؤ الفرص السياسية.

والخطر يصبح أكبر إذا اجتمع المال الرسمي مع أموال غير معلنة.

فحينها قد تصبح المنافسة غير المتكافئة قاعدة، ويتحول الوصول إلى البرلمان إلى سباق بين الجيوب قبل أن يكون منافسة بين البرامج.

450 مليون درهم لا تكفي وحدها لضمان انتخابات نزيهة

لا شك أن رفع التمويل العمومي يمكن أن يساعد الأحزاب على تنظيم حملاتها بشكل أفضل.

وفرض الحسابات البنكية يعزز الشفافية.

وتدخل المجلس الأعلى للحسابات ضروري.

وتشديد العقوبات على شراء الأصوات خطوة أساسية.

لكن كل ذلك لا يكفي ما لم تكن هناك إرادة عملية لضبط المال الانتخابي خارج الوثائق والمحاسبة.

فالنجاح الحقيقي لانتخابات 23 شتنبر لن يقاس فقط بحجم الأموال التي ستوزعها الدولة على الأحزاب.

بل سيقاس بالقدرة على الإجابة عن ثلاثة أسئلة بسيطة:

من أين جاء المال؟

وأين صُرف؟

وماذا يحدث لمن يحاول شراء صوت مواطن؟

لأن الخطر الحقيقي على الانتخابات لا يكمن فقط في العزوف أو ضعف المشاركة.

بل في أن يقتنع المواطن في يوم من الأيام بأن صوته له ثمن.

وإذا أصبح للصوت ثمن، يصبح للبرلمان ثمن أيضاً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى