اقتصاد

ثروةٌ بلا عمّال: الاقتصاد الذي لم يعد يحتاج إلى البشر- هشام فرجي

ملخص

يُحاجج هذا المقال بأن الذكاء الاصطناعي لا يُعيد توزيع الوظائف فحسب، بل يُعيد تشكيل العلاقة الجوهرية بين الإنتاج والعمل والثروة. انطلاقاً من مفارقة النمو المتزامن مع التسريح في كبرى شركات التكنولوجيا، يُحلّل المقال تأثير الذكاء الاصطناعي على خمسة قطاعات محورية — الطب والتعليم والإدارة والصناعة والخدمات المالية — ويُقارن بين ثلاثة نماذج استراتيجية: الرهان الأميركي على السوق، والنموذج الصيني الموجَّه من الدولة، والحذر الأوروبي التنظيمي. ويخلص إلى أن الفارق بين سيناريو الفجوة وسيناريو الفرصة لا يحدّده الذكاء الاصطناعي ذاته، بل قرارات السياسة العامة في الاستثمار بالإنسان قبل الخوارزمية — وهو رهانٌ لا يزال مفتوحاً لدول كالمغرب وجيرانه.

في صباح أحد أيام يناير من عام 2026، أعلنت شركة أمازون تسريح 16 ألف موظف من طاقمها الإداري، بعد أن كانت قد سرّحت 14 ألفاً آخرين قبل ثلاثة أشهر فقط. ثلاثون ألف وظيفة اختفت في موسم واحد. لكن المفارقة الحقيقية لم تكن في عدد المسرَّحين، بل في توقيت الإعلان: في الأسبوع نفسه تحديداً، كشفت الشركة أن وحدة الحوسبة السحابية التابعة لها نمت بنسبة 24%، أسرع معدّل نمو لها منذ ثلاثة عشر ربع سنة.

نموٌّ غير مسبوق، وتسريحٌ غير مسبوق، في الوقت نفسه، تحت السقف نفسه. هذه ليست أزمة اقتصادية بالمعنى الذي تعلّمناه طوال قرن، حيث يتراجع الطلب فتُغلق المصانع وتُسرَّح الأيدي. هذه قصة مختلفة جوهرياً: اقتصادٌ يتوسّع وهو يحتاج إلى عددٍ أقلّ من البشر لتشغيله.

وجهان لعملة واحدة

لنضع وجهاً إنسانياً لهذه الأرقام. ليلى، 45 عاماً، عملت اثني عشر عاماً في قسم خدمة العملاء بشركة تقنية متوسطة الحجم. لم تُخطئ يوماً في أداء عملها، ولم يكن أداؤها هو المشكلة؛ المشكلة أن وكيلاً ذكياً بات يستطيع الرد على ثلاثة أضعاف ما تستطيعه في اليوم، بلا استراحة وبلا أجر إضافي. حين أُخبرت بانتهاء عقدها، لم يكن القرار متعلقاً بكفاءتها، بل بجدول حسابي لا يرى فيه اسمها.

على الطرف الآخر من المعادلة، يجلس عمر، محاسب في الرباط، يستخدم اليوم مساعداً ذكياً يُعِدّ له المسودات الأولى للتقارير المالية في دقائق كانت تستغرق منه ساعات. لم يفقد عمله؛ بل أصبح، بفضل الوقت الذي وفّره، الشخص الذي يراجع عشرين ملفاً بدل خمسة، ويحصل في النهاية على ترقية لم تكن واردة قبل عامين. ليلى وعمر يقفان على ضفّتين متقابلتين من النهر نفسه، والفارق بينهما ليس الذكاء أو الجهد، بل موقع كل منهما من مهارة واحدة: القدرة على جعل الآلة تعمل لصالحه لا أن تحلّ محله.

اقتصادٌ يكبر بلا أيدٍ

قصة ليلى ليست استثناءً. في الربع الأول من عام 2026 وحده، سُرِّح عشرات الآلاف من العاملين في الصناعة التقنية الأميركية، ونسب القائمون على رصد هذه التسريحات قرابة نصفهم صراحةً إلى التحوّل نحو الذكاء الاصطناعي والأتمتة. وفي عام 2025، بلغ إجمالي تسريحات سوق العمل الأميركي أعلى رقم منذ جائحة كوفيد-19، نسبت فيه شركة “تشالنجر” للاستشارات عشرات آلاف من هذه التسريحات مباشرة إلى الذكاء الاصطناعي. في شركات تقنية كبرى أخرى، تقلّصت فرق خدمة العملاء إلى النصف بعد أن بات الوكلاء الذكيون يتولّون نصف عمليات التفاعل، فيما ابتلعت روبوتات المحادثة وظائف مئات العاملين في الموارد البشرية.

والمفارقة الأكثر إيلاماً تظهر في سوق العمل التقني نفسه: في الوقت الذي يجري فيه تسريح موظفي الدعم الفني والإدارة الوسطى، تشهد الشركات الأميركية ارتفاعاً حاداً في طلبات التوظيف لوظائف متخصصة في الذكاء الاصطناعي، مع علاوة أجرية مرتفعة لهذه الأدوار النادرة. مهندسو تعلّم الآلة وباحثو سلامة الأنظمة الذكية يجدون نفسهم في وضع ندرة حقيقية، بينما يتوفّر فائض من العمال المسرَّحين الذين لا تتطابق مهاراتهم مع هذه الفرص الجديدة. إنها ليست أزمة عمل بقدر ما هي أزمة “إعادة تأهيل” لم يستعد لها النظام التعليمي ولا سياسات سوق العمل في أي بلد، ولا حتى في الاقتصادات الأكثر ثراءً.

ويقدّر صندوق النقد الدولي أن نحو 40% من الوظائف حول العالم معرّضة، بدرجة أو بأخرى، لتأثير الذكاء الاصطناعي، وترتفع هذه النسبة إلى 60% في الاقتصادات المتقدّمة. وما يجعل هذه الموجة مختلفة عن موجات الأتمتة السابقة هو أنها، للمرة الأولى، لا تستهدف فقط الأعمال الروتينية متدنية الأجر، بل تطرق أبواب المهن العالية الكفاءة: المحاماة الإجرائية، التحليل المالي، البرمجة، حتى التشخيص الطبي. مديرة الصندوق كريستالينا جورجييفا وصفت هذا الاتجاه بأنه نمط مقلق يستوجب من صانعي السياسات التحرّك قبل أن يتعمّق التوتر الاجتماعي.

القطاعات الخمسة المقبلة: من غرفة الفحص إلى خط الإنتاج

الطب والتشخيص: لم يعد الذكاء الاصطناعي في غرفة الفحص مجرد تجربة. فقد منحت هيئة الغذاء والدواء الأميركية حتى نهاية عام 2025 أكثر من 1,400 ترخيص لأجهزة طبية تعمل بالذكاء الاصطناعي، أغلبها في مجال الأشعة التشخيصية. هذا لا يعني أن الأطباء سيُستبدلون، بل أن طبيعة عملهم تتغيّر: من “قراءة الصور” إلى “مراجعة قراءات الآلة واتخاذ القرار النهائي”.

التعليم: المفارقة هنا مزدوجة. فالذكاء الاصطناعي يَعِد بتدريس شخصي مكيَّف لكل طالب، لكنّ صندوق النقد الدولي يحذّر من أن أغلب عمال العالم سيحتاجون إلى تدريب جديد قبل عام 2027، في حين أن نصفهم فقط يملك فعلياً إمكانية الوصول إلى برامج تأهيل كافية. الفجوة هنا ليست تقنية، بل مؤسسية.

الإدارة والخدمات الإدارية: الوظائف الأكثر هشاشة ليست في خطوط الإنتاج، بل في المكاتب: خدمة العملاء، الموارد البشرية، ضمان الجودة، الإدارة الوسطى. هذه الفئات هي بالضبط ما تستهدفه عمليات التسريح التي ذكرناها أعلاه، بينما تتركز إعادة التوظيف في أدوار هندسية وبحثية أعلى تخصصاً.

الصناعة: تقدّم الصين النموذج الأوضح. في مصنع بشنغهاي، أدّى إدخال خطوط روبوتية مدعومة بنماذج ذكاء اصطناعي محلية إلى رفع الإنتاج بنسبة تقارب الخُمس وخفض التكاليف بشكل كبير في تجربة واحدة. هذا النمط -دمج الروبوتات الصناعية مع نماذج لغوية محلية الصنع- يفسّر جزئياً توقّعات مؤسسة “PwC” بأن يرتفع الناتج المحلي الإجمالي الصيني بنسبة تتجاوز ربع قيمته الحالية بحلول 2030، وهي أعلى نسبة متوقعة لأي اقتصاد كبير في العالم.

الخدمات المالية: من “بلاك روك” التي خفضت طاقمها لصالح أنظمة استثمار تعمل بالبيانات، إلى “ستاندرد تشارترد” التي تخطط لخفض آلاف الوظائف بحلول عام 2030، يتقدّم القطاع المالي بخطى سريعة نحو نموذج تُدار فيه المحافظ والقرارات الائتمانية بخوارزميات، ويتقلّص فيه دور المحلل البشري إلى مراقبة الاستثناءات لا اتخاذ القرار.

ثلاث قارات وسباق غير متكافئ

في الولايات المتحدة، يقود السباق سبع شركات تقنية عملاقة -تضمّ في مقدّمتها مايكروسوفت وغوغل وأمازون ومنافسوها المباشرون- بلغت قيمتها السوقية المجمّعة 22 تريليون دولار في يونيو 2026، أي ما يقارب ثلث القيمة الإجمالية لمؤشر “S&P 500” بأكمله. والأخطر من حجم هذه الثروة هو تركّزها: تستحوذ هذه السبع على ما يقارب 70% من إجمالي الأرباح الاقتصادية لشركات المؤشر كله.

بمعنى آخر، خمسمئة شركة تتقاسم 30% من الأرباح، وسبع شركات تتقاسم 70% الباقية. هذا ليس مجرد تفوّق تنافسي، بل إعادة تشكيل لبنية الرأسمالية نفسها، حيث تتحوّل السيطرة على البنية التحتية الرقمية -الحوسبة، البيانات، الرقائق- إلى مصدر القوة الأهم، أهمّ من الأرض والمصنع والعمالة مجتمعين.

في المقابل، تسلك الصين مساراً مركزياً موجّهاً من الدولة. منذ خطتها الوطنية للذكاء الاصطناعي التي أُعلنت عام 2017 بهدف الصدارة العالمية بحلول 2030، استثمرت بكين بكثافة في النماذج المحلية والبنية التحتية، حتى باتت -إلى جوار أميركا الشمالية- إحدى أكبر مستفيدتين من الموجة، حيث تتوقّع “PwC” أن تستحوذ الصين وأميركا الشمالية معاً على نحو 70% من إجمالي الأثر الاقتصادي العالمي للذكاء الاصطناعي.

أوروبا، بدورها، تختار طريقاً ثالثاً: التنظيم قبل الاستثمار. فيما تتقدّم واشنطن وبكين بمنطق “ابنِ أولاً، نظِّم بعد ذلك”، تصرّ بروكسل على إطار أخلاقي وقانوني صارم يحمي الخصوصية وحقوق الأفراد. هذا الحذر -على نُبل دافعه- أبطأ وتيرة الاستثمار الخاص الأوروبي، ما يجعل القارة العجوز في موقع المتابع أكثر من موقع الصدارة في هذه الموجة. وفي آسيا غير الصينية، تسلك دول أخرى طرقاً مغايرة: اليابان تستثمر في الروبوتات الصناعية والخدمية لمواجهة شيخوخة سكانها، بينما تطمح الهند إلى أن تتحول من مزوّد خدمات تقنية تقليدية إلى مركز عالمي لخدمات الذكاء الاصطناعي نفسه.

أما في العالم العربي، فاللافت ليس غياب السباق، بل دخوله بقوة غير متوقعة. أعلنت السعودية عام 2026 “عام الذكاء الاصطناعي”، وأطلقت عبر صندوقها السيادي مشاريع بنية تحتية تتجاوز 100 مليار دولار. والإمارات باتت من الدول الأعلى عالمياً في معدّل استخدام هذه الأدوات، مع ضخٍّ استثماري ضخم خلال العامين الماضيين وحدهما. وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف نحو 320 مليار دولار إلى ناتج المنطقة بحلول 2030، أي ما يعادل 11% من ناتجها المحلي الإجمالي.

غير أن هذا الحضور الخليجي اللافت يطرح سؤاله الخاص: استثمارات ضخمة في البنية التحتية والرقائق ومراكز البيانات، لكن من يملك النماذج والخوارزميات والمعرفة العميقة التي تشغّل هذه البنية؟ بقية العالم العربي، خارج دول الخليج الثرية، لا يزال بعيداً عن هذا السباق، ما يهدد بأن تتكرّر، على نطاق إقليمي مصغّر، نفس الهوّة التي يخشاها الاقتصاديون على المستوى العالمي.

أما جنوب الصحراء الكبرى، فثمة مفارقة مؤلمة: إفريقيا هي القارة الأقل تأثراً بالتسريحات المباشرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي في الوقت الراهن، لأن نسبة العمالة الرسمية المعرّضة لأتمتة المكاتب لا تزال محدودة. لكنها في الوقت نفسه الأكثر هشاشة على المدى البعيد: فنماذج “التصنيع الرخيص” التي كان يُفترض أن تمثّل المرحلة التالية من تطورها الاقتصادي -كما حدث في آسيا قبل عقود- باتت مهدّدة بالأتمتة قبل أن تبدأ. مليار وثمانمئة مليون إنسان، غالبيتهم شباب، في سباق مع توقيت لم يختاروه.

وجهة نظر مضادة: ألن تتكرر قصة الثورة الصناعية؟

يجادل عدد من الاقتصاديين بأن هذا القلق مبالَغ فيه، وأن التاريخ يكرّر نفسه: فحين دخلت الآلة الحاسبة المصارف، توقّع كثيرون نهاية مهنة الصرّاف، لكن عدد الصرّافين في أميركا ارتفع لعقود بعد انتشار أجهزة الصرف الآلي، لأن البنوك استخدمت الوقت المُوفَّر لفتح فروع جديدة وتقديم خدمات أكثر تعقيداً تتطلّب حضوراً بشرياً. وبالمنطق نفسه، يرى هؤلاء أن كل ثورة تقنية كبرى -من الآلة البخارية إلى الحاسوب الشخصي- دمّرت مهناً بعينها، لكنها خلقت في النهاية أعداداً أكبر من الوظائف الجديدة التي لم يكن يمكن تخيّلها قبل وقوعها.

هذا الرأي ليس بلا أساس، وصندوق النقد الدولي نفسه يشير إلى احتمال أن تستفيد الدول منخفضة الدخل من نمط مشابه لانتشار الهواتف الذكية، حيث يسدّ الذكاء الاصطناعي فجوة مهارات لم يكن هناك من يشغلها أصلاً، خصوصاً في الصحة والتعليم. لكن الفارق هذه المرة يكمن في عاملين: السرعة، والاتجاه. فموجات الأتمتة السابقة استغرقت أجيالاً لتنتشر، ما أعطى أسواق العمل وقتاً للتكيّف عبر الهجرة الداخلية والتعليم المهني. الذكاء الاصطناعي، في المقابل، ينتشر على مدى سنوات لا أجيال. وهو، خلافاً للموجات السابقة التي ضربت أساساً العمل اليدوي، يتقدّم هذه المرة نحو المهن المعرفية والإدارية في آنٍ واحد، وعلى نطاق عالمي متزامن لا يترك لأي اقتصاد فرصة “الانتظار ليرى ما يحدث في مكان آخر”.

السؤال الجوهري: عدالة أم فجوة غير مسبوقة؟

هنا تكمن المعضلة الأخلاقية والسياسية الحقيقية. فبخلاف موجات الأتمتة التي ضربت أساساً العمال متوسطي المهارة، يستهدف الذكاء الاصطناعي هذه المرة المهن المرتفعة الدخل والمعرفية. هذا قد يبدو، نظرياً، عاملاً مساوياً للفرص. لكن الحقيقة الأعمق هي أن الأثر النهائي على التفاوت لا يحدّده “من يتأثر”، بل “من يستطيع التكيّف”.

ويحذّر صندوق النقد الدولي من أن الأثر سيتّخذ شكل استقطاب داخل الفئات الدخلية نفسها: فالعمال القادرون على استخدام الذكاء الاصطناعي كأداة تكميلية -كحال عمر في مثالنا السابق- سيرون دخلهم يرتفع، أما من يفتقرون إلى هذه المهارة -كحال ليلى- فسيشهدون تراجعاً أو تجمّداً في أجورهم، بصرف النظر عن دخلهم الأصلي. وتظهر بيانات من بريطانيا والبرازيل أن الأفراد ذوي التعليم العالي ينتقلون بسهولة أكبر من الوظائف المهددة إلى الوظائف المكمّلة للذكاء الاصطناعي، بينما يجد العمال الأكبر سناً وذوو التعليم المحدود أنفسهم عالقين في الجانب الخاطئ من هذا التحوّل.

وعلى مستوى الشركات، تكشف محاكاة “ماكينزي” عن انقسام مماثل: الشركات الرائدة التي تتبنّى الذكاء الاصطناعي بشكل كامل قد تُضاعف تدفقاتها النقدية بحلول 2030، بينما الشركات المتأخرة قد تشهد تراجعاً حاداً في تدفقاتها. فالسوق لا تكتفي بمعاقبة العمال المتأخرين عن الركب، بل تعاقب الشركات والدول بالمنطق نفسه. والفارق بين سيناريو الفجوة وسيناريو الفرصة لا يحدّده الذكاء الاصطناعي نفسه، بل قرارات السياسة العامة: شبكات الحماية الاجتماعية، برامج إعادة التأهيل، وجرأة الدول الصغيرة والمتوسطة في الاستثمار في رأس المال البشري قبل أن يفوتها القطار.

عالمٌ نحو 2035

تخيّلوا صباحاً عادياً في عام 2035. في مستشفى بالدار البيضاء، يراجع طبيبٌ نتيجة فحصٍ شخّصه نظام ذكاء اصطناعي بدقة تفوق المتوسط البشري، ويقرر -هو، وحده- متى يتجاوز هذا التشخيص ويثق بحدسه السريري. في مصنع بشنغهاي، تتحرّك خطوط الإنتاج بلا عمّال تقريباً. وفي مكتبٍ بأبوظبي، يدير صندوق سيادي محفظة استثمارية ضخمة بمساعدة نموذج لغوي طوّرته الدولة نفسها.

وبين هذين الطرفين، يقف المغرب وجيرانه من الاقتصادات العربية غير النفطية -تونس، مصر، الأردن- في موقع أكثر تعقيداً. هذه الاقتصادات تستضيف قطاعات هشّة بطبيعتها أمام الأتمتة، كمراكز خدمة العملاء والاستعانة الرقمية بالمصادر الخارجية التي توظّف عشرات آلاف الشباب، دون أن تملك في المقابل رؤوس الأموال السيادية التي تحمي الخليج من صدمة مماثلة. لكن في المقابل، تمتلك هذه البلدان فرصة لم تُستغل بعد: نقصاً حاداً وقديماً في الكفاءات الطبية والتعليمية يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخفّف منه فعلاً لا أن ينافس عليه، إضافة إلى إمكانية بناء نماذج لغوية محلية تخدم اللهجات العربية المغاربية كما فعلت دول الخليج بالعربية الفصحى والخليجية. الفارق بين أن يكون المغرب ضحية هذه الموجة أو مستفيداً منها لن يحدّده حجم الاستثمار وحده، بل سرعة قرار الاستثمار في تأهيل معلّميه وأطبائه ومبرمجيه الشباب، قبل أن تُحسم المعادلة في مكان آخر.

في هذا العالم، سيكون النمو الاقتصادي أعلى مما عرفناه يوماً، لكن السؤال الذي سيحدّد إن كان هذا العالم عادلاً أم غير ذلك لن يكون “كم نمت الكعكة؟”، بل “من يجلس على طاولة تقطيعها؟”. فإذا استمر النمط الحالي -حيث تتركّز ملكية النماذج والبيانات والرقائق في أيدي عدد محدود من الشركات والدول- فإن عام 2035 سيكون عالماً أكثر ثراءً وأكثر انقساماً في الوقت نفسه. لكن إذا اختارت الدول والمؤسسات أن تستثمر بالجدّية نفسها في إعادة تأهيل الإنسان كما تستثمر في تدريب الخوارزميات، فإن المعادلة قد تنقلب: الذكاء الاصطناعي لن يكون أداة استبدال، بل أداة تحرير من الأعمال الشاقة والمتكررة، حيث تفسح المجال أمام طاقة بشرية أكبر تُوجَّه نحو الإبداع والرعاية والمعنى.

خاتمة: من يملك المستقبل؟

في نهاية المطاف، الذكاء الاصطناعي ليس قدراً يُفرَض علينا، بل مرآة تعكس أولوياتنا الجماعية. فالآلة التي تشخّص المرض بدقة، وتُدير المصنع بكفاءة، وتكتب التقرير المالي في ثوانٍ، لا تحمل في ذاتها نزعة نحو العدالة أو الظلم. هي محايدة بقدر ما تسمح القرارات البشرية التي تصمّمها وتوزّع عوائدها.

السؤال الذي طرحناه في بداية هذا المقال -هل سيقودنا الذكاء الاصطناعي إلى مجتمع أكثر عدالة أم إلى فجوة غير مسبوقة؟- لا جواب حتمي عليه بعد. لكن التاريخ يعلّمنا أن التقنيات الكبرى لم تُحدِث العدالة من ذاتها قط؛ فالكهرباء لم تُنِر كل القرى، والإنترنت لم يصل إلى كل بيت، إلا حين قرّرت مجتمعات بأكملها أن غياب هذا الوصول ظلمٌ لا يُقبل. والذكاء الاصطناعي ليس استثناءً من هذا القانون. وما لم نقرّر، بإرادة سياسية واضحة، أن ثمار هذه الثورة الجديدة يجب أن تُوزَّع بعدالة، فسنجد أنفسنا، بحلول 2035، في عالمٍ أغنى من أي وقت مضى، وأكثر وحدة من أي وقت مضى أيضاً. فالسؤال الحقيقي لن يكون حينها: هل اخترعنا ذكاءً اصطناعياً متقدماً؟ بل: هل نجحنا في تعليم ليلى وأمثالها القدرةَ على جعل الآلة تعمل لصالحهم، لا أن تحلّ محلّهم؟ تلك القدرة ليست تقنية بحتة -إنها قرار حضاري. وعلى الإجابة عنه يتوقف ما إذا كنا سنبني عالماً مشتركاً أو عالماً يتأمّل فيه أكثرنا من الخارج صناعة مستقبل لم يُستشار في تصميمه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى