ثقافة و فن
مؤشر النزاهة في البحث العلمي 2025 يضع عشر جامعات مغربية تحت المجهر

الحنبلي عزيز -متابعة
أعاد مؤشر النزاهة في البحث العلمي لسنة 2025 فتح النقاش حول جودة الإنتاج العلمي داخل عدد من الجامعات المغربية، بعدما أدرج عشر مؤسسات جامعية وطنية ضمن تصنيف المؤسسات التي تواجه تحديات مرتبطة بنزاهة المنشورات العلمية. ويعتمد هذا التصنيف على عدد الأبحاث العلمية التي تم سحبها بعد نشرها، إما بسبب أخطاء علمية ومنهجية، أو بسبب مخالفات تمس قواعد النزاهة الأكاديمية، من بينها السرقة العلمية، التلاعب في المعطيات، أو الإخلال بشروط النشر العلمي الرصين.
وحسب المعطيات الواردة في المؤشر، جاءت جامعة ابن طفيل بالقنيطرة في الخانة الحمراء، وهي الخانة التي تعني وجود مخاطر مرتفعة جدا على مستوى نزاهة المنشورات العلمية. ويعد هذا التصنيف مؤشرا مقلقا، لأنه يضع الجامعة أمام ضرورة مراجعة آليات تتبع الإنتاج العلمي، وتدقيق مساطر النشر، وتعزيز ثقافة الأخلاقيات الأكاديمية داخل المختبرات ومراكز البحث.
كما صنف المؤشر عددا من الجامعات المغربية في الخانة البرتقالية، التي تشير إلى وجود مخاطر مرتفعة. ويتعلق الأمر بكل من جامعة ابن زهر، وجامعة الحسن الثاني، وجامعة محمد الخامس، وجامعة سيدي محمد بن عبد الله. ويعكس هذا الوضع الحاجة إلى تقوية أنظمة المراقبة الداخلية، ومواكبة الباحثين في احترام المعايير الدولية للنشر العلمي، خاصة في ظل تزايد الضغط المرتبط بالإنتاج الكمي للأبحاث، والترقيات الأكاديمية، والتنافس على التصنيفات الدولية.
أما الخانة الصفراء، التي تعني أن المؤسسة توجد تحت المراقبة ومهددة بالانتقال إلى مستويات أعلى من الخطر، فقد ضمت جامعة عبد المالك السعدي، وجامعة السلطان مولاي سليمان، وجامعة مولاي إسماعيل، وجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، وجامعة القاضي عياض. ورغم أن هذا التصنيف أقل خطورة من الخانتين الحمراء والبرتقالية، فإنه يشكل بدوره إنذارا مبكرا بضرورة اتخاذ إجراءات وقائية قبل تفاقم الوضع.
ولا يعني إدراج هذه الجامعات في المؤشر بالضرورة تعميم الاتهام على كل الباحثين أو المختبرات التابعة لها، كما لا يعني أن كل الأبحاث المسحوبة مرتبطة بالضرورة بسوء نية أو احتيال علمي. فبعض عمليات السحب قد تنتج عن أخطاء منهجية أو تقنية يتم اكتشافها بعد النشر. غير أن تكرار هذه الحالات يطرح أسئلة جدية حول منظومة التكوين في أخلاقيات البحث، وجودة التأطير، وفعالية لجان النزاهة العلمية، ومدى التزام المجلات والباحثين بمعايير الشفافية والدقة العلمية.
ويكشف هذا التصنيف عن إشكالية أعمق تتعلق بثقافة البحث العلمي داخل الجامعة المغربية. فقد أصبح النشر العلمي، في السنوات الأخيرة، معيارا أساسيا في تقييم الباحثين والمؤسسات، غير أن التركيز على الكم أحيانا قد يؤدي إلى إضعاف الاهتمام بالجودة. كما أن بعض الباحثين الشباب قد يجدون أنفسهم تحت ضغط النشر السريع دون توفر مواكبة كافية في منهجية البحث، وقواعد الاقتباس، وتدبير البيانات، وأخلاقيات التأليف العلمي.
لذلك، فإن التعامل مع هذه المؤشرات لا ينبغي أن يتم بمنطق التشهير أو الإدانة الجماعية، بل بمنطق الإصلاح المؤسساتي. فالجامعة المغربية تحتاج اليوم إلى ترسيخ ثقافة النزاهة العلمية باعتبارها جزءا أساسيا من جودة التعليم العالي والبحث العلمي. ويقتضي ذلك إحداث أو تفعيل لجان مستقلة للنزاهة الأكاديمية، وتكوين الباحثين وطلبة الدكتوراه في أخلاقيات البحث، واعتماد برامج للكشف عن السرقة العلمية، ومراقبة جودة المنشورات، وتشجيع البحث الرصين بدل الاكتفاء بعدد المقالات المنشورة.
كما أن هذه النتائج تضع وزارة التعليم العالي والجامعات أمام مسؤولية جماعية لإعادة النظر في آليات تقييم الإنتاج العلمي. فالمطلوب ليس فقط الرفع من عدد المنشورات أو تحسين ترتيب الجامعات في التصنيفات الدولية، بل ضمان أن يكون البحث العلمي المغربي قائما على المصداقية، الشفافية، الدقة، والمسؤولية الأكاديمية.
في المحصلة، يشكل مؤشر النزاهة في البحث العلمي لسنة 2025 جرس إنذار للجامعة المغربية. فهو لا يكشف فقط عن حالات مرتبطة بسحب منشورات علمية، بل يطرح سؤالا أوسع حول مستقبل البحث العلمي في المغرب، وحول القدرة على بناء جامعة منتجة للمعرفة وملتزمة في الوقت نفسه بالمعايير الأخلاقية الدولية. فالنزاهة العلمية ليست مسألة تقنية أو إدارية فقط، بل هي شرط أساسي للثقة في الجامعة، وفي الباحث، وفي المعرفة التي تنتجها المؤسسات الأكاديمية الوطنية.
الموقع الرسمي للمؤشر :
[Research Integrity Risk Index (RI²) – الموقع الرسمي](https://sites.aub.edu.lb/lmeho/ri2/?utm_source=chatgpt.com)


