يعرف التنمر بأنه سلوك عدواني متعمد ومتكرر، يقوم على اختلال في ميزان القوة بين المتنمر والضحية، يهدف إلى إلحاق الأذى الجسدي أو النفسي أو الاجتماعي بالشخص المستهدف (سواء كان طفلا أو راشدا). ويتفق هذا التعريف مع التصور الذي قدمه عالم النفس النرويجي “دان أولويوس” (Dan Olweus)، أحد أبرز الباحثين في مجال التنمر، والذي يرى أن هذا السلوك يتميز بثلاث خصائص أساسية هي القصد والتكرار واختلال في ميزان القوة بين المتنمر والضحية. ويظهر هذا الاختلال في استغلال القوة البدنية أو المكانة الاجتماعية أو امتلاك معلومات محرجة عن الضحية لإيذائه وإلحاق الضرر به، ويتخذ التنمر أشكالا متعددة، من الإيذاء اللفظي والجسدي إلى الإقصاء الاجتماعي والتنمر الإلكتروني.
ووفقا لأرقام منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، فإن 130 مليون طالب في جميع أنحاء العالم يتعرضون للتنمر، الذي تفاقمت وتيرته وآثاره بسبب انتشار التقنيات الرقمية. كما تشير تقديرات ذات المنظمة (اليونيسيف) إلى أن واحدا من كل ثلاثة تلاميذ تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عاما يقع ضحية للتنمر.
التنمر ليس سلوكا عدوانيا عابرا، وآثاره على الضحية ليست مجرد آثار مؤقتة أو عابرة، فهو يؤدي إلى أضرار نفسية متعددة كانخفاض تقدير الذات، القلق والاكتئاب، إضافة إلى تراجع التركيز والتحصيل الدراسي، وقد يدفع بعض الضحايا إلى الانسحاب من الأنشطة أو حتى من المدرسة.
وتساعد نظرية التعلم الاجتماعي لعالم النفس الكندي “ألبرت باندورا” (Albert Bandura) على تفسير الكيفية التي قد تستمر بها بعض الأنماط السلوكية عبر مراحل النمو، إذ يرى أن جانبا من السلوك الإنساني يكتسب من خلال الملاحظة و التقليد و التعزيز. فإذا حقق السلوك العدواني مكاسب لصاحبه و لم يواجه بالتصحيح أو المحاسبة، فقد يعاد إنتاجه في سياقات اجتماعية مختلفة، غير أن استمرار هئا السلوك يظل رهينا بالظروف التي تعززه أو تحد منه.
وانطلاقا من هذا المنظور، لا تتوقف خطورة التنمر عند آثاره النفسية على التلاميذ، بل قد يمتد تأثيره إلى مراحل لاحقة من حياة الفرد، فحين يغادر بعض الأطفال الذين اعتادوا ممارسة التنمر، الوسط المدرسي ويدخلون سوق الشغل، قد يعيدون إنتاج أنماط السيطرة نفسها، لكن بأساليب تتلاءم مع طبيعة الوسط المهني.
كيف تتشكل أشكال التنمر في بيئات العمل؟
لا يمارس المتنمر الراشد داخل بيئة العمل، سلوكه العدواني بشكل مكشوف كما كان يفعل في المدرسة، فهو يعيد إنتاج نفس الأشكال الأربعة للتنمر بأساليب أكثر خفاء، ففي مرحلة الطفولة و في المدرسة، يتخذ التنمر اللفظي شكل شتائم مباشرة أو ألقاب معيبة، أما في الوسط المهني و في بيئة العمل، فيظهر هذا السلوك على شكل ملاحظات مهينة، حيث يتحول الأمر إلى نقد هدام ومتكرر بهدف التقليل من قيمة الزميل المستهدف أمام باقي الفريق، مما يزرع الشك في نفسه ويمهد لإضعاف موقعه المهني، ويتحول كذلك التنمر الجسدي من العنف البدني إلى عرقلة العمل والتكليف بمهام تعجيزية، كون المتنمر الراشد يدرك أن الاعتداء الجسدي المباشر قد يوقعه في مشاكل قانونية أو عقوبات إدارية، فيستبدل الضرب والدفع بأساليب تستهدف الجهد والإنتاجية، وقد يظهر ذلك في إخفاء المعلومات أو الأدوات الضرورية للعمل، أو في ممارسات تؤدي إلى إرباك أداء الموظف وإظهاره بمظهر المقصر. كما يشمل هذا النوع إثقال كاهل الموظف المستهدف بمهام تعجيزية تتجاوز طاقته، وفرض مواعيد تسليم خيالية بأسلوب يهدف لإنهاكه جسدياً ونفسياً وإظهاره بمظهر العاجز، و يتحول التنمر الاجتماعي من الحرمان من اللعب إلى العزل الوظيفي المنظم، فإن كان التنمر الاجتماعي في المدرسة يتمثل في تحريض الأطفال على عدم ربط علاقات صداقة مع الضحية، فإنه في العمل يتحول إلى سياسة إقصاء خفية، يتعمد فيها المتنمر استبعاد زميله المستهدف من الاجتماعات و اللقاءات المهمة، مع توجيه بقية الزملاء ضمنياً لتجاهل وجوده أو عدم التعاون معه، كما يرافق ذلك نشر شائعات خبيثة تمس كفاءته المهنية، بهدف عزل الضحية اجتماعياً ومهنياً داخل وسطه المهني، و يمتد هذا التحول إلى التنمر الالكتروني، حيث قد تستغل مجموعات العمل الرقمية للسخرية من الموظف أو التقليل من انجازاته إو ارسال رسائل تحمل تهديدات مبطنة، بما يبقيه تحت ضغط نفسي ختى خارج ساعات العمل.
يشير الباحث النرويجي “ستال إينارسن” (Stal Einarsen)، أحد أبرز المهتمين بالتنمر الوظيفي و المهني، إلى أن أخطر حالات التنمر في بيئة العمل ترتبط غالبا باختلال ميزان القوة بين الطرفين، و هو ما يجعل مواجهة الضحية لهذا السلوك أكثر صعوبة. وهنا لا يعود اختلال ميزان القوة قائما على القوة البدنية كما في المدرسة، بل على سلطة المنصب والإدارة. فعندما تسعف الظروف هذا الشخص المتنمر – بفضل مكانته الاجتماعية أو وصوليته وسعيه الحثيث للسيطرة – ليصل إلى منصب قيادي داخل المؤسسة عندها يحدث تحول خطير في أساليبه التنمرية، إذ يتسع نطاق السلوك العدواني من مجرد مضايقات فردية بين زميلين في نفس المستوى الوظيفي، ليتحول إلى تنمر مؤسساتي ممنهج تسخر فيه موارد الإدارة وصلاحيات المنصب لممارسة القهر.
إن المسؤول المتنمر يتخلى تماماً عن القواعد الأساسية للقيادة الرشيدة، فهو لا يقود بالتحفيز أو بتقدير الكفاءات، بل يتخذ من الإدارة بالترهيب والخوف عقيدة عمل وقيادة، ولتحقيق ذلك، يقوم بتحويل صلاحياته وسلطته إلى أسلحة انتقامية، فتصبح التقييمات، وتوزيع المهام، ومنح المكافآت أو الحرمان منها، وحتى تراخيص العطل، مجرد أدوات عقابية يُعاقب بها كل من يرفض الخضوع، أو يُكافئ بها الأتباع الذين يغذون غروره.
كيف يمكن تفسير سلوك المسؤول المتنمر:
لا يمكن تفسير التنمر في بيئة العمل بسبب نفسي واحد، فالأمر غالبا ما يكون نتيجة تداخل عدة عوامل، مثل شخصية المتنمر وطبيعة بيئة العمل، والصلاحيات التي يمنحها له منصبه. وفي بعض الحالات قد يلجأ بعض المسؤولين إلى التنمر من أجل فرض سيطرتهم أو الحفاظ على مكانتهم داخل المؤسسة، خاصة إذا شعروا بأن مكانتهم مهددة، وقد ينظر بعض المسؤولين إلى الموظفين الأكفاء أو الواثقين من أنفسهم، كأنهم تهديد لمكانتهم داخل المؤسسة، فيلجأون إلى ممارسات تقلل من حضور هؤلاء الموظفين أو تأثيرهم داخل الفريق، بدلا من الاستثمار في قدراتهم.
كيف يمارس المسؤول المتنمر سلطته؟
من بين أكثر الأساليب شيوعا أن ينسب النجاحات الجماعية والإنجازات الكبرى لنفسه، و يلقي مسؤولية الاخفاق على الموظفين الأضعف، ليحمي صورته أمام الإدارة العليا أو أمام الزبائن، كما يعمد إلى التقليل المستمر من أداء مرؤوسيه، وتحقير مجهوداتهم في الاجتماعات و اللقاءات، ليزرع في ذواتهم الشك الدائم في كفاءتهم ما يسبب لهم نوعا من الانهاك النفسي، حتى يصل الموظف إلى مرحلة الاقتناع بأنه عاجز ولا يستحق مكانته، مع الحرص على تفكيك روابط التضامن بين الموظفين عبر إذكاء الفتن، وتقريب بعض الموظفين على حساب آخرين، وخلق حالة من الشك المتبادل بين أعضاء الفريق، لأن اتحاد الموظفين يهدد سلطته، بينما تشتتهم يضمن له السيطرة الكاملة.
وفي كثير من الحالات، لا يكون الهدف تطوير العمل، بقدر ما يصبح فرض السيطرة على الموظفين، وتحويلهم إلى أداة تستمد قيمتها فقط من رضى المسؤول، في سبيل تغذية أناه المتضخمة، ولو أدى ذلك إلى إهدار كفاءات المؤسسة، وتدمير الصحة النفسية للعاملين، وتحويل أروقة العمل إلى بيئة ينعدم فيها الإبداع والاستقرار.
ختاما، مهما اختلفت دوافع المتنمر أو الأسباب التي تدفعه إلى ممارسة هذا السلوك العدواني، فإن النتيجة تبقى واحدة، بيئة عمل يسودها الخوف والتوتر، وموظفون يعانون من ضغط نفسي مستمر، ومؤسسات تخسر جزءا من طاقاتها وكفاءاتها البشرية، لذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة داخل بيئات العمل تبدأ أولاً من وعي الضحية بضرورة كسر حاجز الصمت وعدم الاستسلام للشك الذي يحاول المتنمر زرعه في كفاءته وتقديره لذاته، غير أن الحماية الحقيقية لا تكتمل إلا بوجود إرادة حقيقية لوضع أسس قانونية وتنظيمية تجرّم التنمر الوظيفي و المهني بجميع أشكاله سواء كان أفقياً بين الزملاء، أو عمودياً من الرؤساء، وتوفير آليات تظلم آمنة تحمي كرامة الموظف وصحته النفسية.