الحنبلي عزيز
عبّر حزب الأصالة والمعاصرة عن قلقه وأسفه إزاء الأحداث المأساوية التي شهدتها منطقتا الفنيدق وبني أنصار، عقب محاولات العبور الجماعي نحو سبتة ومليلية، وما خلفته من خسائر بشرية ومادية. غير أن قراءة البلاغ تكشف أن الحزب، رغم إقراره بوجود أزمة اجتماعية حقيقية، اختار الدفاع عن الرواية الرسمية أكثر مما سعى إلى مساءلة الأسباب والسياسات التي قادت إلى هذه الفاجعة.
فقد قدم الحزب ملف الهجرة باعتباره قضية معقدة تتداخل فيها العوامل الاجتماعية والثقافية والجيوسياسية، وهو توصيف يعكس اتساع الظاهرة وعدم إمكانية اختزالها في البعد الأمني. كما أقر بوجود حالة من القلق لدى الشباب نتيجة انسداد الأفق واتساع الهوة بينهم وبين المؤسسات والنخب، وهي إشارة مهمة إلى أن ما وقع لا يمكن تفسيره فقط بالشائعات أو نشاط شبكات الاتجار بالبشر.
لكن هذا الاعتراف ظل محدودًا ولم يتحول إلى مساءلة سياسية واضحة. فالبلاغ لم يحدد طبيعة السياسات التي أدت إلى شعور آلاف الشباب بانسداد الأفق، ولم يناقش مسؤولية الحكومة والأحزاب المشاركة فيها عن البطالة والهشاشة وضعف الثقة في المؤسسات. واكتفى بالحديث العام عن «التحديات التنموية والاجتماعية»، من دون تقديم تقييم نقدي للبرامج الحكومية أو الاعتراف بأي تقصير سياسي.
ويبدو هذا التحفظ أكثر وضوحًا عندما نعلم أن حزب الأصالة والمعاصرة يشكل جزءًا من الأغلبية الحكومية، ما يجعله معنيًا مباشرة بالحصيلة الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها الشباب. لذلك، فإن تقديم الحزب نفسه بصفة مراقب قلق للأحداث، بدل فاعل سياسي مشارك في تدبير الشأن العام، يخلق مسافة غير مقنعة بينه وبين المسؤولية الحكومية.
كما ثمن الحزب ما وصفه بالحكمة والتبصر والشفافية التي طبعت تعامل السلطات العمومية مع الأزمة، وهو موقف يثير التساؤل، خصوصًا أن البلاغ لم يقدم أي معطيات تدعم هذا التقييم، ولم يناقش توقيت التواصل الرسمي أو مدى فعالية الإجراءات الاستباقية أو كيفية تمكن آلاف الأشخاص من الوصول في وقت متقارب إلى المناطق الحدودية.
وكان من المنتظر أن يطالب حزب سياسي مشارك في الحكومة بنشر حصيلة دقيقة للضحايا والجرحى والمفقودين والقاصرين، وتوضيح ظروف التدخلات الأمنية، بدل الاكتفاء بالإشادة العامة بأداء السلطات والقوات العمومية.
كذلك رفض البلاغ ما سماه «التحليلات السطحية» و«الاتهامات العدمية» الموجهة إلى الدولة، وهي صياغة قد تُفهم باعتبارها محاولة لتضييق مساحة النقد المشروع. فالمطالبة بمساءلة السياسات العمومية أو البحث في مسؤولية المؤسسات لا تعني بالضرورة تصفية الحسابات مع الدولة، بل تدخل في صميم العمل السياسي والرقابة الديمقراطية.
وفي الوقت الذي أدان فيه الحزب أعمال العنف والتخريب، لم يميز البلاغ بوضوح بين المشاركين في أعمال عنف وبين آلاف الأشخاص الذين تحركوا بدافع اليأس أو الرغبة في الهجرة. كما غاب عنه تحليل اجتماعي دقيق لهوية المشاركين وظروفهم ودوافعهم، ليظل الخطاب أقرب إلى الموقف الأمني منه إلى قراءة سياسية واجتماعية متكاملة.
أما دعوة الحزب إلى تفكيك شبكات الاتجار بالبشر والتصدي للحملات المضللة على منصات التواصل الاجتماعي، فهي دعوة مشروعة، لكنها لا تكفي لتفسير حجم ما وقع. فالشائعات لا تحشد آلاف الأشخاص ما لم تجد بيئة خصبة من الإحباط وفقدان الأمل والشعور بانعدام البدائل.
ويحسب للبلاغ أنه دعا إلى حوار وطني ودولي حول الهجرة، يأخذ بعين الاعتبار أبعادها التاريخية والاجتماعية والأمنية والثقافية. غير أن هذه الدعوة ظلت عامة ولم تتضمن مقترحات عملية، مثل عقد جلسة برلمانية للمساءلة، أو تشكيل لجنة لتقصي الحقائق، أو إطلاق برنامج استعجالي لفائدة شباب المناطق الحدودية، أو مراجعة السياسات العمومية الموجهة إلى التشغيل والإدماج الاجتماعي.
في المحصلة، حاول حزب الأصالة والمعاصرة الجمع بين التعاطف مع الضحايا والدفاع عن المؤسسات، وبين الاعتراف بأزمة الشباب وتبرئة الخيارات الحكومية من مسؤوليتها المباشرة. ولذلك بدا البلاغ حذرًا ومتناقضًا: يعترف بانسداد الأفق، لكنه لا يحدد من يتحمل مسؤولية هذا الانسداد؛ ويدعو إلى الحوار، لكنه لا يفتح باب المحاسبة؛ ويقر بعمق الأزمة، لكنه يفضل إرجاعها إلى التضليل وشبكات التهريب بدل مساءلة السياسات التي جعلت الهجرة، رغم خطر الموت، خيارًا جماعيًا.