تتواصل في مدينة سبتة تداعيات مأساة الهجرة الجماعية التي شهدتها المنطقة الأسبوع الماضي، بعدما شرعت السلطات الإسبانية في تكثيف جهودها للتعرف على هويات عشرات الضحايا الذين عُثر على جثامينهم عقب موجة العبور، في وقت تعيش فيه عائلات المفقودين حالة انتظار ثقيلة، بحثاً عن أي معلومة تقود إلى معرفة مصير أبنائها.
وبحسب المعطيات الواردة، تستعد السلطات لدفن معظم جثامين نحو 80 مهاجراً في سبتة خلال الأيام المقبلة، من دون أن يعني ذلك إغلاق ملفات التعرف على الضحايا، إذ ستتواصل عمليات تحديد الهوية حتى بعد الدفن، بالاعتماد على بصمات الأصابع وتحاليل الحمض النووي ومقارنتها بالبيانات المتوفرة لدى السلطات المختصة.
ضغط غير مسبوق على فرق الطب الشرعي
وجد فريق الطب الشرعي المحلي نفسه أمام ضغط كبير بسبب ارتفاع عدد الضحايا في فترة زمنية قصيرة. ويضم الفريق في الظروف العادية خمسة أفراد فقط، وهو عدد لم يعد كافياً للتعامل مع حجم الحالات المسجلة.
وأمام هذا الوضع، استعانت السلطات الإسبانية بثمانية موظفين إضافيين قدموا من البر الرئيسي، كما جرى تجهيز مشرحة أكبر داخل مستشفى عسكري سابق، لاستيعاب الجثامين وتسهيل عمليات الفحص والتشريح والتعرف على الهوية.
وقال مدير فريق الطب الشرعي، مانويل أبارثيرو، إن العدد الكبير للضحايا تجاوز القدرات التشغيلية للفريق المحلي، موضحاً أن عناصر الطب الشرعي واصلوا العمل بشكل مكثف طوال أيام في محاولة للتعامل مع الوضع الاستثنائي.
أربع هويات فقط حُسمت حتى الآن
ورغم الجهود المبذولة، لا يزال الغموض يحيط بهويات معظم الضحايا. ووفق معطيات المحكمة المحلية في سبتة، لم يتم حتى الآن التعرف بشكل مؤكد سوى على أربعة أشخاص، اعتماداً على بصمات أصابع مسجلة في قواعد البيانات الإسبانية أو عبر مطابقة الحمض النووي.
كما تخضع أربع حالات إضافية لاختبارات وتحاليل للتأكد من هويات أصحابها، ما يعني أن الغالبية الساحقة من الجثامين لا تزال من دون أسماء مؤكدة.
وفي محاولة لتسريع العملية، شاركت الشرطة الإسبانية بصمات الضحايا مع السلطات المغربية، فيما جرى فتح مكتب بالقرب من الحدود لاستقبال بلاغات عائلات المفقودين وأخذ عينات من الحمض النووي، تمهيداً لمقارنتها بالعينات المستخرجة من الجثامين.
وذكرت المحكمة أن 19 بلاغاً عن أشخاص مفقودين كانت قد سُجلت حتى يوم الخميس.
عائلات بين الانتظار والخوف
على الجانب الآخر من الحدود، تتحول الأزمة بالنسبة إلى عائلات كثيرة إلى مأساة شخصية مفتوحة على جميع الاحتمالات. فبعض الأسر لا تعرف ما إذا كان أبناؤها تمكنوا من الوصول إلى سبتة، أو يوجدون في أحد مراكز الاستقبال، أو كانوا ضمن الضحايا.
ومن بين هذه الحالات جمال بهلول، البالغ من العمر 26 عاماً، الذي يبحث عن شقيقه محمد، وهو عامل بناء يبلغ 22 عاماً. وبحسب روايته، غادر محمد منزله في طنجة، وكان آخر اتصال معه يوم 30 يوليوز، قبل أن تنقطع أخباره تماماً.
وقال شقيقه في تصريح مؤثر: «لا نعرف ما إذا كان في سبتة أم مات».
كما تجمع عدد من أقارب المفقودين قرب الجانب المغربي من الحدود، مطالبين بالحصول على معلومات أكثر دقة عن أبنائهم وبإتاحة الوسائل الضرورية للتعرف على الجثامين.
الدفن لن يغلق ملفات الضحايا
وتعتزم السلطات الإسبانية المضي في دفن الجثامين التي تعذر التعرف عليها بعد استكمال الإجراءات القانونية والطبية اللازمة، على أن تحتفظ بالبيانات البيومترية وعينات الحمض النووي الخاصة بكل ضحية.
ويعني ذلك أن إمكانية التعرف على هوية أي شخص ستظل قائمة حتى بعد الدفن، في حال ظهور أقارب أو تقديم عينات وراثية تسمح بإجراء مطابقة لاحقة.
وتحاول السلطات، بهذه الآلية، التعامل مع ضرورة دفن الجثامين من جهة، والحفاظ على حق العائلات في معرفة مصير أقاربها من جهة أخرى.
مأساة إنسانية تتجاوز الأرقام
وراء أرقام الضحايا والمفقودين تقف عشرات العائلات التي تعيش على وقع القلق والأسئلة المفتوحة. فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بتدبير موجة هجرة جماعية أو مراقبة الحدود، بل أصبحت قضية إنسانية تتعلق بالتعرف على الموتى، وإبلاغ أسرهم، وضمان دفنهم بكرامة.
وتضع هذه المأساة السلطات المغربية والإسبانية أمام مسؤولية إنسانية مشتركة، تتمثل في تسريع تبادل المعلومات، وتسهيل إجراءات التعرف على الجثامين، وتمكين العائلات من الحصول على أجوبة واضحة حول مصير أبنائها، حتى لا يتحول الغموض إلى معاناة أخرى تضاف إلى مأساة الفقد نفسها.