افتتاحية

قانون المحاماة 66.23.. خطأ مسطري أم تأجيل سياسي لحسم مواجهة مؤجلة؟

الحنبلي عزيز 

بعد مسار تشريعي طويل ومثير للجدل، وصل القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة إلى المحكمة الدستورية، لكن من دون أن يصل معها، وفق قرار المحكمة، النص النهائي الذي يفترض أن يشكل موضوع الرقابة. وهكذا انتهت محطة كان يُنتظر أن تحسم جانباً مهماً من الصراع بين الحكومة وهيئات المحامين إلى عبارة قانونية مقتضبة لكنها ثقيلة سياسياً: «تعذر البت في الإحالة على حالها».

القانون، الذي جاء ليحل محل القانون 28.08 المعمول به منذ سنة 2008، قدمته الحكومة باعتباره إصلاحاً ضرورياً لتحديث المهنة، وضبط الولوج إليها، وتطوير التكوين، وتعزيز الحكامة والشفافية. لكن جزءاً واسعاً من الجسم المهني قرأ المشروع من زاوية مختلفة، معتبراً أن بعض مقتضياته قد توسع تدخل الدولة في شؤون مهنة يفترض أن تقوم على الاستقلال والتنظيم الذاتي.

ومن هنا برزت الخلافات حول صلاحيات وزارة العدل والنيابة العامة في مجال التكوين والتأديب، وحصانة الدفاع وحرية الترافع، وشروط الولوج إلى المهنة، وحق المحامين في الاحتجاج والتوقف الجماعي عن العمل، فضلاً عن حدود مراقبة قرارات النقباء ومجالس الهيئات. وبالتالي، لم يكن الخلاف حول ضرورة إصلاح المحاماة، بقدر ما كان حول أي إصلاح نريد، ومن يملك سلطة رسم حدوده؟

ومع ذلك، نجح المشروع في اجتياز مسار برلماني مكثف. فقد دخل مجلس النواب في أبريل 2026، ثم انتقل إلى مجلس المستشارين حيث قدمت بشأنه مئات التعديلات، قبل أن يعود في قراءة ثانية إلى الغرفة الأولى ثم إلى مجلس المستشارين، الذي صادق على صيغته الأخيرة يوم 7 يوليوز. وفي اليوم الموالي، تمت إحالته على المحكمة الدستورية.

لكن المفاجأة جاءت في 10 غشت، حين أعلنت المحكمة أنها غير قادرة على البت في دستورية القانون لأن ملف الإحالة لم يتضمن الصيغة النهائية التي وافق عليها مجلس المستشارين، وإنما وثائق وصيغة سابقة وافق عليها مجلس النواب.

من الناحية القانونية، يبدو الأمر واضحاً: المحكمة لا تستطيع مراقبة نص غير موجود رسمياً أمامها. وبالتالي، فالخلل الإجرائي ثابت، ولا يمكن للمحكمة أن تبني قراراً دستورياً على نص غير مطابق للصيغة النهائية المعتمدة.

لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي.

كيف يصل قانون بهذه الحساسية، بعد أشهر من النقاش والصراع والاحتجاجات والتعديلات، إلى أعلى هيئة دستورية في البلاد من دون الوثيقة الأساسية التي يفترض أن تحكم المحكمة في شأنها؟

قد يكون الأمر مجرد خطأ إداري أو تقني، لكن حجمه وطبيعة الملف يجعلان التساؤل مشروعاً. والأكثر إثارة للنقاش أن المحكمة واجهت، سنة 2025، وضعاً قريباً أثناء نظرها في قانون المسطرة المدنية رقم 02.23، حيث لم تكن الصيغة النهائية مرفقة بالطريقة نفسها، ومع ذلك تحدث قرارها آنذاك عن «استحضار الصيغة النهائية للقانون» قبل الانتقال إلى فحص مضمونه.

وهنا يبرز السؤال الذي يصعب تجاهله: لماذا استطاعت المحكمة استحضار النص النهائي في سابقة 2025، بينما اعتبرت سنة 2026 أن غيابه يحول دون ممارسة الرقابة؟

لا يعني هذا الاختلاف بالضرورة وجود قرار سياسي أو ترتيب مسبق لإجهاض القانون، لكنه يطرح مسألة مهمة تتعلق باستقرار الاجتهاد الدستوري ووحدة المعايير. فالعدالة الدستورية، مثلها مثل العدالة عموماً، لا تحتاج فقط إلى صحة القرار، بل أيضاً إلى وضوح المنهج الذي تنتجه به، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بنص أثار استقطاباً مهنياً وسياسياً واسعاً.

أما الذهاب مباشرة إلى القول إن هناك «فعلاً فاعلاً» أراد تعطيل القانون إلى حين مجيء حكومة جديدة، فهو استنتاج لا تسمح المعطيات الحالية بتأكيده. فلا توجد إلى الآن أدلة تثبت أن إسقاط النسخة النهائية من الملف كان متعمداً، ولا نعرف من أعد الإحالة، ومن راجعها، وكيف مر هذا النقص دون أن تتم ملاحظته قبل وصول الملف إلى المحكمة.

لذلك، فإن السؤال السياسي الأهم لا يتعلق فقط بمن ارتكب الخطأ، بل بما سيحدث بعد اكتشافه.

هل ستتم إعادة إحالة القانون سريعاً، بنسخته النهائية، حتى تقول المحكمة الدستورية كلمتها في المواد التي أثارت اعتراض المحامين؟ أم سيُترك الملف معلقاً إلى أن ينتهي الزمن السياسي للحكومة الحالية، ليصبح عبئاً أو ورقة تفاوض بين أيدي الحكومة المقبلة؟

هنا تحديداً ستتضح الصورة أكثر.

فإذا سارع أصحاب الصفة الدستورية إلى تصحيح الإحالة، سيكون من الممكن اعتبار ما وقع خللاً مسطرياً تمت معالجته. أما إذا دخل القانون في مرحلة صمت طويلة رغم إمكانية إعادة تقديمه، فإن سؤال التأجيل السياسي سيصبح أكثر مشروعية.

وبذلك، لم يعد مستقبل القانون 66.23 مرتبطاً فقط بالخلاف بين المحامين والحكومة، بل أصبح أيضاً اختباراً لشفافية المسطرة التشريعية والدستورية نفسها. فالخطأ قد يقع، لكن طريقة تصحيحه هي التي ستكشف إن كنا أمام عثرة إدارية عابرة، أم أمام وسيلة غير مباشرة لترحيل أزمة المحاماة إلى زمن سياسي آخر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى