وجهة نظر

الإقتصاد المغربي بين “معيار العدالة” الإسلامي ومقولة “نمط الإنتاج العادل”.ذ. عبدالواحد حمزة الحلقة التالثة

قراءة نقدية أولية من أجل إقتراحات لوعود إقتصادية إنتخابية جريئة لتشريعية سبتمبر 2026- 8/3

 قدمنا في الوصلتين السابقتين، دفاعا عن ما رشح من إلتزامات إقتصادية للبرنامج الإنتخابي لتحالف اليسار، قراءة نقدية سريعة، وذلك من أجل المساهمة في إقتراحات لوعود إنتخابية جريئة، حسب ما تقتضيه تشريعيات سبتمبر المقبلة جدا.

والحال ان مارشح من برنامج تحالف اليسار لم ينطق ببنت شفة/ كلمة في حق الإسلام السياسي المغربي، ولا في مجال المالية الإسلامية، مؤسساتها وشبه-منظماتها، التشاركية، منها، محاسبتها المميزة، تقنينها ومراقبتها( قانون 103- 12)، إعتبارا منه، بلاشك، أن خصمه الحقيقي يتمثل -الآن وهنا- في حاملي الراسمال الكبير/ المحلي والعالمي الذي يتغول ويسيطر ويتسلطن اليوم في الحكومة/ الدولة، ومن تمة أهمية التركيز على ممثليه، إنتخابيا وسياسيا وإيديولوجيا، بشكل مباشر او غير مباشر. كما انه لم يتحدث عن “إقتصاد إسلامي”، او “الإقتصادية الإسلامية”، على غرار المالية الإسلامية (البنك الإسلامي، التأمينات الإسلامية وأسوق الراسمال الإسلامي)، او في أحسن الأحوال عن “بيت مال المسلمين”، مصادر تمويله وتوزيع موارده، وهو ما يجعل مناصري “الأيديولوجية الحديثية- التحديثية”/ طرابيشي، 2014، حتما، في صلب مقولات لا علم لهم بها، مفاهيم الإقتصاد السياسي، وحتى النقدي منه: قوى الإنتاج وعلاقاتها، خلق القيمة والثروة وفواءضها، إلخ..، وهي مفاهيم مختلفة المرجعية النظرية، عنها، تماما وحتما…، علما أن الراسمال المالي جزء من الدورة الإقتصادية، الواجهة المعاكسة للإنتاج المادي الحقيقي، فقط، وقد يكون حاسما لتحريك تلك الدورة، طبعا، لكن “الراسمال” نظريا وأصلا هو “علاقة إجتماعية” تاريخية، بين قوى الراسمال وقوى العمل، اساسا، وليس أموالا مكدسة في أبناك، إسلامية أو غيرها، وإن كانت تعطي فواءد.

وقد كانت ولازالت إشكاليتنا تبتغي صراحة نقاشا نقديا تفكيكيا déconstructiviste حول خصام وصراع ثناءيات الوضع المغربي العام وتوتراته وتناقضاته ومفارقاته الموضوعية، ومنها نزاع الإقتصاد الإسلامي، من جهة والإقتصاد السياسي، من جهة أخرى، والتي تكون قد لم تحسم نهاءيا بعد، إستراتيجيا وسياسيا، رغم الدفع الدستوري القانوني الأسمى الواضح، وكذا السلطوية الظاهرة، الناعمة منها والعنيفة، المستشرية داءما وأبدا، لأجل تروي الفاعل السياسي في تحديد الاولويات الإنتخابية والأجندة الحزبية/ لليسار.

وللعلم فهدف النظام الأعلى كان داءما وأبدا تثبيت شرعية ملكية تنفيذية، مواجها في ذلك “ممارستين سياسيتين شرعيتين منافستين” لها، أو تدعيان لنفسيهما ذلك، شرعية التصور والفعل الإسلامي، المشارك بدون شرط، والمقاطع بشرط أو بدونه، من جهة أولى، ومن جهة اخرى شرعية التصور اليساري النقدي، ذو المسحات الديموقراطية الإجتماعية والتقدمية والإشتراكية، فضلا عن إحتمال تقاطع الممارستين في التكتيك السياسي، كتجربة حزب النهج الديمقراطي العمالي مع جماعة العدل والإحسان، غاية السلطة في كل ذلك، تدميرهما أو تهجينهما، في أحسن الأحوال، وتسييد حكم مطلق أو شبهه، إلى الأبد. !.

لنتدارك ان مؤدانا وغرضنا الإنتخابي-السياسي، على العكس من ذلك، يتطلب ملكية-برلمانية، كما هي متعارف عليها في الديموقراطيات الغربية، -رغم تنوعها، ورغم أزماتها-، في تناغم تام مع إقتصاد بازغ، حقا ونعم، بسمو مجتمعه وذويه، قبل أي تباه أرعن امام الأجنبي و”الجوار”، لكن على أن يكون أيضا إقتصادا ومجتمعا متكافءا متحديا ، بالمشاريع والخطط، “قانون النمو اللامتكافىء” المعروف في الأدبيات الإقتصادية، و العمل بسرعة واحدة دامجة ومندمجة للجميع، متعافى بقوة دولته النامية-المستقرة- العادلة وليس بسطوة دولة- مخزن تفوح بالتباهي، في ما هي تعج بالركود أو الجمود وتؤجل الحلول العملية والمسؤولة وتغذي الإنتظار القاتل والصمت الرهيب والخوف من الإنهيار التام…!

و في ما يتعلق بالمؤسسية،
كل المؤسسية بالذات، يمكن إقتراح تركيب مفهوما “الإصلاح” و”الجودة”، في آن، والقول، مثلا، تنازلا وفرضا، ب”تجويد المؤسسات/ المنظمات”، من أعلاها إلى أسفلها، الأساسية منها والضبطية-الحوكمية، الإقتصادية وغيرها، في ما تتطلب -صراحة أول ما تتطلبه- إعتماد “معيار العدالة” في التوزيع، كما يعتمده “الإقتصاد الإسلامي”، أو ما يسمي نفسه ذلك، لصعوبة التحديد الإبستمولوجي، موضوعا ومنهجا مميزان، و ما يتطلبه صراحة “فصل سلط” حقيقي، كما تتصوره العلوم السياسية الوضعية، مما يسمح جذريا بتحسين سير وعقلنة تلك المؤسسات/ المنظمات الوطنية.

١) وجوب إعتماد وإحترام مبدىء “جودة المؤسسات”، تأسيسا وتفريعا وتطويرا في بلادنا: في ما “جودة المؤسسات/ المنظمات” عند نورث دوكلاس(2005) تؤكد حدوس إبن خلدون في العالم العربي الإسلامي:

وللتدليل على ذلك، فلعلمنا ليس هناك من برنامج يساري يقبل باللعبة الديموقراطية في بلادنا لا يتكىء على “شرعية المؤسسات”، بالرغم من هيمنة القصر على روحها، بنية وأمل والعمل على تطويرها، من الداخل، خاصة بعد التصويت على الدساتير الأخيرة 1996/ 2011، بالإكراه أو بالبطولة أو بالمقاطعة، ما يترك مجالا وهامشا لدى اليسار للتأويل والإقتراح والمناورة و التفكيك والنقد والمشاكسة السياسية و”البرنامج التدبيري”، و كذا شرعية وهامش “النضال الديموقراطي” الجماهيري في الميادين، من أجل تشكيل وعي وفعل جماهيري بديل ضاغط، تدريجي وواسع على السلطة- أهل النهى والحل والعقد.

كما ان المؤسسية كمذهب ليست ببساطة شيءا آخر غير تحويل العمل من مجهود فردي، مهما عظم شأنه أو مركزه الرمزي، او المؤسسة التي تحتكره، أو لأفراد مقربة من مركز السلطة الأوحد إلى نظام سياسي/ سلطة قائمة الذات والصفات، تمشي باستقلال محدد ولو تغير الأفراد….ولا يمكن ان تجمع كل السلط، من قضاء وتشريع وتنفيذ، كما أن أركانها تجمل عادة في النظام والقوانين، والإستمرارية، والحوكمة والشفافية، ثم الثقافة المؤسسية، وهو ما يستشف من أهميتها وتخمتها الراهنة ومن تقعيدها الضروري الأصيل عند مؤسسها الأول، صاحب جاءزة نوبل للإقتصاد: كواز( 1992)، ثم عند نورث (1994)، -ضدا على المقاربات البنيوية والتاريخانية، الأرتودوكسية، ولو أنها، هذه الأخيرة، حاولت إستدخالها -لاحقا- ضمن إطار أكسيولوجي تابث!

ويمكن التعريف والتنويه خاصة بالإقتصاديين الأمريكان المغمورين، القدامى منهم والجدد، من امثال فيبلن تورشتاين في “التطورية”، و كومونس روتجيرس في “الفعل الجماعي” كفعل النقابات والتنسيقيات العمالية والجمعيات المهنية، في المؤسسات الإقتصادية، وكلير ميتشال في “الإقتصاد النقدي”، و إدوين أيريس في “دور التكنولوجيا في الدينامية الإقتصادية”، وموريس كلارك في “الإقتصاد الصناعي الامريكي”.. ( المدارس والأسس، التطورية، الشمولية والبراغماتية…) ( أنظر في هذا الباب كتاب تورشتاين كوراي، الإقتصاد المؤسسي، المؤسسون، دار إكونوميكا، 1995).

ثم، لعلمنا جميعا، كذلك، يكون إبن خلدون(1377) من سبق ورأى وحلل تاريخيا وإجتماعيا، وبأسلوب خاص، الوضع ماقبل راسمالي، وهو البناء المترابط المعقد من العلاقات المختلفة، مشاعية قبلية وإقطاعية وتجارية، أن ما يسهل التنمية في بلد ما هو “جودة المؤسسات”، ربما باسلوب اقل تنميقا، لكن بدقة سوسيولوجية علمية فارقة، ولا شيء غيرها، يقوم على نقض المفهوم التجريبي للتاريخ نقضا جذريا، وحيث الإخبار الواقعي الإجتماعي، بالضرورة، تفسير وتعليل، وبالتالي بحث علمي في السببية التاريخية لآلية الكل الإجتماعي الداخلي، الذي هو منطق وجوده وحركته ( انظر مهدي عامل، في علمية الفكر الخلدوني، 1986).

ونحن لما نستنجد بالتاريخ الإجتماعي العمراني الخلدوني، فإنما ليشهد نموذج من المؤرخين اللاحقين على القدامى/ الغير تجريبيين، بتاتا، حتى وإن كان في موضوعة الدين عموما، والإسلامي منه، على وجه الخصوص، على أن الأمر لا يتعلق بإزدراء الإسلام، قطعا، أو التنقيص من الإقتصاد الإسلامي، في حد ذاتهما، وإنما نقضهما نقضا علميا ماديا تاريخيا، حتى لا تنتصر الإيديولوجيا الحديثية ( نسبة إلى هيمنة الحديث على القرآن…،وليس التحديثية !) وتنتقل إلى هزيمة العقل العربي والفرس الإسلامي.

وقد أتى كتاب “سراق الله” لإدريس هاني دراسة فكرية سياسية وتاريخية قوية وعميقة في الإسلام السياسي ببلدنا، حيث قدم، درء للزيف والقصور والجهل المقدس، تأملات في نشأة وخطاب وأداء الإسلام السياسي بالمغرب، إذ تطرق لموضوع “السياسة الإجتماعية”، بالذات، بين المعارضة والأداء الحكومي، متناولا الإسلام السياسي البرلماني من التدبير التشريعي إلى الحكومي، منه، وكذا سلوك السياسيين وهيكلة وتدبير الحقل الديني في المغرب.

وفي موضوعة نقض النبوة، لا غير، حصر ونقل العفيف الأخضر (2014) نقاش الفكر العربي الإسلامي عموما من “محمد الإيمان إلى محمد التاريخ”، وهو عنوان كتابه، بالذات، حيث قدم وطرح اهمية القطيعة مع التفسير العامي، اي تفسير عامة المؤمنين، بمن فيهم قطاع من النخب التقليدية او ذات الذهنية التقليدية، للنبوة، لإدخال التفسير العلمي الطبي- النفسي، لها. ذلك ان مفهوم النبوة العامي، بما هو “صوت من الغيب”، حامل لحقاءق عابرة للتاريخ، أي صالحة لكل زمان ومكان لا يستطيع العقل البشري إلا التقيد بها وإلا ضاع وأضاع…!.

كما رصد جورج طرابيشي في كتابه (من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث، 2010) الآليات الداخلية لإقالة العقل في الإسلام، متمما عمله الموسوعي/ “نقد نقد العقل العربي”، نقضا لمشروع محمد عابد الجابري، متوسلا منهجيا في هذا مفهوم “النشأة المستأنفة” لدى إبن خلدون، بالذات، بمعنى الإستمرارية والقطيعة، في آن، مستنتجا خطر إنكفاء العقل العربي الإسلامي على نفسه، مما سد عليه إكتشاف مفهوم التطور وجدلية التقدم، وما تستتبعانه من تغير في الأحكام الوضعية ذات المصدر البشري لا الإلهي، وهذا ما أسسه أخيرا في ممانعة للحداثة تنذر في يومنا هذا بالتحول إلى ردة قروسطية جديدة.

“إن ثورة إبن خلدون الفكرية تكمن في انه حرر الفكر التاريخي من هيمنة الفكر الديني، بأن إكتشف في واقعات التاريخ عقلها المادي، فحل ضرورة العمران محل الله، او ما يشبهه، في تفسير الظاهرات جميعا، فاستبدل التأويل بالتفسير، فكان التفسير، بالضرورة ماديا، وكان علميا من حيث هو مادي، دون أن يعني هذا رفضا للدين، او الشرع، ومبادءه. فالشرع شيء، والتاريخ، او العمران، شيء آخر، وليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا. وإن دخل الشرع او الدين، في حقل العمران، او التاريخ، كما هو واقع الأمر في “المقدمة”/ كتاب إبن خلدون، فكأمر عمراني، او تاريخي، مادي، لا كأمر غيبي أو إلهي. وينظر فيه، حينءذ، بعين الشرع وأحكامه. فلمساءل الشرع منطقها، ولمساءل العمران والتاريخ منطقها. ولا يصح، في المعرفة، الخلط ببن المنطقين”.( مهدي عامل، في علمية، مرجع سابق….).

كما اننا حتى اليوم لازلنا نعيد ونكرر سؤال النهضة التاريخي والبنيوي الأبدي حول مدى نجاعة مؤسساتنا في المغرب: لماذا تقدم الغرب وتأخر العرب والمسلمون، أو جلهم، عدا إيران- الفرس، اليوم، رابع قوة إقتصادية تلوح في العالم المعاصر، رغم الحصار والحرب الضالمة عليها، وهي من بلدان البريكس الصاعدة، حقا، و كذا أندونيسيا، من بلدان النمور، وغيرهما، مثلا.؟!

وذلك بالرغم من كل إستثمارات بلدنا الضخم في البنية التحتية الرياضية، خاصة، وكل ذلك الشنآن الغير المبرر بين فرق عالم- تالثية، و كل “التخلف” المستشري الذي شاب نهاءي مباريات السينغال بكاس إفريقيا للأمم مع بلادنا، مثلا، بالرغم من كرم الضيافة الزاءد وكل ذلك الإستثمار الفارع في “القوة الناعمة”، من الأمن والأمان للزوار، ومدن الألعاب، لوطننا، إلخ.. !؟

ولعل موضوعة “جودة المؤسسات” هو ما سنجده، لاحقا في ما يؤكده نورث دوكلاس ( 2005) في ما خصصه في بحوثه المميزة عن العالم الإسلامي، ملاحظا ومحللا سوء وضعف نجاعة حكامة مؤسساته، المرتبطة عموما بمعضلات تطور الرأسمالية الطرفية، وما يمكن ان ننتهي عندنا ب”الرأسمالية التنفيذية” (مفهوم مخضرم، للإشارة إلى إقتصاد المخزن المزدوج للراسمالية التبعية والملكية التنفيذية/ تحالف اليسار) في بلدانه، بلدان الطرف العربي الإسلامي الرأسمالي.

و سنجد مع ميشال فوكو في مفهوم “الحكومية” gouvernementalité، بما هي فن الحكم وتقنياته، ما حدسه إبن خلدون حين تعرض لأشكال ممارسة السلطة و أثرها على النفوس، بالذات، وآليات السيطرة في البلدان العربية الإسلامية على الرعايا، ومنها في بلادنا، حيث إبتدع وإقترح مجتهدوا اليسار للنقاش الراهن مفهوم “الراسمالية التنفيذية”، في زواج مفترض بين الملكية التنفيذية والرأسمالية التبعية، وهو ما يعني توسيع مجال التحليل السياسي ليشمل كل شروط الوجود الإجتماعي الوطني، المرتبطة حتما بالتحول الكبير للرأسمالية، وبأزماتها المكرورة، كما يرى ذلك كارل بولانيي (مقدمة جديدة لطبعة 1944/1983).

٢) عدالة الإقتصاد الإسلامي ليست بالعدالة الإجتماعية للنمط الإنتاجي العادل.

كل ما حاولنا تشخيص تشكيلة ونمط الإقتصاد المغربي الراهن إلا ووقف لنا ثقل الماضي المخزني الماقبل- راسمالي ( أنظر أطروحة بنعلي إدريس، في الموضوع الاقتصادي) منه، والكولونيالي المتجانس معه والمستثمر له بالمرصاد، أذ لم يتم القطع النهاءي معهما، بزوجيهما، أو تم ذلك بالكاد، و عمق الإرث العربي الأمازيغي الإسلامي، وذلك كله تحت سيطرة نمط إنتاج راسمالي نيوليبرالي، لا علاقة له بقيم الليبرالية الكلاسيكية، مما شوه البنيات المتراكمة والمتداخلة في الداخل، وإنعكس -بالتمام والكمال- على “عقلانية” وسلوك الفاعلين الإقتصاديين- السياسيين ومجموع المواطنين/ات.

يبدو أن “الإقتصاد السياسي الإسلامي”، بالرغم من منازعته في موضوعه البحثي العلمي الصرف من طرف منظري الكولونيالية ( أنظر مهدي عامل في نمط الإنتاج الكولونيالي/ مقدمات نظرية 1986، وكذا في نقاشه مكانة ماركس في إستشراق أدوارد سعيد/1986 من خلال كتابه هل العقل للغرب والقلب للشرق؟، أنظر أيضا الاستشراق والإستشراق المعكوس لجلال العضم/ 1981).

ومن المعروف لدى الإقتصاديين العرب والمهتمين بمدرسة لاسيبال بأمريكا اللاتينية، حول التبعية الإقتصادية، أو لدى مايعرف بجماعة دراسات “التابع” الثقافية المابعد-إستعمارية بالهند، ثمانينات القرن الماضي، ومع إدوارد سعيد، بالذات، راءدها، تصحيحا ونقدا وتسفيها للمفاهيم الخاطأة التي روجت لها المركزية الأوروبية، خصوصا، و الإمبريالية عموما عن التأخر المزعوم لقيم البلدان والشعوب المستعمرة/ المحليين والمهمشين والمضطهدين والمعدومين ( أنظر طحطح خالد 2019…)، مما ساهم في إعادة الإعتبار لها، حتما، والإنتعاش للأدب المحلي الشفهي الشعبي…

إنه ما سمح للإقتصاد السياسي الإسلامي، أو في البلدان العربية الإسلامية التي ترزح تحت سيطرة الرأسمالية/ العولمة المترنحة بأزماتها المتتالية، أكثر من غيره، أن يضع “مبدىء العدالة” في عمق الصراع والعملية الإجتماعية، إذ سيأخذ مكانة المتغير الإستراتيجي فيها، وبالخصوص في ظروف الأزمة والفتن (نشير هنا إلى الأحداث المرتبطة بمجاعة سنة 638)، في تجاوز تام ومفروض وضروري وملزم للحدود الشرعية، كما رأينا تاريخيا مع الخليفة عمر بن الخطاب، حينها.

وهو ما يبدو على عكس ما تؤكده كل من الليبرالية والماركسية، تباعا، في إعتمادهما مفهوما الحرية والمساواة، في ما تأخذ هذه الأخيرة/ المساواة شكل “الإنصاف” وفي تطابق تام مع الأمر والنظام الطبيعي ordre naturel في النظام الإسلامي.

وإذا كان “معيار العدالة”، والإجتماعية منها، على وجه الخصوص، يعطي شرعية دينية وسياسية منزلة وفوقية للسلطة/ الحكم، فمن المبرر والطبيعي والعادي، أيضا، أن أي إهمال وأي إستخفاف أو تجاوز له يستدعي بالمقابل والضرورة رفض أي خضوع ملزم لسياسات الحاكم المستبد أو الفاسد، كما شهدت على ذلك أحداث الفتنة، كما حللها هشام جعيظ، مثلا، في كتابه “الفتنة الكبرى” ،La Grande discorde ، سنة 2008، وكما يمكن ان تدعو إليه أحدث الفتن العلنية منها والخفية التي تحفل بها ديسكوردات الشباب، اليوم.

لكن يبدو ان النقد الجذري والقوي لما سمي ب”الإقتصاد الإسلامي” هو الذي أتى من الجناح الماركسي العربي في الموضوع، طبعا، وليس من الإيديولوجيا الليبرالية، الملاسيكية، مع أدم سميث وريكاردو، مثلا، ولا مع النيوليبرالية، أصلا وبتاتا. فلما يطرح ذاك “الإقتصاد الإسلامي” موضوع مبدىء العدالة في صلب مشروعه، بتفضيله ربما على مبدءي المساواة والحرية، فإنه أولا يغلب مبدىء التوزيع ( الزكاة، الضريبة، الإحسان وفعل الخير والصدقة،.. ) على مبدىء الإنتاج المادي وقواه الإجتماعية، وما هو بهذا بإقتصاد فعلي، وفي أحسن الحالات هو الظاهر منه، و واحد من مستوياته الظاهرة circulation des biens et services, répartition des revenus, waqf, legs et dons، وفي غياب الإقتصادي، تغيب الراسمالية اصلا كنمط من الإنتاج.

فهكذا تفهم هيمنة السياسي- الأيديولوجي، أو العقيدي في الفكر الإسلامي على الإقتصادي نفسه، ولا يمكن للأمر ان يكون، في هذا الفكر/ الفكر الإسلامي، إلا كذلك، لكن مادية نمط الإنتاج أقوى من تغييبه، فضلا على أن الإسلام يتعدد بتعدد تأويلاته عند الإسلاميين، وما الإختلاف في التأويل إلا تعبير عن صراع إجتماعي طبقي، وحيث “التفقيه” يخدم مصلحة الطبقات المسيطرة، لما فكر البورجوازية/ “المتبرجزة” المشوه يتأسلم، متوسلا تصورا معينا ل”لإسلام الكنسي”، تجاوزا، والإسلام براء منه، في صراعه الأيديولوجي- السياسي.

وهذا ما طرحه مهدي عامل (1988) في مسوداته الأخيرة/ نقد الفكر اليومي ( صص: 153 إلى الآخر، ص285، الأعمال الكاملة بدار الفارابي، لبنان) حول “التيار البورجوازي المتأسلم”، وخاصة في “عدم وجود نمط معين من الإنتاج يمكن تمييزه بأنه نمط إنتاج إسلامي”.)، لاعتباره الفكر الماركسي، ربما وحده، يأخذ موقع المحور- الأساس في الصراع الإيديولوجي في البلدان العربية الإسلامية، اليوم.

ثم إن مفهوم نمط الإنتاج، كمفهوم ماركسي، لا وجود له في الفكر العربي الوسيط، وهو غاءب أيضا في فكر إبن خلدون، برغم مادية هذا الفكر. هذا ما حاول تبيانه نفس المفكر العضوي/ مهدي عامل في دراسته/ في علمية الفكر الخلدوني، مرجع سابق. والحقيقة، كما يرى هو نفسه، ان هذا المفهوم غريب حتى على متأسلمي الزمن الراهن، مرفوض من طرفهم، اصلا.

وأشار مهدي عامل نفسه في يومياته أعلاه إلى أنه قد يجوز الكلام عن تنظيم معين للمجتمع هو، من موقع نظر الإسلام المؤسسي، أو قل للدقة، إنه يظهر من هذا الموقع كأنه تنظيم إسلامي. لكن وجود مثل هذا التنظيم، حتى لو جاز القول بوجوده، لا يستتبع بتاتا وجود نمط إسلامي من الإنتاج. ذلك انه، حتى بالنسبة للقاءلين به، بل حتى في أشكاله المادية الفعلية، تنظيم للمجتمع، من خارج المجتمع وتاريخه، ومن خارج أنماط الإنتاج فيه.

هكذا يقترح عبثا نفسه: تنظيما صالحا في كل زمان ومكان، من حيث هو قاءم، في اساسه، على مبادىء غيبية هي مبادىء الفقه، إنه تنظيم سياسي إيديولوجي يسميه الإسلام المؤسسي تنظيما عقيديا، رفضا للمبدىء القاءل بان العامل الإقتصادي هو المحدد للبناء الإجتماعي، في ترابط نفسه بالعوامل الأخرى المكونة لهذا البناء، هو بالتحديد، محاولة ضبط للسيرورة الإجتماعية بحسب مصالح الطبقات المسيطرة، أي بحسب ضرورة تأمين التأبد لسيطرة هذه الطبقات، بتأمين التأبد لإعادة إنتاج علاقات الإنتاج القاءمة.

ويخلص مهدي عامل إلى إستحالة وجود نمط إسلامي في الإنتاج من حيث المبدىء، فلو كان موجودا، يقول، لكان الإسلام ماديا وليس غيبيا، وتاريخيا وليس أبديا. ثمة تنظيم إسلامي، هو تنظيم بحسب مبادىء غيبية، ومن خارج المجتمع وانماط إنتاجه،( ربما، يشير مهدي إلى هذا التنكر والشك..!.). تنظيم سياسي إيديولوجي يساوي محاولة ضبط للسيرورة الإجتماعية. وقد يكون مثل هذا التنظيم حافزا لتطور قوى إنتاج هذا النمط من الإنتاج، وقد يستحيل عاءقا لتطورها، بحسب الشروط التاريخية. والتنظيم الغيبي هذا هو على نموذج ونمط تنظيم الكون من قبل الله، من خارج.( نقد الفكر اليومي، ص. 287.)

ولعل بمقدور الحركات والانظمة الإسلامية العقدية-الثورية- الوطنية والإقليمية (حماس، الجهاد الإسلامي بفلسطين، الحوثي، إيران …)، ومغزى وأثر الصراع في الشرق الاوسط وآسيا على البلاد (درس طوفان الأقصى للسابع من أكتوبر 2023، وإنتفاضة شبان النيبال على الأغنياء والمسؤولين، و نكث وعد وحلف إسراءيل لقطر، فضربها لتصفية رؤوس حماس….) ووحدة خندق العمليات الميدانية والتكتيكية بينها جميعها وبين قوى اليسار المحدودة العدد، القوية الفكرة السياسية، المختلفة المشروع الإستراتيجي، كقوى مقاومة، أو غير الإسلامية الصاعدة، حقا ( الصين، الروس،.. ) من بلدان البريكس، ومن توحد اهداف الترك والباكستان والسعودية الإستراتيجي على قاعدة المصلحة المشتركة ورمزية “تعاقد مكة” الدينية الاخير، كل ذلك يتم إبان تهالك وسفور القوى الإمبريالية وحليفتها إسراءيل و فضح تواطىء وتردد ومسوخ حكام الخليج وغيرهم …

وكل ذلك يسمح بتنسيب المواقف السياسية والنضالية للمقاومة، وأن تغير من نظر الكثير من منظري وممارسي اليسار الجذري عندنا وفي العالم في جدوى المقاومة الراسخ، لدى تلك الحركات، لرفع ظلم الإستكبار الإمبريالي، وحلفاؤه المحليين، ومنهم، من أولئك المنظرين، ربما، الشيوعي اللبناني مهدي عامل نفسه، والذي خبر مناضلو حزبه بالعشرات عنف سوريا-الأسد و تصفيات حزب الله و عرف الإستشهاد والنحب في وعلى طريق قضيته النبيلة..!

ونحن لما نتوسل في التحليل الإقتصادي مفهوم”نمط الإنتاج” للإقتصاد السياسي النقدي (الرأسمالية، الإشتراكية، الإقطاع، الأسيوي، الإستبدادي المتنور، على نهج الصين وروسيا وإيران، وكذا الرأسمالي- التنفيذي-التبعي، عندنا…. )، ونروم في مشروعنا المجتمعي تحقيق “الإشتراكية المنفتحة” ( أنظر تشخيص المشروع المجتمعي المقترح لدى بعض قياديي الإشتراكي الموحد، في ما سبق)، “الديموقراطية الإجتماعية” ( أنظر توصيف اللقاء الثاني للتحالف للمشروع السياسي الإجتماعي/ بالبيضاء ل 22 غشت) كنمط إنتاج وتوزيع وحياة، الديموقراطية الإقتصادية، وغير الإقتصادية، بالمعنى الكوني،..

و نحن لما نعمد إلى محاولة تشخيص الواقع الإقتصادي الإجتماعي التاريخي الوطني بمصوغات علمية مادية تاريخية، كالتخلف والتأخر الإقتصادي العام (عدا بعض عناقيد قطاعات إقتصادية مرهونة التطور المشوه والمرتبط بالاسواق والراسمال الاجنبي)، وضعف الإلتقاءية والحكامة وإستشراء الريع…، أو وضع ما “تحت-التصنيع” أو “نصفه ( بكسر النون)” و”ما تحت الزجاج”، إستحكام المناولة والتبعية للمركز الراسمالي الإمبريالي، و مقولة “صنع في المغرب” المتهافتة، في محاولاتنا تفكيك نمط الإنتاج المسيطر في بلادنا وتحليل التشكيلة الإقتصادية والإجتماعية فيها، فذلك اساسا لتقويض الفساد والمفسدين وإقتصاد الريع والغير المنتج، توسيعا لمفهوم نمط الإنتاج ألى كل ملامح التشكيلة الإجتماعية المغربية، في تميزها الثقافي- الرمزي والسياسي، فذلك أخيرا وليس آخرا، من اجل المعرفة النافعة والمنتجة نظريا وتطبيقيا performative، ولتمكين المتروي و المتمكن منها والمتمسك السياسي بها من ان يحولها إلى “قوة مادية” تاريخية للتغيير الديموقراطي، من جهة، ولكي نواجه ايضا بكل ثقة نفس خصومنا السياسيين، اساسا، في السلطة القاءمة ولكسب التباري الحزبي المؤسساتي، كذلك، ومن جهة أخرى.

إننا ننقض كل تلك التصورات الفكرية والسياسية المتأسلمة (للليبرالية والنيوليبرالية الطرفية المسيطرة فيها، والمتأسلمة، المتمثلة في “أحزاب- كيانات” مخلوقة لخدمة مصالح الراسمال الكبير، المحلي الهجين والدولي ( البام، الدستوري، الاحرار،….)، بشكل مباشر أو غيره، تلك الأدوات- العملة الواحدة ذات الوجهين/ الرأسين، صاحبة النفحة الإسلاموية المشتركة. إنها الوترة الحساسة التي تدأب عليها برامج حركات سياسية مغربية أو دولية دخيلة، بعينها ( الإخوان المسلمين، العدل والإحسان، العدالة والتنمية،.. )، وهي تجرب “الواحدة في الأخرى مدى جدوى ومحلول رفضها الاندماج والإنخراط في لعبة المؤسسات الفعلية من رفضها وعدمها.

كما أنها الموحدة ( بنصب الحاء) فعليا في شنءاناتها البينية المفتعلة، عقديا وإنتخابيا وسياسيا (أنظر ستلوك الجماعة من منعطف 20 فبراير، وكذا الموقف الرسمي للعدالة والتنمية…، انظر رسالة الشيخ العبادي المكرورة ورد بنكيران عليه، اليوم..)، في موضوعة المشاركة أو المقاطعة، اساسا.
إنها اللعبة/ الادلوجة الماكرة لإستدامة بقائها في النسق السياسي القاءم، وفي الكراسي الوثيرة، من جهة و في افق الحفاظ على التوازن العام للسلطة- الحكم- النظام، إلخ، من جهة أخرى.

وإذا كان النظام الديموقراطي أو “الشوري”، مع الفارق الإبستيمي والتاريخي العلمي الأكيد، يصون ويعزز كل مبادىء الحوكمة السياسية الناجحة، من عدالة ومساواة وحرية للجميع، فلا يمكن أن نفهم إحتكار كل السلط من طرف مؤسسة مركزية بعينها، لا تسمح بتوفير شروط التباري الحقيقي-المسؤول أمام الناخبين- الصرف- بين الطبقات والنخب و ضمن النسق السياسي- الحزبي القاءم العام، من أجل التأطير و التأثير الفعلي في الوعي الجمعي للمغاربة/وعلى سياسات المؤسسات الأساسية الأخرى، من تشريع وقضاء.

الملاحظ إختزال دور الحكومات داءما وأبدا في تطبيق السياسات الكبرى الموكولة لها والمرسومة سلفا، لا غير، وقد ينتسب إليها، لتلك الحكومات، القصور عمدا في الأداء والتنفيذ، أيضا، وأن لا يتم التنويه والتركيز في الخطاب الرسمي إلا على نجاعة الإختيارات الإستراتيجية الكبرى، العابرة بالقوة والنعومة لكل الحكومات/ “المحكومة” الشكلية المتعاقبة والمحدودة الفعل- على طول المايقرب -الآن- تلاثة عقود !؟ ولعل ذلك ما يطرح موضوعة اللاءكية والمسالة الدينية ( إمارة المؤمنين، حرية المعتقد، العلمانية، إصلاح الدستور والمؤسسات…) من جديد على طاولة الفعل والفكر السياسيين في بلادنا!؟

ذ. عبدالواحد حمزة، سوسيوإقتصادي، عضو المجلس الوطني للإشتراكي الموحد، تحالف اليسار.
—-‐————————————

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى