اخبار دولية

مدريد ترفع السقف في مواجهة الرباط.. ألباريس: الحديث عن سبتة ومليلية يضر بالعلاقات ولن نناقش سيادتهما مع المغرب

دخل الجدل المغربي الإسباني حول سبتة ومليلية مرحلة أكثر حساسية، بعدما صعّد وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس لهجته تجاه الرباط، معتبراً أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزراء مغاربة بشأن المدينتين «تضر بالعلاقة الثنائية»، ومعلناً رفض مدريد القاطع إدراج وضعهما ضمن أي مفاوضات مع المغرب.

الحنبلي عزيز -تنوير

وجاء موقف ألباريس، الثلاثاء 8 شتنبر 2026، خلال مقابلة مع برنامج «La Hora de La 1» على التلفزيون الإسباني الرسمي، حيث وصف التصريحات الصادرة عن مسؤولين مغاربة بشأن سبتة ومليلية بأنها «غير مقبولة إطلاقاً»، مؤكداً أن احتجاج مدريد عليها كان وراء الاستدعاء الرسمي للسفيرة المغربية لدى إسبانيا، كريمة بنيعيش.

«لن نتحدث أبداً مع المغرب بشأنهما»

ورفع رئيس الدبلوماسية الإسبانية سقف خطابه عندما أكد أن موقف حكومته من المدينتين غير قابل للنقاش، قائلاً إن مدريد لم تدخل، ولا تعتزم الدخول مستقبلاً، في مفاوضات مع المغرب بشأن ما تعتبره جزءاً من «سلامة أراضيها».

وقال ألباريس إن «سبتة ومليلية هما إسبانيا»، مشدداً على أن حكومته لا تقبل أي تشكيك في السيادة الإسبانية عليهما. وهو موقف كان قد كرره أمام البرلمان الإسباني أواخر غشت، حين أكد أنه لم تكن هناك ولن تكون هناك محادثات مع الرباط بشأن سيادة المدينتين.

ويأتي هذا التصعيد على خلفية تصريحات نُسبت إلى وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق، أعادت ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش السياسي والدبلوماسي بين البلدين.

وتعتبر الرباط المدينتين جزءاً من الملفات التاريخية المرتبطة باستكمال الوحدة الترابية، فيما تتمسك مدريد بسيادتها عليهما وتعتبرهما مدينتين إسبانيتين وأوروبيتين، وهو الخلاف الذي ظل قائماً لعقود رغم مستويات التعاون المتقدمة بين البلدين في مجالات الهجرة والأمن والاقتصاد.

ألباريس يربط التصريحات بالانتخابات المغربية.. لكنه يرفض التبرير

وحاول الوزير الإسباني وضع التصريحات المغربية ضمن سياق الحملة الانتخابية السابقة للانتخابات التشريعية المغربية المقررة يوم 23 شتنبر 2026، قائلاً إن بعض الوزراء قد يتحدثون في هذه المرحلة باعتبارهم ممثلين لقوى سياسية وليس فقط بصفتهم الحكومية.

لكن ألباريس سارع إلى رفض اعتماد هذا السياق مبرراً للتصريحات.

وأكد أنه لا ينوي «التسامح مع أي شك» بشأن ما تعتبره إسبانيا سلامتها الترابية، مشدداً على أن موقف مدريد سيظل ثابتاً بصرف النظر عن السياق السياسي أو الانتخابي الذي صدرت فيه المواقف المغربية.

من مدريد إلى بروكسل.. تحرك أوروبي بشأن سبتة ومليلية

ولا يبدو أن الرد الإسباني سيقف عند حدود القنوات الدبلوماسية الثنائية.

فقد انتقل ألباريس، الثلاثاء، إلى بروكسل لعقد لقاءات مع مسؤولين أوروبيين، بينهم عدد من المفوضين والممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، في مسعى إلى تعزيز ارتباط سبتة ومليلية بمؤسسات وسياسات الاتحاد الأوروبي.

وتريد مدريد، وفق ما أعلنته وزارة الخارجية الإسبانية، تعزيز موقع المدينتين داخل مختلف آليات الاتحاد الأوروبي، بالتوازي مع بحث إجراءات تتعلق بالحدود والنشاط الاقتصادي وإمكان إدماجهما بشكل أكبر في المنظومة الجمركية الأوروبية.

وأقر ألباريس بصعوبة إدراج سبتة ومليلية ضمن تصنيف «الأقاليم فائقة الأطراف» المعتمد أوروبياً، لكنه أشار إلى أن مدريد ستبحث، إذا تعذر ذلك، عن صيغة أخرى تمنحهما وضعاً يتلاءم مع خصوصيتهما.

أزمة الهجرة تعيد الملف الحساس إلى الواجهة

ويأتي هذا التصعيد الدبلوماسي بعد أسابيع قليلة من أزمة الهجرة غير النظامية التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026، عندما دخل عشرات الآلاف من الأشخاص إلى المدينة، في أزمة وضعت العلاقات المغربية الإسبانية مجدداً تحت المجهر.

ورغم حدة النقاش الذي أعقب الأزمة، كان ألباريس قد أشاد في وقت سابق بتعاون المغرب في إعادة المهاجرين ومنع استمرار التدفقات، ووصف التعاون مع الرباط في هذا المجال بأنه أساسي، ما يعكس الطبيعة المركبة للعلاقات بين البلدين: تعاون وثيق في ملفات استراتيجية، مقابل استمرار الخلاف حول أكثر القضايا السيادية حساسية.

سبتة ومليلية.. الخلاف القديم يعود بقوة

وهكذا يجد ملف سبتة ومليلية نفسه مجدداً في قلب العلاقات بين الرباط ومدريد.

ففي الوقت الذي تستبعد فيه إسبانيا بصورة قاطعة فتح أي نقاش بشأن سيادتها على المدينتين، يظل الملف حاضراً في الخطاب السياسي المغربي وفي النقاش المرتبط بالإرث التاريخي والاستعماري للمنطقة.

لكن الجديد هذه المرة هو حدة الرد الإسباني وسرعة نقله إلى المستوى الأوروبي، في لحظة سياسية دقيقة تتزامن مع الانتخابات المغربية وتداعيات أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة.

وبين خطاب مدريد المتشدد واستمرار حضور الملف في المغرب، يطرح التصعيد الحالي سؤالاً أساسياً:

هل يتعلق الأمر بسجال ظرفي تفرضه المرحلة الانتخابية، أم أن ملف سبتة ومليلية بصدد التحول مجدداً إلى نقطة توتر حقيقية في العلاقة بين الرباط ومدريد؟

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى