الحنبلي عزيز -تنوير
تدخل الدائرة الانتخابية لبرشيد الانتخابات التشريعية المقررة يوم 23 شتنبر 2026 على وقع منافسة غير مسبوقة من حيث عدد الترشيحات، بعدما بلغ عدد اللوائح المتنافسة 21 لائحة على أربعة مقاعد فقط بمجلس النواب، مقابل 17 لائحة تنافست على العدد نفسه من المقاعد خلال اقتراع 8 شتنبر 2021.
وبلغة الأرقام، تكون دائرة برشيد قد سجلت زيادة بأربع لوائح مقارنة بانتخابات 2021، أي بارتفاع يقارب 23.5 في المائة في عدد اللوائح، من دون أي زيادة في عدد المقاعد المخصصة للدائرة. وهكذا انتقلت المعادلة، حسابياً، من 4.25 لوائح مقابل كل مقعد في 2021 إلى 5.25 لوائح مقابل كل مقعد في 2026.
لكن قراءة المشهد الانتخابي انطلاقاً من عدد اللوائح وحده قد تكون مضللة، لأن تجربة 2021 أظهرت أن كثرة المتنافسين لم تمنع تمركز الكتلة الأساسية من الأصوات لدى أربعة أحزاب رئيسية.
فخلال تشريعيات 2021، تنافس 17 حزباً على المقاعد الأربعة لبرشيد، وبلغ مجموع الأصوات الصحيحة 131 ألفاً و715 صوتاً. وتصدر حزب الاستقلال النتائج بواسطة طارق القاديري بـ43 ألفاً و698 صوتاً، أي حوالي 33 في المائة، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار بقيادة صابر الكياف بـ39 ألفاً و45 صوتاً، ثم الأصالة والمعاصرة بنور الدين البيضي بـ20 ألفاً و180 صوتاً، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بمحمد بوعمري بـ14 ألفاً و611 صوتاً.
وبجمع نتائج اللوائح الأربع الفائزة، يتبين أنها استحوذت على حوالي 89.2 في المائة من مجموع الأصوات الصحيحة، بينما اقتسمت اللوائح الـ13 الأخرى ما تبقى من الأصوات.
وهذه المعطيات تقدم مفتاحاً مهماً لفهم انتخابات 2026: الازدحام في عدد اللوائح لا يعني بالضرورة تشتتاً مماثلاً في موازين القوة الانتخابية.
2021.. أربعة أقطاب سيطرت على المعركة
أظهرت انتخابات 2021 وجود فارق كبير بين اللوائح الأربع التي تمكنت من دخول البرلمان وباقي المتنافسين. فقد احتل حزب العدالة والتنمية، الذي جاء مباشرة بعد أصحاب المقاعد، موقعاً بعيداً بنتيجة بلغت 4953 صوتاً فقط، مقابل 14 ألفاً و611 صوتاً للائحة الاتحاد الاشتراكي التي حسمت المقعد الرابع.
هذا الفارق يكشف أن معركة 2021 لم تكن فعلياً موزعة بالتساوي بين 17 لائحة، بل تركزت أساساً بين عدد محدود من القوى التي تمتلك حضوراً تنظيمياً وانتخابياً وشبكات محلية قادرة على إنتاج كتلة معتبرة من الأصوات.
أما في 2026، فإن السؤال المركزي لن يكون فقط: من يتصدر النتائج؟ بل أيضاً: هل ستبقى الأصوات مركزة لدى عدد محدود من اللوائح كما حدث سنة 2021، أم أن دخول منافسين جدد وتغير التحالفات والوجوه الانتخابية سيؤدي إلى إعادة توزيع حقيقية للأصوات؟
21 لائحة.. ازدحام قد يخفي معركة أخرى
تضم خريطة الترشيحات الحالية ببرشيد أسماء راكمت تجربة سياسية وانتخابية، إلى جانب وجوه جديدة وشابة وحضور نسائي ضمن عدد من اللوائح.
لذلك قد تكون المنافسة الحقيقية أكثر تعقيداً مما يوحي به الرقم “21”.
ففي الانتخابات المحلية والتشريعية، لا يعتمد الحسم فقط على قوة الرمز الحزبي وطنياً، وإنما أيضاً على قدرة وكيل اللائحة على تعبئة شبكته المحلية، والوصول إلى الناخبين في مختلف مناطق الإقليم، والحفاظ على معاقله التقليدية، وفي الوقت نفسه اختراق مناطق نفوذ المنافسين.
وهنا تبدو برشيد دائرة خاصة، لأن التوازنات الانتخابية تختلف من جماعة إلى أخرى ومن منطقة إلى أخرى، وهو ما يجعل امتلاك قاعدة انتخابية مركزة في منطقة واحدة غير كافٍ بالضرورة لضمان مقعد برلماني.
هل تتفتت أصوات 2026؟
ارتفاع عدد اللوائح من 17 إلى 21 يمكن أن يؤدي إلى مزيد من توزيع الأصوات، خصوصاً إذا تمكنت بعض اللوائح الجديدة من استقطاب ناخبين كانوا يصوتون تقليدياً للأحزاب الكبرى.
وفي هذه الحالة، قد تصبح الفوارق بين المتنافسين أقل اتساعاً من تلك التي سجلت سنة 2021، لتتحول مئات أو بضعة آلاف من الأصوات إلى عامل حاسم في ترتيب اللوائح، خصوصاً عند المنافسة على المقعد الرابع.
لكن السيناريو المعاكس يبقى وارداً أيضاً: أن تتوزع أصوات محدودة على عدد كبير من اللوائح الصغيرة، بينما تحافظ بضعة أحزاب على الجزء الأكبر من الكتلة الانتخابية، وهو السيناريو الذي سيكون أقرب إلى ما وقع سنة 2021.
وعليه، فإن الرقم الأهم مساء 23 شتنبر لن يكون فقط عدد اللوائح المشاركة، وإنما نسبة الأصوات التي ستنجح اللوائح الكبرى في الاحتفاظ بها مقارنة بانتخابات 2021.
أربعة مقاعد و21 طموحاً
من الناحية السياسية، ترفع كثرة اللوائح من حدة المنافسة على الموارد البشرية والتنظيمية والانتخابية. فكل لائحة مطالبة بخوض حملة ميدانية خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 22 شتنبر، قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026.
وستشكل الحملة اختباراً لقدرة المرشحين على تحويل الحضور السياسي أو الاجتماعي إلى أصوات فعلية، وليس فقط إلى تجمعات وصور وانتشار على شبكات التواصل الاجتماعي.
فالانتخابات السابقة أثبتت أن المقعد البرلماني في برشيد يحتاج إلى كتلة انتخابية حقيقية، وأن الفارق بين الحضور الرمزي والقدرة على الوصول إلى صندوق الاقتراع قد يكون كبيراً.
وبين 17 لائحة في 2021 و21 لائحة في 2026، ارتفع عدد الطامحين، لكن المقاعد بقيت أربعة.
لذلك تبدو المعركة المقبلة أكثر ازدحاماً، لكن السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه صناديق الاقتراع هو ما إذا كان هذا الازدحام سيؤدي إلى إعادة توزيع المقاعد وتغيير موازين القوى، أم أن اللوائح ذات الامتداد المحلي القوي ستنجح مرة أخرى في تركيز الجزء الأكبر من الأصوات.
في 2021، استحوذت اللوائح الأربع الفائزة على قرابة تسعة أصوات من كل عشرة أصوات صحيحة. أما في 2026، فستكون هذه النسبة أحد أهم المؤشرات لفهم ما إذا كانت برشيد قد دخلت فعلاً مرحلة انتخابية جديدة، أم أن 21 لائحة ليست سوى ازدحام أكبر حول أربعة مقاعد ما تزال تحكمها موازين القوة المحلية.