افتتاحية
انتخابات 23 شتنبر.. بين محاسبة الحكومة وصعود خطاب اليسار: من يملك مشروع التغيير الحقيقي؟ الحنبلي عزيز

لم تعد الحملة الانتخابية لاقتراع 23 شتنبر 2026 مجرد تنافس تقليدي بين الشعارات والألوان الحزبية. مع بداية الأيام الأولى، يبدو أن السؤال الجوهري الذي يواجه الناخب المغربي أصبح أكثر وضوحًا وأشد قسوة في الوقت ذاته: ما الذي تحقق فعلاً خلال السنوات الخمس الماضية، ومن يتحمل المسؤولية عن ما لم يتم إنجازه؟
أصبحت القضايا المتعلقة بالقدرة الشرائية، والرعاية الصحية، والتعليم، وفرص العمل، وإدارة المال العام، ليست مجرد عناوين تقنية في البرامج الانتخابية، بل أصبحت المعايير التي سيتم من خلالها تقييم مصداقية جميع الخطابات.
اليسار يدخل المعركة بخطاب «الكرامة أولاً»
يدخل اليسار المعركة بتوجه “الكرامة أولاً”. وفي خضم الاستقطاب الحاد بين أحزاب الأغلبية وأخصامها التقليديين، يسعى تحالف اليسار، الذي يضم الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، إلى تقديم نفسه كخيار سياسي يرغب في نقل النقاش من مجرد تغيير الوجوه إلى تعديل قواعد صنع القرار وتوزيع الثروة. يخوض هذا التحالف انتخابات 2026 تحت شعار “الكرامة أولاً.. من أجل مغرب ديمقراطي، منتج وعادل”، حيث يضع العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفساد، وتعزيز التعليم والصحة العموميتين، وبناء اقتصاد منتج في صميم أولوياته. وقد عبرت نبيلة منيب عن جزء من هذه الرؤية بقولها إن “الإصلاح الاقتصادي الأول هو إصلاح سياسي”، مشددة على أن فصل السلطات وربط المسؤولية بالمحاسبة ومحاربة الفساد هي شروط أساسية لأي انطلاقة اقتصادية حقيقية.
ويؤكد جمال العسري، الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، أن توحيد اليسار جاء لمواجهة التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحقوق الإنسان، وللتصدي لتفاقم الفوارق الطبقية والمجالية. من جهته، يشدد عبد السلام العزيز، الأمين العام لفيدرالية اليسار الديمقراطي، على أن هذا التحالف ليس مجرد اتفاق انتخابي مؤقت، بل هو مشروع سياسي وحدوي يهدف إلى الاستمرار بعد الانتخابات. وبالتالي، يسعى اليسار لجعل انتخابات 23 شتنبر معركة حول توزيع الثروة والسلطة، ومحاربة اقتصاد الريع وتضارب المصالح، واستعادة دور الدولة في حماية الخدمات العمومية، مما يجعله بديلاً عن الصراع التقليدي بين الأحزاب التي تدير المرحلة.
من الوعود إلى الحساب
على صعيد آخر، جاءت بعض النقاشات الأكثر حدة من عبد الإله بنكيران، الأمين العام لحزب العدالة والتنمية، الذي زاد من حدّة انتقاداته لعزيز أخنوش، مسترجعًا ملفات المحروقات وصفقة تحلية مياه البحر في الدار البيضاء، مطالبًا بالمحاسبة ومثيرًا الشبهات بشأن تضارب المصالح والإثراء على حساب المواطنين. كما أعاد بنكيران خلال الحملة طرح الرقم 17 مليار درهم المرتبط بجدل أرباح قطاع المحروقات. وتبقى هذه الاتهامات آراء سياسية من بنكيران وليست أحكامًا قضائية مثبتة.
المثير للاهتمام أن النقاش حول حصيلة الحكومة لم يعد قاصرًا على المعارضة. فقد قال فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية وعضو حزب الأصالة والمعاصرة، إن حوالي 280 مليار درهم وُجهت لدعم القدرة الشرائية خلال الولاية، متسائلاً عن النتائج التي تحققت مقابل هذا الإنفاق. وهذا التصريح فتح بدوره بابًا سياسيًا واسعًا حول كفاءة الإنفاق: ليس الأمر مجرد مقدار ما أنفقته الدولة، بل ما التغيير الذي طرأ على حياة المواطن مقابل ما تم إنفاقه.
من جانبها، تدافع الحكومة عن حصيلتها بأرقام أخرى، مشيرة إلى أن الدعم الاجتماعي المباشر وصل إلى نحو أربعة ملايين أسرة، وأن إصلاحات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية أدت إلى تغييرات هيكلية. كما يقدم التجمع الوطني للأحرار برنامجه الجديد الذي يرتكز على حماية القدرة الشرائية وزيادة الحد الأدنى للأجر إلى خمسة آلاف درهم وتحسين الخدمات العمومية. لذلك، فإنه من الضروري أن تكون الحملة مقارنة عادلة بين ما تقوله المعارضة وما تقدمه الحكومة من حصيلة، وما يشعر به المواطن فعليًا في حياته اليومية.
أوزين يضع الحصيلة الاجتماعية في قلب الاقتراع
من برشيد، اختار محمد أوزين، الأمين العام للحركة الشعبية، استخدام لغة مشابهة: المحاسبة عبر الصندوق. دعا الناخبين إلى تقييم خمس سنوات من التسيير، وطرح أسئلة مباشرة حول الصحة والتعليم والقدرة الشرائية، مشددًا على أن التصويت ينبغي أن يكون مرتبطًا بما تحقق على الأرض وليس بما يُقال من على المنصات.
هنا تكمن إحدى الرسائل الأساسية لهذه الانتخابات: قد تختلف الأحزاب في الأفكار والتحالفات، لكن معظمها أدرك أن المواطن لا يرغب في سماع خطابٍ بعيد عن الواقع حول “الإنجاز التاريخي” أو “الفشل المطلق”. يريد المواطن إجابات حول أسعار اللحوم والخضروات والمحروقات، ومواعيده في المستشفى، ومستوى تعليم أبنائه، وفرص العمل التي ينتظرها الشباب.
عندما ينتقل الصراع من البرامج إلى الشارع
يصبح من الضروري أن تكون المحاسبة الديمقراطية ذات مغزى، وهذا يتطلب وجود منافسة آمنة وعادلة. بدأت الحملة في أجواء مقلقة، حيث اعتقلت الشرطة في برشيد شخصين للاشتباه في صلتهما بهجوم بأسلحة بيضاء على مقر الحركة الشعبية، بينما تم فتح تحقيق في حادثة تخريب مقر الأصالة والمعاصرة في سطات. كما أفادت تقارير محلية بوجود توترات واعتداءات أخرى في الداخلة وبويزكارن.
إن الأخطر ما يمكن أن يحدث في انتخابات 2026 ليس فوز حزب على آخر، بل فقدان المواطن ثقته في قدرة صوته على إحداث الفارق. لذا فإن أي اعتداء على مقر حزبي، أو تهديد مرشح، أو شراء الأصوات، أو استغلال النفوذ، أو نشر معلومات خاطئة والتشهير الرقمي، يمثل اعتداءً على حق المواطن في الاختيار بحرية. وقد أُدخلت تعديلات على النظام الانتخابي الجديد تضمنت تشديد العقوبات المتعلقة بالدعاوى الانتخابية وتجريم بعض أشكال الأخبار الزائفة والتلاعب الرقمي.
النساء: حضور في الأرقام… وغياب عن القيادة
أما بالنسبة للنساء، فتظهر الإحصائيات الرسمية مفارقة تستحق النقاش في سياق الانتخابات. من بين 1615 لائحة محلية، لا تتصدر النساء سوى 121 لائحة، ما يمثل نحو 7.5 في المائة فقط. ورغم أن عدد الترشيحات النسائية بلغ 2658، وأن الدوائر الجهوية المخصصة للنساء تحتوي على 1783 مترشحة، يبقى الفرق واضحاً بين وجود النساء في اللوائح وبين تبوؤهن لمناصب قيادية والمنافسة الفعلية. وقد زادت تحذيرات الجمعيات المدنية بشأن التشهير والضغط والابتزاز والعنف الرقمي ضد بعض المرشحات من أهمية هذا الملف. فالمناصفة لا تتحقق بمجرد وجود صور نسائية على الملصقات، بل تتطلب قدرة المرأة على المنافسة على قدم المساواة والوصول إلى مواقع القرار دون أي وصاية أو تهديد.
مونديال 2030… كرة القدم تدخل الحملة
وفي خضم كل ذلك، دخلت كرة القدم بقوة في صلب الحملة. بعد تصريحات فوزي لقجع حول استضافة ملعب الحسن الثاني في بنسليمان لنهائي مونديال 2030، انتقد عزيز أخنوش تقديم وعود لمشاريع وطنية كبرى قبل التوصل إلى نتائج حاسمة، بينما دافع عبد اللطيف وهبي من أكادير عن الرياضيين، مشيداً بما حققوه للمغرب مقارنة بالسياسيين. ومع ذلك، تبقى الحقيقة الرسمية واضحة: لم تحسم الفيفا بعد ملعب المباراة النهائية لمونديال 2030، والمنافسة قائمة، خصوصاً بين المغرب وإسبانيا.
من حق المغاربة أن يحلموا بنهائي عالمي على أراضيهم وأن يفتخروا بما حققته الرياضة الوطنية. ولكن من الخطأ أن يصبح المونديال ستاراً يحجب الأسئلة الأكثر إلحاحاً، فالمواطن لا يعيش فقط سنة 2030، بل أيضاً يدفع فواتير عام 2026.
الجنوب والتنمية: الانتخابات ليست مجرد سجالات
في حين أن بعض الأحزاب تفضل استخدام لغة الاتهامات، تسعى أحزاب أخرى إلى توجيه الحوار نحو المشاريع المستقبلية. في المناطق الجنوبية، يولي حزب الاستقلال، برئاسة نزار بركة، اهتمامًا خاصًا لمشاريع مثل ميناء الداخلة الأطلسي، والطريق السريع تيزنيت–الداخلة، بالإضافة إلى تحلية المياه والطاقات المتجددة، مع التركيز على ربط التنمية المحلية بالاستراتيجية الكبرى للأقاليم الجنوبية ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
هذا النقاش يعد ذا أهمية كبيرة، إذ لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى مجرد بحث عن المذنبين. الديمقراطية تتطلب أيضًا طرح السؤال المعاكس: من لديه المشروع الأكثر وضوحًا وقابلية للتمويل والتنفيذ خلال السنوات الخمس المقبلة؟
الصندوق ليس شيكًا على بياض
تتنافس في انتخابات هذا العام 1850 لائحة تضم 7288 ترشيحًا. الرقم يعكس تنوعًا سياسيًا واسعًا، لكنه لا يضمن بالضرورة جودة الخيارات المتاحة. فعلى الرغم من كثرة المرشحين، قد لا يعني ذلك وجود بدائل حقيقية.
لذا، يجب أن لا تكون انتخابات 23 شتنبر مجرد استفتاء على من يمتلك الصوت الأعلى في المهرجانات، أو على من لديه أكبر عدد من الملصقات، أو من ينفق أكثر من غيره.
يجب أن يتحول الصندوق إلى محكمة ديمقراطية للتقييم: من حقق إنجازات يُكافأ، ومن أخفق يُحاسب، ومن يوجه اتهامًا عليه تقديم الأدلة، ومن يعد المغاربة بشيء يجب أن يوضح لهم كيف سينفذ ذلك ومتى.
بين بنكيران وأخنوش، وبين الأحرار والبام والحركة والاستقلال وبقية الأحزاب، قد تختلف الروايات إلى حد التناقض. ومع ذلك، لا ينبغي أن تغيب الحقيقة وسط ضجيج الحملة، وهي أن الناخب ليس مجرد رقم تسعى الأحزاب للحصول عليه يوم الاقتراع، بل هو صاحب القرار الذي تُصرف باسمه الميزانيات وتُصاغ باسمه السياسات.
وفي 23 شتنبر، لن يكون السؤال الأهم: من قدم أقوى خطاب؟ بل: من يستحق أن نمنحه خمس سنوات أخرى من الثقة؟
*الحنبلي عزيز -مدير نشر تنوير و باحث في العلوم السياسية




