وجهة نظر

درس كوفيد 19 في نصرة نموذج إحلال الواردات والتصدير المتكافئ.(الحلقة العاشرة والأخيرة ) -ذ. عبدالواحد حمزة.

 لقد سمحت أزمة كوفيد 19 لقادة الدول وللخبراء وللإقتصاديين من أخذ درس حيوي عملي بحثهم على إعادة النظر في نماذج النمو الإقتصادي التي اصبحت حينئذ متداولة وبديهية لدى العموم، ذلك أن هنادقةالإقتصادالنيوليبراليالعولمي المسيطر ووكلاءه المحليين حاولوا ، بكل الوسائل الإيديولوجية و”العلمية” والعملية، ان يسفهوا معضلات الإقتصاد السياسي للتنمية. وهو ما نجحوا فيه فجر إستقلال بلدنا -قبلا- مع إستفراغ مشروع عبدالله إبراهيم من محتواه التقدمي وإدراج حكومته جانبا، تماما كما تم استفراغ مشروع عبد الرحمان اليوسفي/ الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، نهاية التسعينات، بعد انتظار لليسار دام ما يقرب الأربعين سنة من تولي حكومة عبد الله إبراهيم الاقتسام القصير والملتبسللحكم مع القصر.

 لقد استفرغ من تطلعه  من نية المرور لكسب “ثقة النظام” بداية على سير العهدة الأولى، إلى العهدة الثانية، “عهدة الإنجازات ” الممكنة، حيث لم يكسب نهائيا الثقة الكاملة للحكم، ولا المرور إلى عهدة ثانية بالمرة، إذ وضع على الجانب وأقيل. هكذا ظلت تلك المشاريع معلقة في معظمها وجلها إلى حين. وذلك بالرغم من أن حزبه حقق الأغلبية البرلمانية التي  قد تخول له رئاسة الحكومة، لا الحكم.

لقد تم ذلك بدون ضمانات ملكية وفي غياب إصلاح دستوري سياسي  للنظام. علما أن الدستور المغربي/ 1996 كان يعطي لرئيس البلاد الحق في ترئيس من يراه ملائما لتنفيذ مشروع الدولة التنموي الاستراتيجي، حتى  ولو كان تكنوقراطيا، كما حددته هي وتراه،لا كما يراه حزب القوات الشعبية ومن معه، ومن يكون في أغلبيته الحكومية قد وضع  للتأثير بالسلب على سير تلك الحكومة، كالأستاذ عباس الفاسي (انظر مذكرات الاستقلالي  القيادي عبد الحق التازي الذي وافته المنية مؤخرا)، أو وزير الداخلية البصري، وذلك لما استشاط عبد الرحمن اليوسفي غضبا من تشويشه وعرقلته عليه، بحيث كان يقطع الطريق على قراراته لدى عماله وولاته، ليطلب التسليم والصلح منه والتعاون معه، من الملك، بطريقة غير مباشرة، عبر مستشاره أحمد السلاوي، ليبلغه رئيس البلاد أنذاك، ” أن يتركه يحترق !”،” laisse -le griller”، هكذا بالفرنسية،حسب شهادة  الاتحادي القيادي محمد الحبابي، هكذا بإيعاز من الملك نفسه، في إذعان سياسي ميكيافيلي ماكر، ليظل يحكم بمطلقية إلى آخر دقيقة من حياته، والتي كان يعرف نهايتها خمسة سنين من قبل، بالتمام والكمال، حسب تصريح مغمور لكاتب عام حزب التقدم والاشتراكية (1997-2010).

هكذايكون قد لعب اليوسفي دورا تكتيكيا ورمزيا فقط، لإنجاح انتقال الملك، ولاستيعاب انتظارات كبيرة وغضب المواطنين المحتمل،وهو ما يجعل تلك البرامج، تباعا،ـ برامجا إقتصاديةوسياسية معلقة إلى حين، إلى اليوم،ومن الواجب الوطني العمل على ترهينها، بمراعاة إشكالات السياق الدولي والإقليمي الراهن، وكذا إلى تفعيل موازين القوى السياسية، دون أن تفنى النواة/ اليوتوبيا الإستقلالية-التحررية- التقدمية الاشتراكية المتفتحة التي حملها الرواد/ من أهل الأرض، وتحملها الشبيبة الديموقراطية، اليوم.

والحال ان للدولة دور أساسي لا محالة ولا محيد عنه في التنمية، وهو ما سمح لأزمة كوفيد بتأكيده وإعطاء الحجة و لبرنامج حكومة ع. الله إبراهيم الطموح راهنية وجدوى الدليل فيه وعليه. بل وحتى المدافعين عن “دولة أقل” عادوا ل”رشدهم” وعادوا يطالبون -حينها- ب”دولة أكثر”، لقطع الطريق على إنهيار المقاولة الخاصة، مناشدين ” شراكة الخسائر”، هذه المرة، عوض “خوصصة الأرباح”، و أن يكفوا على إعتباروإحتساب ما هو “إجتماعي” كلفة، فقط، علما أن الاستثمار الدامج هو في نفس الوقت غاية التنمية وشرط تحقيقها، و هو ما سمح للأزمة الصحية أن تربط مبدأ السيادة الإقتصادية بحماية الصناعة الوطنية والحفاظ على القطاعات الإستراتيجية للخدمات العمومية، وإعطاء الأسبقية للمصلحة العامة والمنتوجات الجماعية، وكذا أهمية رافعات التضامن الأفقي والعمودي للمجتمع المغربي.

لا يمكن للقطاع الخاص ان يتنمى ويتوسع ببلادنا دون ثلاثة تدخلات للدولة: الدولة الإستراتيجية-الضابطة والمستثمرة ( العوفي ن، 2020) ودون تحديد شروط ذلك ( أقصبي نجيب، 2026)،  وهو ما تمت ملاحظته مع أزمة كوفيد 19، بالضبط، حيث لعبت الدولة- المخزن المغربية، عبر الطلبية العمومية دور الحامية و الحاسمة لإنعاش الكثير من المقاولات الخاصة التي كانت تغوص في الصعوبة.

الملاحظ أيضا منذ الثمانينات، على الخصوص، رهان المغرب على خصخصة واللبرلة والتصدير، لكن المقاولة الخاصة لم تستطع أن تلج الإقلاع الروستوفي الحقيقي، عموما، والكثير منها لازال يتطور بعيدا عن حرمة القواعد الإجتماعية والقوانين التشريعية( شركة السيد الطالبي العلمي -الشخصية الثالثة في الدولة- المخزن، والتي لم تعلن لدى الصندوق الإجتماعي لحقوق ما يقرب الماءة عامل، لديها، ولا هي أدت واجب الضرائب على الأرباح بالمليار، وهو ممثلها الخادم الأمين للمخزن الذي يعرف من أين تؤكل الكتف، طبعا، في تبادل فض للمنافع بين المحاسيب والسلطة….!!)، مما أصبح يعرف ب”اللاشكلي صمن الشكلي” ( العوفي ن. 2020)- العكلي، وهو واقع فعلي مترسخ، يضيع الدولة العصرية من الموارد الجبائية، فضلا عن عرقلته للمنافسة الصحية والمثالية، واقع رصده البحاث بجلاء كبير في البلاد المتخلفة، وفي بلادنا!

وهو ما يتطلب تغيير عميق للمقاولة المغربية، في بنيتها، وذلك بعصرنتها، وأشكال تنظيمية جديدة ومناهج تدبير وتسيير للموارد البشرية وتغيير سلوكها إزاء القانون والمحيط.

فالمقاولة الناجعة والفعالة هي مقاولة قانونية، تدين بالقانون وتحترمه، مقاولة تدمج في إستراتيجيتها وفي بحثها عن الربح، المصلحة المشروعة للفرقاء. وعلى الدولة ان تلعب دور المساعد والمحفز والمحاسب لهذا التحول، مواكبته وحمايتها من سلوكات مرتبطة بالريع والمنافسة الغير الشريفة ومن عنهجيةالإحتكار الفضة للوضعيات المسيطرة.

لقد لوحظ تفاعل الدولة مع الأزمة لكوفيد 19، أعلاه بكثير من الإستقلالية عن توجيهات وتوصيات وشكليات الخبراء الدوليين، الني بدت هذه المرة جدية وفي غنى عنها، إذ تكفيها الخدمة الحيوية الخالصة المخلصة لمصلحة الوطن، لتتفتق بصيرتها، فبدت عن حق دولة- مخزن فعالة، كما بدا المجتمع متجاوبا ومتضامنا وخلاقا، أخذا بالنتائج المحسوبة والعقلانية الإيجابية اللازمة، على العموم.

اما آفاق مابعد كورونا، فلا أحد يعلم بمصير العالم اليوم، ولا احد يشك في صعوبة إعادة الإنطلاق والتحريك، خاصة بعد أزمة 2008، إذ بدا العالم الإقتصادي راكدا، ونموه محتشما، فضلا على ما أصبح يصطلح عليه ب”اللايقين الجذري” الذي شمل كل مناحي الحياة والإقتصاد والسياسة، منذ حين.

لقد عقد المغرب حينها على وجه السرعة والفعالية مجلسا للحياة الإقتصادية، فأوصى بإطلاق سياسة إقتصاديةكينيزية جريئة تبدأ بتشجيع الطلب الفعلي في مجال الإستثمار، مفضلة في هذا القطاعات المنتجة ذات الأثر التكاثر الأكبر/ الأسرع effet multiplicateur/    accélérateur في إتجاه السوق الوطنية لسد الحاجيات الأساسية، دون إعتماد على واردات برانية، فكان الإعتماد أساسا على الاستهلاك الشعبي وللطبقات الوسطى، إذ هو الذي يخلق لاشك الأثر أعلاه.

فكان بالموازاة على الدولة أن تخفف من الإجراءات حول الإنفاق العمومي. على الدين،ليعرف الإقتصاد سموا واعدا. هكذا طعم بنك المغرب السيولة المالية للإقتصاد، وبدا من الحكمة/ المصلحة الوطنية والشعبية، بمكان، الحفاظ على الصندوق الخاص بتدبير الأزمة على شكل “دخل أدنى عام مستدام” لصالح المعدمين! ليخرج الأمين على خزينة المملكة بخبر اليقين، أن لا يمكن إستدامة مساعدة الفقراء ( 500 درهم كل شهر!) لأكثر من سنة، لما ستحدثه من ثقب كبير في المالية العمومية (2026)!؟

وهو تطلع مشروع، لكنه لا يستقيم دون نقض نمط التبعية الإقتصادية المعتمدة الهشة والقاتلة في آن لنسق إقتصادي (ممكن مندمج و متكامل القطاعات)، وهي التبعية الموسومة (نسيم الطالب 2013، ن. العوفي 2020…) ب”المناولة”- المتبقية دوليا، قليلة القيمة المضافة، والتي تجد صعوبة في التأقلم مع الهزات الخارجية، كأزمة 2008 أو  كوفيد 19، وهي إحدى تجلياتها وردود فعلها، بالذات، وكذا القدرة على التحسن والتعافي الإقتصادي الفعلي، منذ الاستقلال لبلادنا إلى اليوم.

ذلك انه تم التفكيك والتدمير المتواصل منذ الإستقلال السياسي لبلدنا، وخاصة منذ الثمانينات والتسعينات لأهم رافعات التصنيع الوطني، آخرها لا سمير، الموقوف لحد الساعة، وما لذلك من أثر فاحش واضح على الأسعار و على كلفة العيش عموما، ومن تم، إضعاف الدولة في أدوارها الإستراتيجية والتنموية والضبطية، لصالح دينامية يحكمها السوق الدولي…

يمكن تحقيق هذا الأفق الإيجابي، أفق الإقلاع والتصنيع الغير المنقوص والدامج والمندمج والخالق للثروة والتشغيل والرفاه للجميع بالعمل على تسييد “هوية إقتصادية للمغرب” لافتة وفارقة، معتمدة على “مهنها الوطنية métiers nationaux”، منتجة ومشغلة، متوازنة، دامجة ومندمجة، منفتحة ومستدامة، وضامنة للكرامة الإنسانية، لا يمكن ل”تصنيع محدود” أو “تحت- تصنيع”sous industrialisation قاصر ومقتصر على طلب ومناولة المراكز الرأسمالية والإمبريالية أن يوفرها، أبدا.

لكن يبدو أن إقتصادنا الوطني لازال لم ينجح في تحقيق الإقلاع الإقتصادي المنشود، رغم البهارات المتعددة، ولم يتوفق في تكريس تلك “الهوية التنموية الوطنية”Identité du développement national الواعدة، التي تجعل من “الهوية الصناعية”Identite  industrielle، باستثمار كل “مناجم الرفاه الإقتصادي الوطني” الكثيرة والمتنوعة و تفعيلمحركات التنمية الأصيلة، وذات “المفخرة المحلية والدولية “، محورا إستراتيجيا واعدا شاملا ونسقيا- بينيا، لها.

ومما تجدر الإشارة إليه لتحقيق بعض ركائز البرنامج الإقتصاديالإنتخابي وأحسن، أنه لا يمكن التمادي -اليوم- في إعتمادإقتصاد وطني سوقي متخلف ينتظر هبات وأمطار السماء، يجر معه ذيول وطبقات الفكر القروسطي والمثالي- الميتافيزيقي، غير تكنولوجي- وغير مخطط، صناعي ورقمي وبيئي متكلف…

ذلك حتى أنه لازال إقتصادنا العام إلى حد كبير، وبهذه المواصفات، وبالرغم من فرقعات التصدير الصناعي المحدود والمضبوط لسيارات الرأسمال الأجنبي ( أكبر قطاع موفر للشغل 38% يتبعه السياحة ثم الصناعات الغذائية…)، ولقطاع غيار الطائرات، على سبيل المثال لا الحصر، فلازالت “الفلاحة التصديرية” المستهلكة لفرشته المائية النادرة والحرجة فيه، والمحدد الأول لمآل وتطور وتعافي كل باقي القطاعات الإقتصادية ببلادنا، وحتى أننا نحاول البحث والدفع والتشجيع لتكريس ضروري لإقتصاد مغربي أصيل ومعاصر في آن،  منتج ومتضامن ومنفتح، ذو “هوية خاصة ومميزة”، تحفظ للمحلي خصوصية عطاءه وقيمته، تنموية وجارة للصناعة، على وجه الخصوص، للتحكم في مصير الإقتصاد الوطني، برمته، وفي رفاه العباد/ المواطن المغربي.

وقد أرسى البرنامج الانتخابي والسياسي لتحالف اليسار على المحاور الأتية:

  • الملكية البرلمانية والحرية والنزاهة(تبييض السجون والوقف النهائي للاعتقال السياسي، حرية الصحافة وحرية التنظيم والتظاهر السلمي، تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية)

  • السيادة الوطنية والترابية والطاقة والماء( الوحدة الترابية واستكمال تحرير الثغور المحتلة، قانون الطوارئ المائي والاعتلال الصارم، السيادة الغذائية ودعم صغار الفلاحين، النهوض بالعالم القروي والمناطق الجبلية….)،

  • العدالة والكرامة (النساء، الشباب، المسنون، المتقاعدون، والأشخاص في وضعية إعاقة، المساواة التامة، تحرر النساء والمناصفة، حقوق الأشخاص في وضعية إعاقة والمدرسة الدامجة، فتح آفاق للشباب ودخل التنقل للوافدين على سوق الشغل)،

  • ميثاق التمويل( 500 مليار درهم لتمويل دولة العدالة الاجتماعية، المدرسة العمومية الجودة، خفض الاكتظاظ ومحاربة الهدر، دمقرطة التعليم العالي وتطوير البحث العلمي، التكفل بالأمراض المزمنة ومجانية العلاج….)،

 لينتهي بأبرز المقترحات التي سيترافع ويناضل من أجل تحقيقها( وضع قانون عفو عام، إعفاء كامل للمواد الأساسية والأدوية من الضريبة على القيمة المضافة، 5000 درهم صافية كحد أدنى للأجر، تجريم الإثراء غير المشروع، 5000 درهم منحة ولادة، شراء أصول شركة سامير وإعادة تشغيلها، 100.000 سكن عمومي إيجاري، التكفل 100% بمصاريف علاج الأمراض المزمنة، تعميم دور الحضانة، وحماية عمال المنصات ومضاعفة تفتيش الشغل، وهو ما يستدعي المواكبة النقدية المستدامة لبرنامجه الانتخابي والسياسي، في أفق دمقرطة الدولة والمجتمع.

فإلى متى ينتهي التكرار السياسي الدارمي لدى اليسار المغربي، لدغه من جحر المخزن أكثر من مرة، على الأقل مع حكومة عبد الله إبراهيم، وكذا حكومة عبد الرحمان اليوسفي، اللتين لم تعمرا طويلا،  وفاءا لتقليد مخزني عريق يفرض عهدة واحدة لكل رئيس حكومة مغربية، (حتى لا يعجبه العرش ويخلد فيه خلود الملوك ) ! ويكرس بصمته ورمزيتهوسياستة. أم أن ” لا ثقة في الماء والنار وفي المخزن”، وأن “للي فراس الجمل فراس الجمالة” كما يقول المثال الدارجي.؟

ذ. عبد الواحد حمزة، سوسيوإقتصادي، عضو المجلس الوطني للإشتراكي الموحد/ تحالف اليسار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى