افتتاحية

من الإعفاء الملكي إلى العودة للحكومة.. نبيل بنعبد الله بين ذاكرة «التحكم» ورهانات إصلاح التعليم

الحنبلي عزيز –تنوير – رأي وتحليل

تطرح عودة نبيل بنعبد الله، الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، إلى الحكومة بعد تسع سنوات من إعفائه، أسئلة سياسية تتجاوز حدود التعيين الوزاري، لتلامس قضايا المسؤولية والمحاسبة والتحولات التي تعرفها مواقف الأحزاب وتحالفاتها. فقد عين الملك محمد السادس، يوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، بنعبد الله وزيراً للتربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، ضمن الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، في عودة تحمل معها تاريخاً من التجارب الحكومية والخلافات السياسية والمواقف التي طبعت المشهد الحزبي المغربي.

ولعل ما يمنح هذا التعيين أهمية خاصة ليس فقط طبيعة القطاع الذي سيتولى بنعبد الله تدبيره، بل أيضاً مساره السياسي، الذي يجمع بين تجربة طويلة في السلطة وممارسة المعارضة، وصولاً إلى العودة مجدداً إلى الجهاز التنفيذي، في سياق سياسي مختلف عن ذلك الذي غادر فيه الحكومة سنة 2017.

فالرجل المزداد يوم 3 يونيو 1959 بمدينة الرباط، والحاصل على دبلوم من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس، تخصص العلاقات الدولية، ليس وافداً جديداً على تدبير الشأن العام. فقد شغل منصب وزير الاتصال والناطق الرسمي باسم الحكومة بين سنتي 2002 و2007، قبل تعيينه سفيراً للمغرب لدى إيطاليا بين 2008 و2009، ثم تولى حقائب السكنى والتعمير وسياسة المدينة ابتداءً من سنة 2012، وصولاً إلى منصب وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة سنة 2017.

كما ارتبط مساره السياسي بحزب التقدم والاشتراكية، الذي تولى أمانته العامة سنة 2010 خلفاً لإسماعيل العلوي، ليصبح أحد أبرز الوجوه الحزبية التي حضرت في النقاشات السياسية خلال العقدين الأخيرين.

غير أن استعادة هذا المسار لا يمكن أن تتجاهل محطة شتنبر 2016، عندما أثار بنعبد الله جدلاً واسعاً بتصريحاته بشأن حزب الأصالة والمعاصرة، التي تحدث فيها عن وجود أطراف تقف وراء الحزب وتجسد، بحسب تعبيره آنذاك، مفهوم «التحكم».

وقد أثارت تلك التصريحات رداً رسمياً من الديوان الملكي، الذي أصدر يوم 13 شتنبر 2016 بلاغاً توضيحياً انتقد فيه كلام الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية، معتبراً أنه يتضمن اتهامات لا تستند إلى أسس صحيحة وتمس بمصداقية المؤسسات.

وأكد البلاغ أن الشخص المقصود بتصريحات بنعبد الله أصبح مستشاراً للملك محمد السادس، ولم تعد تربطه علاقة بالعمل الحزبي، مشدداً على أن المستشارين الملكيين يمارسون مهامهم في إطار الاختصاصات والتعليمات الملكية.

ولم يقتصر البلاغ على الرد على مضمون التصريحات، بل حرص أيضاً على التمييز بين الموقف الصادر عن بنعبد الله وحزب التقدم والاشتراكية، مؤكداً أن القضية تخص صاحب التصريحات وحده، مع التنويه بالدور التاريخي للحزب ومساهمته في الحياة السياسية والمؤسساتية الوطنية.

وتكتسي استعادة هذه الواقعة أهمية خاصة اليوم، بالنظر إلى أن بنعبد الله يعود إلى الحكومة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، القيادية في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي كان محوراً أساسياً في خلافاته السياسية السابقة.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل تعكس هذه العودة تطوراً طبيعياً في التحالفات السياسية، أم أنها تستدعي من الفاعلين الحزبيين توضيحاً أكبر للتحولات التي طرأت على مواقفهم وخطاباتهم؟

فالعمل السياسي بطبيعته مجال للتحالفات والتوافقات والمراجعات، ولا يمكن اعتبار تغير المواقف أمراً سلبياً في حد ذاته. غير أن الانتقال من خطاب المواجهة إلى المشاركة في حكومة يقودها حزب كان موضوع انتقادات حادة، يطرح مسألة الانسجام السياسي وضرورة تقديم تفسيرات مقنعة للرأي العام.

وبعد نحو سنة من الجدل الذي أثارته تصريحاته، عاش بنعبد الله محطة أخرى في أكتوبر 2017، عندما شمله قرار الإعفاء الملكي على خلفية تقرير المجلس الأعلى للحسابات بشأن الاختلالات والتأخر المسجل في تنفيذ مشاريع برنامج «الحسيمة منارة المتوسط».

وكان القرار قد شمل مسؤولين حكوميين آخرين، على أساس المسؤوليات القطاعية المرتبطة بتدبير البرنامج وتتبع إنجاز المشاريع، في واحدة من أبرز المحطات التي أعادت إلى الواجهة النقاش بشأن ربط المسؤولية بالمحاسبة. ولم يسجل التقرير حالات غش أو اختلاس مالي، وهو تمييز ضروري عند تقييم طبيعة الاختلالات وأسباب الإعفاء.

ولا تعني العودة إلى الحكومة إلغاء هذا التاريخ أو اختزاله في قرار الإعفاء، كما لا ينبغي أن تتحول التجربة السابقة إلى حكم نهائي على قدرة المسؤول على ممارسة مهام جديدة. لكنها تفرض استحضار حصيلة المسؤوليات السابقة عند مناقشة العودة إلى المناصب الحكومية، لأن الذاكرة السياسية جزء أساسي من تقييم العمل العمومي.

وبعد خروجه من الحكومة، واصل بنعبد الله قيادة حزب التقدم والاشتراكية، الذي اختار موقع المعارضة خلال الولاية الحكومية 2021-2026، حيث اتسم خطابه السياسي بانتقاد السياسات الاقتصادية والاجتماعية لحكومة عزيز أخنوش، خصوصاً في مجالات القدرة الشرائية والتشغيل والصحة والتعليم.

ومع اقتراب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، عاد بنعبد الله إلى الواجهة بخطاب يدعو إلى التغيير وتطوير الخدمات العمومية ومراجعة السياسات التي اعتبرها غير كافية للاستجابة للانتظارات الاجتماعية.

وقد جعل حزبه من إصلاح التعليم والصحة وتحسين الأوضاع الاجتماعية محاور أساسية في خطابه الانتخابي، قبل أن تقوده نتائج الاستحقاقات والمشاورات السياسية إلى المشاركة في الأغلبية الحكومية الجديدة.

وهنا يطرح الانتقال من المعارضة إلى السلطة تحدياً سياسياً جديداً: فالمواقف التي كانت تقدم في إطار الانتقاد والمساءلة أصبحت اليوم مطالب وبرامج ينتظر من أصحابها المساهمة في تنفيذها.

ولعل وزارة التربية الوطنية من أكثر القطاعات التي تجعل هذا التحول واضحاً، بالنظر إلى حجم التحديات التي تواجه المدرسة العمومية، من ضعف التعلمات الأساسية إلى الهدر المدرسي والتفاوتات المجالية، مروراً بأوضاع الأطر التربوية وجودة التكوين المهني.

فالوزارة التي تسلم بنعبد الله مسؤوليتها يوم 16 أكتوبر 2026 من محمد سعد برادة ليست مجرد حقيبة سياسية ضمن توزيع المناصب الحكومية، بل قطاع يرتبط بمستقبل أجيال كاملة، ويحتاج إلى استمرارية الإصلاحات وتقييم نتائجها، بعيداً عن منطق القطيعة السياسية أو تغيير البرامج بتغير الوزراء.

ومن هذه الزاوية، سيكون من المهم معرفة كيف سيترجم الوزير الجديد مواقفه السابقة بشأن التعليم إلى إجراءات عملية، وما إذا كانت تجربته الحكومية والسياسية ستساعده على تحقيق التنسيق الضروري بين مختلف المتدخلين في منظومة التربية والتكوين.

كما يطرح اتساع اختصاصات الوزارة، التي أصبحت تشمل التعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، تساؤلات حول طبيعة الأولويات التي ستعتمدها الحكومة، وآليات قياس أثر الإصلاحات، والنتائج المنتظرة في تحسين جودة التعلمات وتيسير الاندماج المهني للشباب.

وفي المقابل، لا يمكن تجاهل أن بنعبد الله يمتلك تجربة مؤسساتية طويلة، من العمل الحكومي والدبلوماسي إلى قيادة حزب سياسي والمشاركة في المعارضة، وهي تجربة قد تتيح له معرفة بآليات اتخاذ القرار وبالتحديات المرتبطة بتنفيذ السياسات العمومية.

غير أن الخبرة السياسية، مهما امتدت، لا تشكل في حد ذاتها ضمانة لنجاح السياسات، كما أن العودة إلى منصب وزاري لا تعني بالضرورة تجاوز الإشكالات التي طبعت مراحل سابقة. فالنتائج تبقى المعيار الأكثر قابلية للتحقق في تقييم الأداء الحكومي.

ومن هذا المنطلق، فإن النقاش حول تعيين نبيل بنعبد الله لا ينبغي أن ينحصر في كونه عودة سياسية بعد إعفاء، أو في طبيعة علاقته السابقة بحزب الأصالة والمعاصرة، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أعمق يتعلق بكيفية بناء الثقة بين الخطاب السياسي والممارسة الحكومية.

فالمواطن الذي تابع انتقادات المعارضة للسياسات التعليمية خلال السنوات الماضية، من حقه اليوم أن ينتظر وضوحاً بشأن الحلول التي ستقدمها الحكومة الجديدة، والجدول الزمني للإصلاحات، والوسائل التي ستعتمد لتقييم أثرها الفعلي داخل المؤسسات التعليمية.

إن عودة نبيل بنعبد الله إلى الحكومة تضع أمام الرأي العام مسارين متداخلين: مسار سياسي يحمل ذاكرة التصريحات والخلافات والإعفاء والتحالفات المتغيرة، ومسار حكومي جديد سيتحدد من خلال القرارات والبرامج والنتائج.

وبين المسارين، تظل المسؤولية السياسية مرتبطة بالقدرة على تفسير التحولات في المواقف، وتحمل تبعات القرارات السابقة، وتقديم أجوبة عملية عن الالتزامات الحالية.

ولذلك، فإن السؤال الأساسي الذي تثيره هذه العودة ليس ما إذا كان نبيل بنعبد الله قد تجاوز خلافاته السياسية القديمة، بل ما إذا كان انتقاله من نقد السياسات التعليمية إلى الإشراف المباشر عليها سيفتح المجال أمام إصلاحات قابلة للقياس والمساءلة.

فبين خطاب المعارضة ومسؤولية الحكم، يبقى الامتحان الأهم لنبيل بنعبد الله داخل المدرسة العمومية، حيث لا تقاس الوعود بقوة التصريحات، بل بما يتحقق فعلياً للتلاميذ والأسر والأطر التربوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى