افتتاحية

النقيب عزيز رويبح يفتح النار على وهبي: وزير العدل تجاوز حدود السلطة وأهان كرامة المحاماة

الحنبلي عزيز -متابعة

لم يعد الخلاف بين وزير العدل عبد اللطيف وهبي وهيئات المحامين مجرد تباين عابر حول مشروع قانون أو تدبير قطاعي، بل تحول، بحسب الرسالة المفتوحة التي وجهها إليه نقيب هيئة المحامين بالرباط عزيز رويبح، إلى أزمة أخلاق سياسية تكشف الطريقة التي بات بها الوزير ينظر إلى المؤسسات المهنية: من موقع المتعالي الذي يعتقد أن كرسي الوزارة يمنحه حق توزيع صكوك الوطنية والنزاهة والشرعية.

رسالة النقيب رويبح لم تكن مجرد رد غاضب، بل صفعة سياسية ومهنية في وجه وزير يبدو أنه نسي أن الوزارة مسؤولية مؤقتة وليست ملكية خاصة، وأن سلطة الدولة لا تُستعمل لإهانة المؤسسات أو تحقير ممثليها أو الانتقام من الأصوات التي ترفض الانحناء.

وهبي، الذي يفترض فيه أن يكون وزيراً للعدل، متهم اليوم، من خلال مضمون الرسالة، بالعجز عن استيعاب أبسط معاني العدالة: احترام المخالف، الإنصات إلى المؤسسات، وضبط اللسان حين يتعلق الأمر بكرامة مهنة تشكل أحد أعمدة المحاكمة العادلة.

فأي عدل يمكن أن يبشر به وزير يدخل في مواجهة شخصية مع النقباء؟ وأي إصلاح يمكن الوثوق فيه عندما يصبح صاحب المشروع عاجزاً عن تدبير الاختلاف إلا بالتجريح والاستعلاء؟ وأي دولة مؤسسات هذه التي يتوهم فيها مسؤول حكومي أن جلوسه فوق كرسي الوزارة يضعه فوق النقد وفوق المحاسبة وفوق التاريخ؟

النقيب عزيز رويبح ذكّر وهبي بحقيقة يبدو أن الوزير يتعمد تجاهلها: الوزراء يعبرون، أما المؤسسات فتبقى. الحكومات مؤقتة، أما المحاماة فتستمد قوتها من تاريخ طويل من الدفاع عن الحقوق والحريات ومواجهة التحكم والتعسف.

هيئة المحامين بالرباط ليست مكتباً تابعاً للوزارة، ولا جمعية يمكن إخضاعها بالتعليمات أو إخافتها بالتصريحات. إنها مؤسسة مهنية عريقة خرج من صفوفها رجال دولة ومناضلون وحقوقيون ومحامون دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن استقلال القضاء وحقوق المواطنين.

أما أن يأتي وزير عابر ليخاطب نقباء المحامين بمنطق الوصاية والتعالي، فذلك لا يكشف قوة الوزير، بل يكشف هشاشته وعجزه عن مواجهة الحجة بالحجة. فالمسؤول الواثق من مشروعه لا يحتاج إلى التجريح، والوزير الذي يحترم منصبه لا يحول النقاش العمومي إلى حلبة لتصفية الحسابات.

رسالة رويبح كانت واضحة: الرجل لم يصل إلى منصب النقيب بهبة وزارية، ولم يصنع مكانته بالتملق داخل الصالونات، بل حملته إليها ثقة المحامين بعد سنوات من المواجهة مع الفساد والانتهازية. ومن هنا تأتي خطورة محاولة وهبي التطاول على هذه الشرعية المهنية، وكأن ثقة المحامين أقل قيمة من توقيع التعيين الحكومي.

الأكثر إثارة في الرسالة أن النقيب واجه الوزير بلغته نفسها، ووضع أمامه حدود السلطة التي يبدو أنه نسيها. فالدولة ليست عصاً يلوح بها الوزير في وجه خصومه، والمخزن ليس ستاراً يختبئ خلفه كلما ضاقت به الحجة، والمؤسسات ليست أدوات للترهيب السياسي.

عندما يقول النقيب لوهبي: «أنت وزير وأنا نقيب»، فهو لا يجري مقارنة بين منصبين، بل يضع حداً فاصلاً بين من يستمد وجوده من ظرف سياسي عابر، ومن يستمد شرعيته من مؤسسة مهنية انتخبته للدفاع عن كرامتها واستقلالها.

أما حديث رويبح عن معرفته بأمور لا يعرفها عامة الناس، وامتناعه عن كشفها احتراماً لأخلاقيات المهنة، فإنه يضع الوزير أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية ثقيلة. فالسكوت لم يعد كافياً، والتلميحات الخطيرة تستوجب توضيحاً صريحاً للرأي العام، بعيداً عن التهديد والتراشق الشخصي.

وهبي مطالب اليوم بأن يجيب عن جوهر الأزمة، لا أن يهرب إلى الأمام: لماذا تحولت علاقته بالمحامين إلى مسلسل دائم من الصدام؟ لماذا فشل في بناء الثقة مع المؤسسات المهنية؟ ولماذا يصر على تقديم نفسه باعتباره الطرف الوحيد الذي يحتكر الحقيقة والإصلاح والوطنية؟

وزير العدل ليس قيّماً على كرامة المحامين، ولا وصياً على الهيئات، ولا مالكاً للحقيقة القانونية. ومهمته ليست تأديب المعارضين أو إخضاع النقباء، بل فتح حوار حقيقي وإنتاج قوانين تحمي الحقوق وتحصن استقلال المهنة وتخدم المواطن.

لقد كشفت رسالة نقيب الرباط أن الأزمة لم تعد مرتبطة بنص قانوني فقط، بل بعقلية سياسية متضخمة ترى في كل اعتراض تمرداً، وفي كل نقد إهانة، وفي كل مؤسسة مستقلة خصماً يجب كسره.

وهنا تكمن خطورة المرحلة: عندما يفقد وزير العدل القدرة على التمييز بين الدولة وشخصه، وبين المؤسسات ورغباته، وبين الإصلاح والاستفراد، يصبح وجوده على رأس الوزارة جزءاً من المشكلة لا جزءاً من الحل.

كان على وهبي أن يكون وزيراً للحوار، فتحول إلى عنوان للصدام. وكان يفترض أن يحمي هيبة العدالة، فإذا به يستهلكها في معارك جانبية. وكان عليه أن يجمع مكونات منظومة العدالة، لكنه اختار لغة تقسيمها واستفزازها.

رسالة عزيز رويبح ليست دفاعاً عن شخص النقيب وحده، بل إنذار سياسي لوزير يبدو أنه تجاوز حدود اللباقة والمسؤولية. إنها تقول له بوضوح: كرامة المحاماة ليست موضوعاً للمساومة، والنقباء ليسوا موظفين تابعين لديوانك، والوزارة لا تمنحك حصانة أخلاقية من النقد.

قد يكون عبد اللطيف وهبي وزيراً اليوم، لكنه لن يبقى وزيراً إلى الأبد. وسيأتي يوم يغادر فيه المكتب والسيارة الرسمية وحرس البروتوكول، ولن يبقى للرأي العام سوى حصيلة مرحلة اتسمت بالتوتر والاستفزاز والصدام مع أصحاب البذلة السوداء.

أما المؤسسات التي حاول التقليل من شأنها، فستبقى بعد رحيله، لأنها أقدم من حكومته، وأقوى من تصريحاته، وأعمق من غروره السياسي.

الرسالة وصلت يا سيدي الوزير «العظيم»: المحامون قد يصبرون، لكنهم لا يركعون. والنقباء قد يلتزمون الصمت، لكن صمتهم ليس خوفاً. ومن يبدأ بإهانة المؤسسات، عليه ألا يشتكي حين يأتيه الرد قاسياً.

فالبادي أظلم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى