مجتمع

خالد البكاري يرد على حميد المهداوي بشأن حواره مع عرشان: «لم أشكك في مهنيتك.. لكن الوثيقة المزورة غطّت على شهادات الضحايا»

 تنوير | متابعة

دخل الباحث والفاعل الحقوقي خالد البكاري على خط الجدل المتواصل بشأن الحوار الذي أجراه الصحفي حميد المهداوي مع محمود عرشان، المفوض السابق للشرطة والمستشار البرلماني، بعدما وجه إليه رداً مطولاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أوضح فيه خلفيات انتقاداته للمقابلة، نافياً أن يكون هدفه التشكيك في مهنية المهداوي أو التقليل من جهوده الصحفية، ومشدداً في المقابل على ضرورة التحقق من الوثائق والعودة إلى شهادات ضحايا سنوات الرصاص عند مناقشة الماضي الأمني لضيفه.

وجاء رد البكاري تفاعلاً مع فيديو نشره المهداوي على قناته بموقع «يوتيوب»، تناول فيه الانتقادات التي وُجهت إليه عقب استضافته عرشان، وهو الحوار الذي أعاد إلى الواجهة النقاش حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بالمغرب، وحدود مسؤولية الصحافة في التعامل مع الشهادات والوقائع التاريخية المرتبطة بهذه المرحلة.

واستهل البكاري رده باعتذار صريح إلى المهداوي عن أي عبارات قد تكون أساءت إليه دون قصد، مؤكداً أن ملاحظاته لم تكن تستهدف شخصه أو كفاءته المهنية، وإنما انصبت على ما اعتبره قصوراً محتملاً في التحضير للحوار.

وأشاد البكاري بقدرة المهداوي على التواصل أمام الكاميرا، وبالأدوار التي اضطلع بها في كشف ملفات فساد والدفاع عن معتقلي الرأي، موضحاً أن الاختلاف بشأن مقابلة واحدة لا يلغي تقديره لمساره الصحفي.

وقال في هذا السياق إن عتابه كان نابعاً من الاحترام، وليس من الرغبة في التشكيك في النوايا أو الانتقاص من التكوين المهني، معترفاً بأن أي شخص، مهما بلغت خبرته، قد يجد نفسه أمام مواقف لم يستعد لها بالشكل الكافي.

وثيقة جمال بنعمر.. خطأ مهني منح عرشان فرصة للدفاع عن روايته

وحدد البكاري أولى ملاحظاته في اعتماد المهداوي، خلال الحوار، على رسالة متداولة منسوبة إلى المعتقل السياسي السابق والدبلوماسي المغربي جمال بنعمر، تتضمن اتهامات لمحمود عرشان بالتورط في ممارسات التعذيب داخل أحد مراكز الاعتقال خلال سنوات الرصاص.

واعتبر البكاري أن تقديم هذه الرسالة بوصفها وثيقة صادرة عن بنعمر، دون التحقق من صحتها مباشرة من صاحبها، شكل خطأً في الإعداد، خصوصاً أن مضمونها تضمن، بحسب توضيحه، خلطاً بين شخصيتي محمود عرشان وقدور اليوسفي عند الحديث عن واقعة جنيف المرتبطة بلجنة مناهضة التعذيب التابعة للأمم المتحدة.

وأوضح أن الواقعة التي جرى استحضارها تتعلق بقدور اليوسفي، وليس بمحمود عرشان، معتبراً أن هذا الخلط سمح لضيف المهداوي بنفي الوقائع المنسوبة إليه بسهولة، والاستفادة من ضعف الوثيقة المستعملة لمواجهته.

وكان جمال بنعمر قد خرج، السبت 24 أكتوبر 2026، لينفي بشكل قاطع علاقته بالرسالة المتداولة باسمه، مؤكداً أنه لم يكتبها ولم ينشرها، وهو ما نقلته عدة منابر إعلامية مغربية.

واستعمل البكاري تشبيهاً رياضياً لوصف ما حدث، معتبراً أن المهداوي منح ضيفه «ضربة جزاء مجانية»، موضحاً أن المقصود بهذا التعبير ليس اتهام الصحفي بتعمد الخطأ، بل الإشارة إلى هفوة غير مقصودة استفاد منها الطرف الآخر.

وشدد على أن التحقق من الوثائق قبل تقديمها للرأي العام يشكل جزءاً أساسياً من العمل الصحفي، خاصة عندما يتعلق الأمر باتهامات حساسة مرتبطة بالتعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وأضاف أن انتشار الوثيقة على نطاق واسع، حتى بين بعض الحقوقيين والمهتمين بالملف، لا يعفي الصحفي من مسؤولية التثبت من مصدرها وصحة نسبتها.

البكاري: شهادات الضحايا كانت أولى بالاستحضار من الروايات المتداولة

أما الملاحظة الثانية، التي اعتبرها البكاري جوهر انتقاده للحوار، فتتعلق بما وصفه بعدم العودة بالشكل الكافي إلى شهادات المعتقلين السياسيين السابقين الذين تحدثوا عن ماضي محمود عرشان الأمني.

وأوضح أن الأرشيف الحقوقي والصحفي المغربي يتضمن شهادات مكتوبة ومصورة لأشخاص قالوا إنهم تعرضوا للتعذيب خلال ستينيات القرن الماضي وبداية السبعينيات، وتضمنت رواياتهم اتهامات مباشرة لعرشان.

واستحضر البكاري، في هذا السياق، شهادات إبراهيم الحلاوي وأحمد جوهر المعروف بـ«أباعقيل»، من رفاق أحمد أكوليز الملقب بـ«شيخ العرب»، إلى جانب شهادات أخرى نسبها إلى مهري الوديع الآسفي، والد الحقوقي صلاح الوديع، ومومن الديوري، والمناضل الراحل أبراهام السرفاتي.

وأشار إلى أن السرفاتي تحدث في شهاداته عن معرفته السابقة بعرشان، كما نسب إليه اتهامات تتعلق بتعذيب شقيقته إيفلين، التي قال إنها توفيت بعد فترة قصيرة من خروجها من الاعتقال.

وتظل هذه المعطيات اتهامات واردة في شهادات تاريخية أشار إليها البكاري، ولا تشكل بمفردها إثباتاً قضائياً لمسؤولية عرشان عن الأفعال المنسوبة إليه.

وأكد البكاري أن أهمية هذه الشهادات تكمن في أنها صادرة عن أشخاص تحدثوا عن تجاربهم وهم على قيد الحياة، وفي سياقات تاريخية مختلفة، معتبراً أن العودة إليها كانت ستمنح الحوار أرضية أكثر صلابة لمناقشة رواية عرشان واختبار مدى اتساقها مع الوقائع المنشورة.

بين الستينيات والسبعينيات.. خلاف حول المرحلة التاريخية موضوع الاتهامات

وتوقف البكاري عند نقطة اعتبرها أساسية في فهم مسار الحوار، تتعلق بالفترة الزمنية التي ركز عليها عرشان في إجاباته.

فبحسب قراءته، كان ضيف المهداوي يميل إلى توجيه النقاش نحو مرحلة اعتقالات اليسار الجديد خلال السبعينيات، ولا سيما ما بعد سنة 1974، عندما كان يشتغل بمدينة مكناس، بينما تتعلق الشهادات التي استحضرها البكاري بالفترة الممتدة من بداية الستينيات إلى السنوات الأولى من السبعينيات.

واعتبر أن التركيز على المرحلة اللاحقة قد يبعد النقاش عن الوقائع التي تتناولها شهادات معتقلين سابقين خلال عمل عرشان بالشرطة القضائية في الدار البيضاء والرباط.

وأشار في هذا السياق إلى طبيعة التعاون الذي كان قائماً، بحسب عرضه، بين الشرطة القضائية وجهاز «CAB 1»، داعياً إلى دراسة الأدوار والمسؤوليات المرتبطة بتلك المرحلة انطلاقاً من الشهادات والوثائق المتاحة.

وأوضح أن عدم ورود اسم عرشان في شهادات بعض معتقلي اليسار الجديد خلال السبعينيات لا يكفي، في حد ذاته، لحسم الاتهامات المرتبطة بفترات سابقة، كما أن وجود اسمه في شهادات أخرى يستدعي التحقق والتدقيق قبل استخلاص أي مسؤولية فردية.

مذكرات إدغار فور.. البكاري يوضح خلفيات ملاحظته التاريخية

وتطرق البكاري أيضاً إلى مسألة تاريخية أثارها عرشان خلال الحوار، وتتعلق بمذكرات السياسي الفرنسي إدغار فور ومفاوضات إنهاء الحماية الفرنسية وعودة الملك محمد الخامس من المنفى.

وأوضح أن تعقيبه على هذه النقطة لم يكن موجهاً إلى المهداوي، وإنما إلى عرشان، الذي قال إنه نسب إلى مذكرات إدغار فور معطيات لا تتضمنها.

وأكد أن ملاحظته انصبت على ضرورة الدقة في الاستشهاد بالمراجع التاريخية، نافياً أن يكون قد قصد إظهار المهداوي بمظهر غير الملم بتفاصيل مفاوضات الاستقلال.

واعتبر أن مثل هذه المواضيع الجانبية قد تطرأ خلال المقابلات دون أن تكون ضمن التحضير المسبق للصحفي، ولذلك لا ينبغي تحميل المحاور مسؤولية كل تفصيل تاريخي يثيره ضيفه بصورة مفاجئة.

وشدد على أن انتقاداته المهنية للمهداوي انحصرت أساساً في نقطتين: استعمال الوثيقة غير الصحيحة المنسوبة إلى جمال بنعمر، وعدم استحضار شهادات تاريخية موثقة تتناول المرحلة الأمنية التي كان عرشان ينشط خلالها.

اعتذار للمهداوي وانتقاد يشمل موقع «لكم» أيضاً

وفي ختام رده، جدد خالد البكاري اعتذاره إلى حميد المهداوي عن أي تعبير قد يكون فُهم باعتباره إساءة شخصية، مؤكداً احترامه لعمله الصحفي وتقديره للظروف المهنية والعائلية التي يمر بها.

كما تفاعل مع تحدٍّ وجهه إليه المهداوي بشأن موقفه من موقع «لكم»، الذي سبق أن نشر بدوره الرسالة غير الصحيحة المنسوبة إلى جمال بنعمر.

وأوضح البكاري أن المعيار المهني الذي اعتمده في انتقاد المهداوي ينسحب على جميع المنابر الإعلامية دون استثناء، معتبراً أن موقع «لكم» مطالب بدوره، من وجهة نظره، بتقديم اعتذار إلى جمال بنعمر عن نشر الوثيقة المنسوبة إليه.

وشدد على أن موقفه لا يقوم على استهداف صحفي أو مؤسسة إعلامية بعينها، وإنما على الدفاع عن ضرورة احترام قواعد التحقق والتوثيق، بصرف النظر عن الجهة التي ارتكبت الخطأ.

سنوات الرصاص تعود إلى النقاش.. والوثيقة تظل أساس المساءلة

ويأتي هذا السجال في سياق عودة ملف سنوات الرصاص إلى واجهة النقاش العمومي، عقب تصريحات محمود عرشان داخل مجلس المستشارين، وتحديه للمنتقدين الذين يربطون اسمه بممارسات التعذيب والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

كما أعادت المقابلة التي أجراها معه حميد المهداوي طرح أسئلة بشأن مسؤولية الإعلام في توثيق الذاكرة الحقوقية، ومدى قدرة الحوارات الصحفية على المساهمة في كشف الحقيقة دون الوقوع في فخ الروايات غير الموثقة أو الاتهامات التي لم تخضع للتحقق.

ويكشف رد خالد البكاري عن جانب من هذا النقاش، إذ يجمع بين الاعتراف بحق الصحفي في استضافة الشخصيات المثيرة للجدل، والمطالبة في الوقت نفسه بإعداد مهني يستند إلى الأرشيف والشهادات التاريخية والوثائق الأصلية.

وتظل الاتهامات الموجهة إلى محمود عرشان جزءاً من ملف حقوقي وتاريخي يتطلب البحث والتحقق، مع احترام حقه في الرد وقرينة البراءة، وعدم الخلط بين شهادات الضحايا والأحكام القضائية المثبتة للمسؤولية.

وبين اعتذار البكاري وتمسكه بجوهر انتقاداته، يتجاوز النقاش حدود الخلاف الشخصي مع المهداوي، ليطرح سؤالاً أوسع حول دور الصحافة في معالجة الذاكرة المؤلمة للمغرب، وكيفية التوفيق بين الاستماع إلى جميع الأطراف وواجب إخضاع رواياتهم للتدقيق.

فالقضية، كما يقدمها رد البكاري، لا تتعلق بمن يملك الحق في الكلام أمام الكاميرا، بقدر ما تتعلق بمدى قدرة الوثيقة والشهادة الموثقة على مواجهة الإنكار، وحماية الحقيقة التاريخية من الخلط والتوظيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى