افتتاحية

حوار المهداوي مع عرشان.. حين تتحول مساءلة الماضي إلى فرصة للإنكار: هل أخفقت الصحافة في مواجهة ذاكرة سنوات الرصاص؟

الحنبلي عزيز- مقال رأي | تنوير

 لم يكن ظهور محمود عرشان، المفوض السابق للشرطة والمستشار البرلماني، داخل مجلس المستشارين يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026، مجرد مداخلة سياسية عابرة في مناقشة البرنامج الحكومي. لقد أعاد، بكلماته وتحديه لمنتقديه، فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في التاريخ المغربي المعاصر: ملف سنوات الرصاص والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وما يرتبط به من أسئلة الحقيقة والمساءلة والإنصاف والمصالحة.

ولعل المفارقة أن عرشان، الذي ارتبط اسمه باتهامات وشهادات حقوقية تتعلق بماضيه الأمني، لم يكتف بالدفاع عن نفسه، بل انتقل إلى مهاجمة منتقديه، واصفاً بعضهم بـ«الطابور الخامس»، ومعلناً استعداده لمناظرة تلفزيونية للكشف عمن سماهم «الجلادين الحقيقيين».

كانت تلك لحظة تستدعي نقاشاً صحفياً جاداً، يستند إلى الوثائق والشهادات والتاريخ، لا إلى الانفعالات أو الاتهامات المتبادلة. ولذلك، حين قرر الصحفي حميد المهداوي استضافة عرشان وإجراء حوار معه، بدا أن الفرصة أصبحت متاحة لتحويل التحدي البرلماني إلى مساءلة إعلامية قد تسهم في إضاءة بعض المناطق المعتمة من الذاكرة الحقوقية المغربية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد هذا الحوار هو: هل نجح المهداوي في أداء هذه المهمة؟ أم أن ضعف التحضير والتوثيق منح ضيفه فرصة لعرض روايته الخاصة عن الماضي، دون إخضاعها لما يكفي من التدقيق والمواجهة المهنية؟

إن الاعتراض هنا ليس على حق الصحفي في استضافة عرشان، وإنما على الطريقة التي أُدير بها الحوار، وعلى المسافة التي تفصل بين استضافة شخصية مثيرة للجدل ومساءلتها مساءلة صحفية حقيقية.

من قبة البرلمان إلى الاستوديو.. كيف بدأ الجدل؟

خلال جلسة مناقشة البرنامج الحكومي، اختار محمود عرشان الاعتراض على الطريقة التي قُدمت بها صور استقباله ضمن وفد حزبي أثناء مشاورات تشكيل الحكومة، معتبراً أن التغطية الإعلامية أوحت بأن رئيسة الحكومة استقبلته بمفرده.

غير أن المداخلة سرعان ما تجاوزت هذا الاعتراض لتتحول إلى دفاع عن ماضيه الأمني والسياسي، وهجوم على منتقديه، وإعلان الاستعداد لمواجهة من يتهمونه بالتعذيب أمام الرأي العام.

وهكذا انتقل النقاش من برنامج حكومي يفترض أن تنصب المداولات حول مضامينه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، إلى ملف تاريخي ما زال يثير خلافات عميقة بشأن المسؤوليات الفردية عن انتهاكات الماضي.

ولم تمر تصريحات عرشان دون ردود فعل، إذ أصدرت خمس هيئات حقوقية ومدنية، من بينها المنظمة المغربية لحقوق الإنسان والمنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، بياناً انتقدت فيه وصف المنتقدين بـ«الطابور الخامس»، واعتبرت أن مثل هذا الخطاب يمس كرامة الضحايا والذاكرة الجماعية. 

كان من المشروع إذن أن تجري الصحافة حواراً مع عرشان. بل إن مقابلة مسؤول أمني سابق ورد اسمه في شهادات مرتبطة بسنوات الرصاص يمكن أن تكون عملاً صحفياً مهماً، إذا توفرت لها شروط البحث والتوثيق والمساءلة.

غير أن أهمية الضيف لا تكفي وحدها لصناعة حوار مهم. فالقيمة الصحفية الحقيقية تكمن في الأسئلة المطروحة، وفي قدرة المحاور على اختبار الأجوبة ومواجهة التناقضات، وليس في مجرد إتاحة الفرصة للضيف للكلام.

الحق في الحوار لا يعني الحق في تبييض الروايات

من حق حميد المهداوي، كما من حق أي صحفي، أن يحاور محمود عرشان أو غيره من الشخصيات التي ارتبطت أسماؤها بأحداث تاريخية مثيرة للجدل. فحرية الصحافة لا تقوم على انتقاء الضيوف وفق مدى قبولهم أو شعبيتهم، ولا على منع الأشخاص المعنيين باتهامات خطيرة من تقديم روايتهم والدفاع عن أنفسهم.

بل إن الاستماع إلى هؤلاء يمكن أن يكون ضرورياً لكشف الحقيقة، شريطة ألا يتحول الحوار إلى منصة لتمرير رواية أحادية عن التاريخ.

هناك فرق جوهري بين منح الضيف حق الرد، ومنحه القدرة على التحكم في اتجاه المقابلة ومضمونها. الأول واجب مهني، أما الثاني فقد يصبح نتيجة لاختلال ميزان المعرفة والتحضير بين الصحفي ومحاوره.

وفي حوار من هذا النوع، لا ينبغي أن يكون الصحفي مجرد مستمع يحاول انتزاع اعتراف من ضيف ينفي الاتهامات باستمرار، بل يفترض أن يكون باحثاً يمتلك الأدوات التي تسمح له بالتمييز بين الوقائع الموثقة والادعاءات المتعارضة.

وهنا تحديداً يبرز أول مأخذ مهني على الحوار: بدا المهداوي، في تقديري، أقل استعداداً من ضيفه لمناقشة التفاصيل التاريخية الدقيقة، وهو ما مكّن عرشان من استثمار النفي المتكرر والانتقال بين المواضيع، دون أن يواجه دائماً بأسئلة متابعة حاسمة.

النفي المتكرر ليس نهاية السؤال الصحفي

من الطبيعي أن ينفي محمود عرشان الاتهامات المرتبطة بماضيه الأمني. فقرينة البراءة وحق الدفاع عن النفس مبدآن أساسيان لا يجوز المساس بهما، مهما كانت خطورة الوقائع موضوع النقاش.

لكن وظيفة الصحفي لا تنتهي عند تسجيل هذا النفي.

عندما ينكر ضيف علاقته بأحداث أو أشخاص أو مؤسسات سبق أن ورد ذكرها في شهادات حقوقية، يصبح واجب المحاور أن يضع أمامه الوثائق ذات الصلة، وأن يطلب توضيح التناقضات، وأن يميز بدقة بين ما ثبت تاريخياً وما بقي موضوع اتهام أو خلاف.

وفي حالة عرشان، كان بالإمكان تعميق الأسئلة حول طبيعة مهامه الأمنية، وحدود مسؤولياته، وعلاقاته المهنية خلال فترات معينة، مع الاستناد إلى شهادات الضحايا وتقارير الهيئات الحقوقية، دون افتراض إدانته مسبقاً.

أما الاكتفاء بمواجهة الإنكار بإنكار مضاد، أو بالاحتجاج الأخلاقي غير المسنود بالوثيقة، فإنه يمنح الضيف فرصة إضافية لتقديم نفسه باعتباره مستهدفاً باتهامات تفتقر إلى الدليل.

وهكذا قد تنقلب موازين المقابلة: بدل أن يصبح المسؤول السابق مطالباً بتوضيح روايته، يجد الصحفي نفسه مضطراً إلى الدفاع عن معلومات لم يتحقق منها بما يكفي.

وهذا، في نظري، أحد أبرز مواطن الضعف التي كشفها الحوار.

 رسالة جمال بنعمر.. خطأ في التوثيق منح الضيف فرصة للهروب من المساءلة

من أبرز اللحظات التي أثارت الانتقاد اعتماد المهداوي على رسالة متداولة نُسبت إلى المعتقل السياسي السابق والدبلوماسي جمال بنعمر، وتضمنت اتهامات لمحمود عرشان بالارتباط بممارسات التعذيب داخل معتقل درب مولاي الشريف.

لكن التطور الحاسم جاء يوم السبت 24 أكتوبر 2026، عندما نفى جمال بنعمر بشكل قاطع علاقته بالرسالة، مؤكداً أنها ملفقة، وأنه لم يكتبها أو ينشرها.

وقد نقلت عدة منابر إعلامية هذا النفي، وهو ما يجعل الاستناد إلى الرسالة مثالاً واضحاً على مخاطر استخدام وثائق غير موثقة في حوار يتناول اتهامات تاريخية خطيرة.

ولا يعني نفي بنعمر للرسالة تبرئة عرشان من الاتهامات الأخرى التي وردت في شهادات حقوقية مستقلة، كما لا يثبت صحة تلك الاتهامات. إنه يعني ببساطة أن النص المتداول لا يجوز الاستشهاد به بوصفه شهادة صادرة عن بنعمر.

وهنا تكمن المشكلة المهنية: عندما يستخدم الصحفي وثيقة غير صحيحة، فإنه لا يضعف سؤاله فحسب، بل قد يمنح ضيفه فرصة للتشكيك في بقية المعطيات، حتى تلك التي تستحق الفحص والتدقيق.

وكان الأجدر التحقق من الرسالة بالاتصال بصاحبها قبل استخدامها، خصوصاً أن الأمر يتعلق باتهامات تمس السمعة والمسؤولية عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

والأكثر أهمية أن التمييز بين الوقائع والأشخاص كان يقتضي عدم الخلط بين قدور اليوسفي ومحمود عرشان عند استحضار واقعة الحضور في جنيف أمام لجنة مناهضة التعذيب. فالتدقيق في هوية المشاركين وفي تاريخ الاجتماع أمر أساسي، ولا يجوز بناء اتهام فردي على واقعة لم تُنسب بدقة إلى صاحبها.

لقد كان بالإمكان تجنب هذا المأزق بالعودة إلى الوثائق الأصلية، ومحاضر الهيئات الأممية، والشهادات المنشورة بأسماء أصحابها.

شيخ العرب و«DST».. عندما يصبح التاريخ امتحاناً للمحاور

لم تقتصر الإشكالات المثارة بشأن الحوار على رسالة جمال بنعمر، بل امتدت إلى وقائع تاريخية أخرى، من بينها الحديث عن مقتل المقاوم المعروف بشيخ العرب سنة 1964.

فقد أثار منتقدون تناقضاً زمنياً في رواية نُسبت إلى عرشان بشأن دور جهاز «DST» في تلك الأحداث، بالنظر إلى أن تأسيس هذا الجهاز بصيغته المعروفة جاء خلال سبعينيات القرن الماضي، أي بعد وفاة شيخ العرب.

وكان هذا التناقض يستدعي تدخلاً مباشراً من الصحفي، عبر طلب توضيح اسم الجهاز الذي كان قائماً سنة 1964، وطبيعة تدخل الأجهزة الأمنية آنذاك، وتحديد الأشخاص والمهام المعنية بالواقعة.

وقد تناول الباحث والفاعل الحقوقي لحسن بريم هذه النقطة ضمن ملاحظاته النقدية على الحوار، إلى جانب تساؤلات أخرى بشأن بعض الشهادات المتعلقة بماضي عرشان الأمني.

ولا يتعلق الأمر هنا بتصيد زلة تاريخية، وإنما بمبدأ مهني أساسي: كلما كانت الوقائع أقدم وأكثر حساسية، ازدادت ضرورة ضبط التواريخ والأسماء والمؤسسات.

فالتاريخ ليس مساحة مفتوحة للذاكرة الانتقائية، ولا يكفي أن يروي المسؤول السابق الأحداث من وجهة نظره حتى تتحول روايته إلى حقيقة ثابتة.

«أنا جزء من الدولة».. ماذا تغير بين الوظيفة الأمنية والمقعد البرلماني؟

من اللحظات اللافتة في النقاش العبارة المنسوبة إلى عرشان: «أنا جزء من الدولة»، والرد المنسوب إلى المهداوي: «أنا أيضاً جزء من الدولة».

وإذا صحت هذه الصياغة كما تداولها متابعون للحوار، فإنها تختزل إشكالية أوسع من مجرد سجال لفظي.

فأن يكون الإنسان جزءاً من مؤسسات الدولة، أو أن يتولى مسؤولية عمومية، لا يعني أن موقعه يمنحه حصانة من المساءلة أو سلطة خاصة على كتابة التاريخ.

كما أن انتقال مسؤول أمني سابق إلى العمل الحزبي والتمثيل البرلماني لا يكفي وحده لإثبات حصول تحول في ثقافته السياسية أو طريقة تعامله مع الاختلاف والنقد.

لا يجوز الحكم على هذا التحول من خلال المهنة السابقة وحدها، وإنما من خلال الممارسة الفعلية: هل يقبل المسؤول النقد؟ هل يتعامل مع الاتهامات بالوثيقة والحجة؟ هل يعترف بحق الضحايا في التعبير؟ وهل ينظر إلى المساءلة باعتبارها جزءاً من الديمقراطية أم تهديداً لهيبة السلطة؟

هذه هي الأسئلة التي كان ينبغي أن تتصدر الحوار.

فالبرلمان ليس امتداداً لمكتب الشرطة، كما أن الشرعية الانتخابية لا تعفي أصحابها من المسؤولية الأخلاقية والسياسية عن مواقفهم وتصريحاتهم.

وفي المقابل، لا يجوز تحويل الماضي المهني إلى إدانة تلقائية. فالمسؤولية الفردية عن الانتهاكات لا تثبت بالانطباعات أو التصنيفات، وإنما بالأدلة والشهادات التي يجري التحقق منها وفق ضمانات العدالة.

لماذا غابت شهادات الضحايا ووثائق هيئة الإنصاف والمصالحة؟

المفارقة أن الحوار تناول إحدى أكثر مراحل التاريخ المغربي توثيقاً وشهادة، ومع ذلك لم تظهر فيه، بالقدر الكافي، الأدوات التي تسمح بمناقشة الروايات المتعارضة على أساس معرفي متين.

لقد راكم المغرب، منذ سنوات، مادة وثائقية وحقوقية مهمة حول الاعتقال السياسي والاختفاء القسري والتعذيب، سواء عبر شهادات المعتقلين السابقين أو تقارير المنظمات الحقوقية أو أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة.

وكان بالإمكان إعداد ملف صحفي يضم شهادات منشورة بأسماء أصحابها، والتواريخ المؤكدة، والوقائع التي تناولتها التقارير الرسمية، والأسئلة التي بقيت دون أجوبة.

وكان من الممكن أيضاً الاستعانة بباحثين في التاريخ الحقوقي المغربي أو متخصصين في العدالة الانتقالية، حتى لا تتحول المقابلة إلى مواجهة غير متكافئة بين الذاكرة الشخصية للضيف والمعرفة المحدودة للمحاور.

فالمساءلة المهنية لا تعني أن يرفع الصحفي صوته أو يحرج ضيفه بأي وسيلة، بل أن يضعه أمام وقائع واضحة وأسئلة دقيقة، وأن يمنحه الوقت الكافي للرد عليها.

لقد كان من الممكن أن يتحول اللقاء إلى وثيقة تاريخية ذات قيمة، لو جرى تنظيمه حول محاور محددة: المسار المهني، وطبيعة المسؤوليات، وشهادات الضحايا، والتناقضات التاريخية، وحصيلة العدالة الانتقالية.

لكن توسيع النقاش نحو آراء الضيف في شخصيات سياسية وأحداث متفرقة أبعد المقابلة، في تقديري، عن موضوعها الأكثر أهمية.

ومن هنا يحق لنا التساؤل: ما القيمة الصحفية المضافة لمعرفة رأي عرشان في هذا السياسي أو ذاك، إذا كانت الأسئلة الجوهرية المتعلقة بماضيه الأمني لم تُستوفَ بما يكفي من البحث والتوثيق؟

هل أصبحت الانتقادات المهنية خدمة لخصوم المهداوي؟

لا يقل أهمية عن الحوار ذاته النقاش الذي أعقبه، خصوصاً ما نُسب إلى المهداوي من ربط بعض الانتقادات الموجهة إليه بخدمة خصومه، وفي مقدمتهم عبد اللطيف وهبي.

وإذا كان المهداوي يرى أن أطرافاً سياسية تستغل الجدل لتصفية حسابات معه، فمن حقه التعبير عن هذا الموقف وتقديم ما يسنده من معطيات.

لكن لا يصح، في المقابل، اعتبار كل نقد مهني للحوار جزءاً من حملة سياسية ضده.

فالمطالبة بالتحقق من رسالة جمال بنعمر ليست موقفاً مؤيداً لوهبي أو معادياً للمهداوي. والدعوة إلى الاستناد إلى تقارير هيئة الإنصاف والمصالحة ليست خدمة لأي حزب أو شخصية سياسية. وانتقاد ضعف التحضير لا يعني إنكار حق الصحفي في ممارسة عمله.

إن تحويل النقد الصحفي إلى مسألة ولاء سياسي ينقل النقاش من السؤال المهني إلى صراع النوايا والاصطفافات.

والأخطر في هذا المنطق أنه قد يؤدي إلى إلغاء حق النقد المستقل: فمن ينتقد الحوار يصبح خصماً، ومن يطالب بالوثائق يصبح متهماً بخدمة جهة سياسية، ومن يشير إلى خطأ مهني يُطلب منه أولاً إثبات براءته من حسابات الآخرين.

وهذا لا يخدم الصحافة ولا الحقيقة.

إن المعيار الوحيد الذي ينبغي اعتماده هو مدى صحة الملاحظة المهنية، بصرف النظر عن هوية صاحبها أو علاقته بالصحفي.

فإذا كانت الوثيقة غير صحيحة، ينبغي الاعتراف بذلك وتصحيح الخطأ. وإذا كان السؤال ناقصاً، فلا حرج في الإقرار بإمكانية طرحه بصورة أفضل. وإذا كان النقد غير منصف، فالرد عليه يكون بالحجة، لا بإلحاق صاحبه بخصوم سياسيين.

ومع ذلك، فإن نسبة هذا التفسير إلى المهداوي تستلزم الرجوع إلى تصريحه الأصلي، لأن الجدل المتداول لا يكفي وحده لتحديد عباراته ومقصده بدقة.

الضحايا ليسوا مجرد مادة للفرجة الإعلامية

في خضم هذا النقاش، يبرز خطر أخلاقي يتمثل في تحويل سنوات الرصاص إلى موضوع للإثارة الإعلامية، بينما تتراجع معاناة الضحايا وعائلاتهم إلى خلفية المشهد.

فالتعذيب والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي ليست مجرد وقائع مثيرة تصلح للعناوين أو للمواجهات التلفزيونية، وإنما انتهاكات تركت آثاراً عميقة في حياة أشخاص وأسر وأجيال كاملة.

ولذلك، فإن استضافة مسؤول سابق ورد اسمه في شهادات عن هذه المرحلة تتطلب مسؤولية مضاعفة، لا لأن الصحفي مطالب بإدانته، بل لأنه مطالب بحماية دقة النقاش وكرامة جميع الأطراف.

وقد أعاد الجدل الذي أثارته تصريحات عرشان التأكيد على استمرار حساسية هذا الملف، خصوصاً بعد صدور مواقف حقوقية اعتبرت أن خطاب التخوين الموجه إلى المنتقدين يتعارض مع روح الحقيقة والإنصاف والمصالحة.

ومن المهم هنا ألا يتحول الدفاع عن ذاكرة الضحايا إلى تبرير للتشهير بالأشخاص دون دليل، كما لا يجوز أن يتحول احترام قرينة البراءة إلى ذريعة لإسكات الضحايا أو التقليل من شهاداتهم.

فالحقيقة تتطلب الاستماع إلى جميع الأطراف، لكنها تتطلب أيضاً التعامل النقدي مع جميع الروايات.

حرية الصحافة لا تعفي من واجب المساءلة

قد يدافع المهداوي عن اختياره باستضافة عرشان باسم حرية الصحافة وحق الجمهور في الاستماع إلى مختلف الآراء والروايات.

وهذا دفاع مشروع من حيث المبدأ.

لكن حرية الصحافة لا تعني أن الصحفي فوق النقد، ولا أن كل مقابلة تصبح ناجحة لمجرد أنها أثارت الجدل وحققت انتشاراً واسعاً.

فالمهنية الصحفية تقاس بمدى التحقق من المعلومات، ودقة الأسئلة، والقدرة على إدارة النقاش، والتمييز بين الوقائع والآراء، والتعامل المسؤول مع الاتهامات الخطيرة.

ولهذا، فإن انتقاد حوار المهداوي مع عرشان ليس دعوة إلى منع مثل هذه المقابلات، ولا مطالبة بفرض رقابة على الضيوف، بل هو دفاع عن حق الجمهور في صحافة أكثر استعداداً ودقة وقدرة على مساءلة السلطة ورواياتها.

إن الصحفي الذي يقبل مساءلة المسؤولين ينبغي أن يقبل بدوره مساءلة اختياراته المهنية.

ولا يعني ذلك الانتقاص من مساره أو التشكيك في نواياه، وإنما الاعتراف بأن العمل الصحفي ممارسة قابلة للتقييم والمراجعة والتصحيح.

من يحاكم الروايات حين يعجز الحوار عن اختبارها؟

لقد كان حوار حميد المهداوي مع محمود عرشان فرصة لإعادة طرح أسئلة مهمة حول سنوات الرصاص، والعلاقة بين الوظيفة الأمنية والتمثيل السياسي، وحدود المسؤولية الفردية عن انتهاكات الماضي.

لكنه، في تقديري، لم يستثمر هذه الفرصة بالعمق الذي تقتضيه حساسية الموضوع.

فقد كشفت المقابلة عن اختلال في ميزان التحضير والمعرفة، وعن صعوبة في مواجهة النفي المتكرر بأسئلة موثقة، وعن خطورة الاستناد إلى رسالة ثبت أن جمال بنعمر ينفي نسبتها إليه.

كما أظهرت الحاجة إلى إعادة الاعتبار للبحث التاريخي والشهادة الحقوقية والوثيقة الأصلية في كل نقاش يتعلق بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

ولا ينبغي أن تكون النتيجة المطالبة بإسكات محمود عرشان أو منع المهداوي من محاورته. على العكس، يمكن أن تكون مثل هذه الحوارات ضرورية، لكن بشرط أن تُعد بجدية توازي خطورة موضوعها.

فالمصالحة مع الماضي لا تعني تصديق كل شهادة دون فحص، ولا قبول كل نفي دون مساءلة. كما أن الانتقال من المنصب الأمني إلى المقعد البرلماني لا يحسم وحده أسئلة المسؤولية والمحاسبة.

إن المسألة، في نهاية المطاف، أكبر من صحفي وضيف، وأعمق من مقابلة أثارت جدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي.

إنها تتعلق بحق المجتمع في معرفة تاريخه، وبحق الضحايا في ألا تُهمش شهاداتهم، وبحق الأشخاص المتهمين في الرد والدفاع عن أنفسهم، وبمسؤولية الصحافة في التمييز بين الحقيقة والادعاء.

والسؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس فقط: هل كان من حق المهداوي أن يحاور عرشان؟

بل أيضاً: هل امتلك من المعرفة والوثائق والصرامة المهنية ما يسمح بتحويل تلك المقابلة إلى مساءلة حقيقية؟

فالصحافة لا تحاكم الأشخاص، لكنها تحاكم الروايات بالوقائع. ولا تصنع الحقيقة بالصوت المرتفع، بل بالوثيقة الدقيقة والسؤال الذي لا يكتفي بإنكار الضيف أو تأكيده.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى