افتتاحية

الصحراء بعد تعثر مجلس الأمن: رؤية الملك محمد السادس ومستقبل الملف في ضوء مسارات المرحلة المقبلة

الحنبلي عزيز -تنوير | مقال رأي

  في جلسته التي عُقدت في 30 أكتوبر 2026، لم يتمكن مجلس الأمن من التوصل إلى توافق بشأن تمديد مهمة بعثة “مينورسو”. حيث استخدمت روسيا حق النقض ضد المشروع الذي قدمته الولايات المتحدة، بينما لم يتمكن المشروع الروسي من الحصول على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده. وبالتالي، انتهت الولاية المحددة للبعثة في 31 أكتوبر دون أن يتوصل المجلس إلى صيغة بديلة. إلا أن هذا الجمود لا يعني أن النزاع قد تم حله، أو أن آثاره السياسية والقانونية قد اختفت تلقائياً.

وفي هذا السياق، اعتبر بلاغ الديوان الملكي عدم التجديد بمثابة تطور بارز في قضية الصحراء المغربية، مع التأكيد على ضرورة استمرار الدينامية الدبلوماسية والالتزام بوقف إطلاق النار. كما ألقى الملك محمد السادس خطاباً أمام البرلمان في 9 أكتوبر، وهو الخطاب الذي جاء قبل جلسة المجلس ولم يتناول نتائجها، لكنه أكد على أولويات ستكتسب أهمية في المرحلة القادمة، مثل العمل الميداني، والاستماع للاحتياجات المحلية، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتقديم حلول عملية.

يتبقى استئناف المشاورات داخل مجلس الأمن كأحد الخيارات المتاحة، عن طريق البحث عن صيغة توافقية جديدة، قد تتضمن تمديداً مؤقتاً أقصر أو إعادة النظر في مهام البعثة. وقد تم اقتراح خيار تمديد لمدة ستة أشهر قبل التصويت، من أجل منح مزيد من الوقت لدراسة مستقبل “مينورسو”، ولكنه لم يتحول إلى قرار رسمي. وأي مشروع جديد يتطلب الحصول على تسعة أصوات مؤيدة على الأقل، بالإضافة إلى عدم استخدام أي من الأعضاء الدائمين حق النقض ضده.

في الوقت نفسه، تبرز الحاجة إلى إعادة إحياء المسار السياسي. ويظل القرار 2797 مرجعاً أساسياً، حيث دعا إلى إجراء مفاوضات يكون فيها مقترح الحكم الذاتي المغربي هو الأساس، مع السعي إلى إيجاد حل سياسي عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف، يتيح تقرير المصير لشعب الصحراء الغربية. وهذا يعني أن أي تسوية تتطلب التفاوض والموافقة السياسية؛ فلا انتهاء ولاية البعثة ولا تعثر مشروع القرار يمكن أن يحل النزاع بمفرده.

تكتسب أهمية العمل الميداني، الذي أشار إليه الخطاب الملكي، دلالة كبيرة في هذا الإطار. حيث إن المفاوضات لن تحقق تقدماً ملموساً إذا اقتصر الأمر على تبادل المواقف، بينما يتطلب الوضع الحالي اتخاذ خطوات تعزز الثقة وتظهر أثر أي تقدم على حياة السكان، سواء في الأقاليم الجنوبية أو في مخيمات اللاجئين.

أي ترتيبات مستقبلية قد تشمل تسهيل وصول المنظمات الإنسانية والدولية، وحماية المدنيين، وتعزيز الشفافية في متابعة الأوضاع الحقوقية، بالإضافة إلى معالجة قضايا اللاجئين ولمّ شمل الأسر. ويمكن أن تساهم هذه التدابير في بناء الثقة، لكنها تبقى مكملة للمسار السياسي ولا يمكنها أن تحل محله.

أما على الصعيد الأمني، فتحتاج المرحلة إلى إقامة قنوات اتصال واضحة بين الأطراف، وآليات للتحقق من الحوادث العسكرية، واستمرار جهود إزالة الألغام ومخلّفات الحرب. فقد استمرت “مينورسو” في مراقبة التطورات العسكرية والتحقيق في الحوادث والإبلاغ عنها، ولعبت دوراً في تخفيف التوتر، على الرغم من انهيار وقف إطلاق النار منذ عام 2020. إن غياب صيغة متفق عليها للرصد يمكن أن يؤدي إلى فجوة ميدانية، مما يجعل البحث عن بدائل عملية أمراً ضرورياً.

في النهاية، لم يقرّ مجلس الأمن بعد مساراً جديداً. وستعتمد المرحلة المقبلة على قدرة أعضائه على تجاوز الخلافات، وعلى استعداد الأطراف لاستئناف المفاوضات. والتحدي الذي يتماشى مع أولويات الخطاب الملكي هو تحويل أي فرصة سياسية إلى عمل ميداني وتنمية أكثر إنصافاً تلبي احتياجات السكان. فرغم أن تعثر المجلس قد يفتح باباً لمرحلة جديدة، إلا أنه لا يمكنه بمفرده تحقيق الحل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى