اخبار دولية
الجيش الجزائري يعبر حدود النيجر لأول مرة منذ 1973.. تحرك عسكري يثير تساؤلات أوروبية ومخاوف بشأن مستقبل الساحل الإفريقي

الحنبلي عزيز –تنوير | متابعة
دخلت العلاقات الأمنية في منطقة الساحل الإفريقي مرحلة جديدة، بعد وصول أول قافلة عسكرية جزائرية إلى مدينة أرليت شمال غرب النيجر، في تطور غير مسبوق يعيد القوات الجزائرية إلى العمليات العسكرية خارج الحدود، لأول مرة منذ مشاركتها في دعم مصر خلال حرب أكتوبر 1973.
وأثار هذا التحرك تساؤلات بشأن أهداف الانتشار العسكري الجزائري وحدوده ومدته، ومدى انعكاساته على التوازنات الأمنية والسياسية في منطقة تعاني أصلاً من اضطرابات متواصلة ونشاط متصاعد للجماعات المسلحة، فيما طالب الاتحاد الأوروبي بتوضيحات بشأن طبيعة العملية وإطارها القانوني.
قوات جزائرية تصل إلى أرليت وسط غموض بشأن حجم الانتشار
وأفادت تقارير إعلامية، استناداً إلى شهادات أشخاص، بأن قافلة عسكرية جزائرية وصلت إلى مدينة أرليت، المعروفة بمناجم اليورانيوم، في شمال غرب النيجر، دون الكشف عن عدد الجنود المشاركين أو طبيعة المعدات العسكرية التي رافقتهم.
ويشكل هذا الانتشار تحولاً لافتاً في العقيدة العسكرية الجزائرية، التي ارتبطت لعقود بمبدأ عدم التدخل العسكري المباشر خارج الحدود الوطنية.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أعلن، يوم 26 أكتوبر 2026، قرار إرسال وحدات من الجيش إلى النيجر، عقب موافقة غرفتي البرلمان الجزائري على العملية، استجابة لطلب من السلطات النيجرية، وبهدف معلن يتمثل في حماية المصالح الاقتصادية والطاقية المشتركة بين البلدين.
ورغم الطابع الرسمي للقرار، لم تعلن السلطات الجزائرية تفاصيل كافية بشأن حجم القوة المنتشرة، والمهام المحددة لها، والمدة الزمنية التي ستستغرقها العملية، الأمر الذي يثير تساؤلات بشأن ما إذا كان الأمر يتعلق بمهمة مؤقتة لحماية منشآت استراتيجية، أم ببداية حضور عسكري جزائري أوسع في منطقة الساحل.
بروكسل تطالب الجزائر بتوضيحات وتحذر من تعقيد الوضع الأمني
ولم يمر الانتشار العسكري الجزائري دون إثارة اهتمام المؤسسات الأوروبية، إذ أعلن الاتحاد الأوروبي متابعته للتطورات، مطالباً بتوضيحات بشأن نطاق العملية العسكرية وأهدافها والأسس القانونية المنظمة لها.
وأكد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، أنور العنوني، خلال مؤتمر صحفي في بروكسل يوم 30 أكتوبر 2026، ضرورة احترام القانون الدولي وسيادة الدول وحماية المدنيين، مشدداً على أهمية أن تكون الإجراءات العسكرية والأمنية شفافة ومتناسبة مع التحديات القائمة.
ويعكس هذا الموقف الأوروبي حساسية التحركات العسكرية العابرة للحدود في منطقة الساحل، خصوصاً في ظل تعدد الفاعلين الإقليميين والدوليين وتداخل المصالح الأمنية والاقتصادية.
ورغم أن العملية جاءت، وفق البيان الجزائري، بطلب من السلطات النيجيرية، فإن التساؤلات بشأن طبيعة الانتشار وحدوده تبقى مطروحة، في انتظار إعلان تفاصيل الاتفاقات العسكرية التي تنظم وجود القوات الجزائرية داخل أراضي النيجر.
حماية استثمارات سوناطراك أم توسيع النفوذ الجزائري؟
تقدم الجزائر حماية مصالحها الاقتصادية والطاقية باعتبارها المبرر الرئيسي لهذا الانتشار العسكري، خصوصاً مع وجود استثمارات لشركة سوناطراك الحكومية في النيجر.
ويبرز في هذا السياق مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء، الذي يجمع الجزائر والنيجر ونيجيريا، ويهدف إلى نقل الغاز النيجيري عبر الأراضي النيجيرية والجزائرية نحو الأسواق الأوروبية والدولية.
ويكتسي المشروع أهمية استراتيجية بالنسبة إلى الجزائر، التي تسعى إلى تعزيز موقعها في سوق الطاقة الدولية وتطوير شراكاتها الاقتصادية مع الدول الإفريقية.
غير أن الربط بين حماية المصالح الاقتصادية ونشر قوات عسكرية خارج الحدود يفتح نقاشاً أوسع حول طبيعة الدور الذي تسعى الجزائر إلى ممارسته في المنطقة.
فبينما ترى السلطات الجزائرية أن حماية هذه المشاريع تستوجب تعاوناً أمنياً مباشراً مع نيامي، تطرح هذه الخطوة تساؤلات بشأن احتمال تحول المصالح الطاقية إلى مدخل لتعزيز الحضور العسكري والنفوذ السياسي في دول الساحل.
من توتر دبلوماسي إلى تعاون عسكري مباشر
يأتي الانتشار العسكري الجزائري في سياق تحسن العلاقات بين الجزائر والنيجر، بعد مرحلة من التوتر الدبلوماسي أعقبت انقلاب يوليوز 2023، الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم وأوصل قيادة عسكرية إلى السلطة في نيامي.
وكانت الجزائر قد عارضت الانقلاب في بدايته، قبل أن تعرف العلاقات بين البلدين تحولات تدريجية، في ظل المصالح الأمنية المشتركة والتحديات المرتبطة بضبط الحدود ومواجهة الجماعات المسلحة.
وزادت العلاقات تعقيداً خلال السنة الماضية، عندما استدعت النيجر سفيرها لدى الجزائر، على خلفية أزمة دبلوماسية مرتبطة باتهام مالي للجزائر بإسقاط طائرة مسيّرة قرب الحدود.
غير أن الأشهر الأخيرة شهدت تقارباً جديداً تُوّج بتكثيف الاتصالات العسكرية وتوقيع بروتوكول للتعاون الدفاعي بين البلدين خلال أكتوبر 2026، قبل الإعلان عن إرسال القوات الجزائرية.
ويشير هذا التطور إلى تحول العلاقات من التنسيق الأمني التقليدي إلى تعاون عسكري ميداني مباشر، في خطوة قد تؤثر في التوازنات الإقليمية القائمة.
الساحل الإفريقي بين خطر الجماعات المسلحة وحسابات القوى الإقليمية
تواجه النيجر، شأنها شأن مالي وبوركينا فاسو، تهديدات أمنية متزايدة من جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيمي القاعدة والدولة الإسلامية، في منطقة شهدت خلال السنوات الماضية هجمات متكررة وتدهوراً في الوضع الإنساني والأمني.
وتعتبر الجزائر استقرار النيجر مسألة مرتبطة بأمنها القومي، بحكم الحدود المشتركة والمصالح الاقتصادية الممتدة نحو عمق الصحراء الإفريقية.
لكن التجارب الأمنية في منطقة الساحل تبرز أن مواجهة الجماعات المسلحة لا ترتبط بالحلول العسكرية وحدها، بل تستدعي معالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تغذي عدم الاستقرار.
وفي هذا السياق، قد يساهم التعاون العسكري الجزائري النيجري في تعزيز حماية المنشآت الاستراتيجية، لكنه يطرح أيضاً تحديات مرتبطة بالتنسيق بين الجيوش، وتحديد نطاق العمليات، وتجنب أي احتكاكات من شأنها تأجيج التوترات الإقليمية.
هل يشكل دخول الجيش الجزائري بداية انتشار طويل الأمد؟
يبقى مستقبل القوات الجزائرية داخل النيجر أبرز الأسئلة المطروحة، خصوصاً في ظل عدم الإعلان عن جدول زمني واضح لإنهاء المهمة العسكرية.
كما يثير هذا التحرك تساؤلات بشأن مدى إمكانية تكرار التجربة في دول أخرى بالمنطقة، وما إذا كانت الجزائر تتجه نحو مراجعة تدريجية لمقاربتها التقليدية القائمة على إعطاء الأولوية لحماية حدودها الوطنية.
وفي انتظار اتضاح طبيعة المهمة العسكرية، تظل مسألة السيادة الوطنية للنيجر واحترام الاتفاقات الثنائية والقانون الدولي عناصر أساسية لتقييم مشروعية الانتشار وحدوده.
إن دخول القوات الجزائرية إلى النيجر، وإن جاء في إطار تعاون رسمي بين البلدين، يمثل تحولاً استراتيجياً يستوجب الوضوح والشفافية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بوجود عسكري أجنبي داخل منطقة تعيش على وقع أزمات أمنية متشابكة.
وبين حماية أنابيب الغاز والمصالح الاقتصادية، والتنافس على النفوذ الإقليمي، ومخاوف اتساع دائرة الاضطرابات، يقف الساحل الإفريقي أمام معادلة حساسة، عنوانها ضرورة الموازنة بين التعاون الأمني واحترام سيادة الدول، حتى لا تتحول العمليات العسكرية المؤقتة إلى مصدر جديد للتوتر وعدم الاستقرار.




