وجهة نظر

خيانة العهد: تأملات في مسؤولية الوعد الإنساني العهد كأساس للوجود الإنساني بقلم: هشام فرجي

منذ فجر الحضارات، اعتُبر العهد ركيزة أساسية في بناء المجتمعات، إذ لا يقوم اجتماع بشري مستقر دون ثقة متبادلة تحفظ الحقوق وتضبط الواجبات. في “الجمهورية” لأفلاطون، يظهر العدل بوصفه التزام كل فرد بدوره، وهو في جوهره وفاء بعهد ضمني يحفظ توازن المدينة. أما أرسطو في “الأخلاق النيقوماخية”، فيربط الصداقة بالثقة والالتزام، كأنها عقد أخلاقي غير مكتوب قوامه الوفاء.

وفي التراث العربي الإسلامي، يتجلى العهد في بعده المقدس من خلال النص القرآني: “وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولاً” (سورة الإسراء: 34). هنا يصبح العهد مسؤولية مزدوجة: أمام الضمير وأمام الله، وأمام المجتمع والتاريخ.

أدبيًا، تتجسد خيانة العهد في أعمال كبرى. في “هاملت” لويليام شكسبير، تؤدي خيانة العهد الأخوي إلى انهيار المملكة بأكملها. وفي “الجريمة والعقاب” لفيودور دوستويفسكي، يخون البطل عهده مع ضميره، فيتحول الصراع إلى عذاب داخلي يدفعه إلى حافة الجنون. العهد هنا ليس رابطة خارجية فحسب، وإنما هو جزء من هوية الإنسان؛ وخيانته تمزق الذات قبل أن تمزق الآخرين.

ويرى إيمانويل كانط في “نقد العقل العملي” أن الوفاء بالعهد واجب أخلاقي مطلق. فالوعد، عنده، هو مبدأ كوني وليس رهين المنفعة فقط ؛ ولو عمّت الخيانة لاستحال قيام أي مجتمع. فخيانة العهد هي انهيار للقانون الأخلاقي ذاته الذي يجعل الإنسان إنسانًا.

في المقابل، يطرح فريدريك نيتشه في “هكذا تكلم زرادشت” رؤية نقدية، إذ يرى أن بعض العهود قد تكون قيودًا تكبل “الإرادة إلى القوة”. ومع ذلك، لا يمجد الخيانة العبثية، وإنما يعتبرها دليلاً على ضعف الإرادة لا قوتها.

أما جان بول سارتر في “الوجود والعدم”، فيؤكد أن الإنسان حر ومسؤول بالكامل عن اختياراته. إذ خيانة العهد هنا فعل حر، لكنه محمّل بمسؤولية كاملة؛ فلا قدر يبررها ولا ضرورة تفرضها، حيث هي تعبير عن “سوء النية” الذي يخدع الإنسان نفسه أولاً.

وفي الفكر العربي الحديث، ناقش محمد عابد الجابري في “نقد العقل العربي” أزمة العهود السياسية والاجتماعية، معتبرًا أن خلل الوفاء بها يعكس انفصامًا في بنية العقل الثقافي ذاته، حيث يصبح العهد أداة للاستبداد بدلاً من التحرر. كذلك، في أعمال أدونيس الشعرية، تظهر خيانة العهد كرمز للاغتراب، حيث يخون الإنسان عهده مع الطبيعة والتاريخ، مما يولد فراغًا روحيًا عميقًا.

والعهد لا يبقى في حدود التأمل النظري، بل يتجسد في عقود يومية لا تقوم إلا به. فالعقد بلا وفاء يفقد روحه وإن بقي شكله، وإذا بني على عهد أو شرط ولم يوفَ به أصبح عقدًا باطلاً شرعًا، حسب طبيعة الشرط وأحكام الفقه الإسلامي. دعونا نستعرض أمثلة كثيرة من هذه العقود، مستندين إلى التراث الفقهي والفلسفي:

  1. عقد الزواج:  يُعد الزواج أبرز مثال على عقد يقوم على عهد الإخلاص والرعاية المتبادلة. في التراث الإسلامي، كما في فقه ابن حزم، يُعتبر الزواج عهدًا مقدسًا يتطلب الوفاء بالحقوق الزوجية، مثل الإنفاق والاحترام. وخيانة العهد هنا، كالخيانة الزوجية، لا تُبطل العقد فحسب، وإنما  تدمر الأسرة ككل، كما يصور دوستويفسكي في رواياته الانهيار العاطفي الناتج عن الخيانة. في الفقه الإسلامي، يُعد الوفاء بالشروط الصحيحة أساسًا لصحة العلاقة واستمرارها، فإذا خُون العهد أو الشرط، أصبح العقد باطلاً شرعًا.

  2. عقود البيع والشراء:  في التجارة، يعتمد عقد البيع على العهد بالصدق في الوصف والتسليم. كما يوضح ابن خلدون في “المقدمة”، فإن الاقتصاد ينهار إذا خُون العهد في المعاملات. مثال ملموس: بيع سيارة مع وعد بسلامتها، فإذا ثبت العكس، يُبطل العهد العقد أخلاقيًا وقانونيًا، مما يؤدي إلى دعاوى قضائية.
  3. الوصية:  هي عهد يُعقد مع الورثة أو المستفيدين، يتطلب الوفاء بتوزيع الميراث كما حدده المتوفى. في الفقه الإسلامي، كما في “المغني” لابن قدامة، تكون الوصية صحيحة فقط إذا وُفي بها دون تحريف، وخيانتها تعتبر سرقة أخلاقية، إذ تثير نزاعات عائلية كما في قصص شكسبير عن الميراث.
  4. الهبة:  عقد يعتمد على العهد بالعطاء دون مقابل، كما في الهبة الخيرية. وخيانة العهد هنا، مثل استرجاع الهدية، تُبطل جوهر العقد، وتُعتبر في الفلسفة الكانطية انتهاكًا للواجب الأخلاقي، مما يفقد الثقة في العلاقات الاجتماعية.
  5. عقود التوظيف:   يقوم عقد العمل على العهد بالأداء المهني مقابل الراتب. وخيانة العهد، كالإهمال أو الكشف عن الأسرار المهنية او أسرار الشركة، تُبطل العقد، كما يصف نيتشه في نقده للعلاقات الاجتماعية كيف تكون هذه الخيانات علامة على الضعف الإنساني.
  6. الشراكات التجارية:  مثل شراكة في مشروع، تعتمد على العهد بالمساهمة المتساوية مثلا. ففي الاقتصاد الحديث، كما في أفكار آدم سميث في “ثروة الأمم”، تنهار الشراكة إذا خُون العهد، مما يؤدي إلى خسائر مالية وفقدان الثقة.
  7. الاتفاقيات الدولية:  كمعاهدات السلام، تقوم على العهد بالاحترام المتبادل. حيث خيانة العهد هنا، كما في تاريخ الحروب، تؤدي إلى صراعات عالمية، مستذكرين فلسفة توماس هوبز في “الليفياثان” عن الحاجة إلى عهود قوية لتجنب الفوضى.
  8. العهود الطبية:  مثل سرية المريض في عقد الرعاية الصحية. فخيانة العهد تُبطل الثقة في النظام الطبي، كما يناقش ميشيل فوكو في “تاريخ الجنون” كيف تكون الخيانات مؤشرًا على فساد المؤسسات.
  9. عقود الإيجار :  يعتمد على العهد بدفع الإيجار مقابل الحفاظ على الممتلكات. إذ خيانة العهد، مثل التخريب، تُبطل العقد وتثير نزاعات قانونية.
  10. العهود التعليمية:  كعقد بين المعلم والتلميذ، يتطلب الوفاء بالتعليم مقابل الالتزام. وخيانة العهد هنا تؤثر على نمو الأجيال، كما يصف أفلاطون في “الجمهورية”.

هذه الأمثلة تبرز أن العقود هي عهود حية، وصحتها مرهونة بالوفاء بها، مما يعزز الاستقرار الاجتماعي.

 أما على المستوى الاجتماعي، فتؤدي خيانة العهد إلى تفكك الروابط، كما يصف ابن خلدون في “المقدمة” كيف أن خيانة العهود بين القبائل تؤدي إلى سقوط الدول. وفي عصرنا، نرى ذلك في الأزمات السياسية، حيث تخون الحكومات عهودها مع الشعوب، مما يولد ثورات وفوضى. ونفسيًا، تعاني الضحية من الخيانة من فقدان الثقة، كما في دراسات سيغموند فرويد حول اللاوعي، حيث تصبح الخيانة جرحًا يعيق النمو العاطفي.

أما الخائن نفسه، فهو يدفع ثمنًا باهظًا. ففي رواية “1984” لجورج أورويل، تتحول الخيانة إلى أداة سياسية تسحق الفرد وتعيد تشكيل وعيه، مما يحوله إلى قشرة فارغة. وهذا يذكرنا بأن العهد مسؤول عن الحفاظ على السلام الداخلي؛ وخيانته تؤدي إلى القلق الوجودي، كما يصف سورين كيركجارد في “الخوف والرعد”.

في النهاية، إن العهد كان مسؤولاً، ويظل كذلك، عن بناء عالم أفضل. خيانته ليست نهاية، بل دعوة للتأمل والإصلاح. فالعهد ليس قيدًا يحد الحرية، وإنما شرطًا لوجودها المشترك. فبدون الوفاء، لا ثقة؛ وبدون الثقة، لا مجتمع. حيث إن مسؤولية العهد تمتد من الأسرة إلى الدولة، ومن الفرد إلى الإنسانية جمعاء.

وفي عصر السرعة والعولمة والتكنولوجيا، يصبح الوفاء قيمة مقاومة للانهيار الأخلاقي. وربما يكون الوفاء بالعهد – كما لمح دوستويفسكي – شكلاً من أشكال الجمال الذي ينقذ العالم: جمال الثبات، وجمال الصدق، وجمال الإنسان حين يكون على قدر كلمته.

فلنُعد الاعتبار للعهد، باعتباره جوهرًا إنسانيًا يحفظ كرامتنا ويصون عالمنا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى