مجتمع

عزوف عن الإنجاب وشتاء ديموغرافي في سويسرا

إنجاب الأطفال؟ لا شكرًا! شهادة رجلين في أوائل العشرينات اختارا العزوف عن الإنجاب، وخضعا لعملية قطع القناة الدافقة. يندرج هذا الخيار الجذري ضمن ظاهرة الانخفاض المستمر في معدلات المواليد. تحقيق حول الشتاء الديموغرافي في سويسرا.

عن -SWI swissinfo.ch

لم يتسرّع راوول في اتّخاذ قراره، وفكَّر فيه طويلًا. وقد تشجّع على إجراء عملية قطع القناة الدافقة بعد استماعه إلى شهادة صديق خضع لها. ويقول: “لم يوافق على قراري سوى ثالث طبيب للمسالك البولية استشرته، وبعد أن فرض عليّ فترة تفكير مدتها ثلاثة أشهر”.

قرار قاطع

وفقًا لقانون التعقيم الفدرالي  يمكن إجراء هذه العملية في سويسرا “لكل شخص راشد وبالغ (18 عامًا)، بعد إحاطته عن طبيعة التدخل الجراحي”، وتقديم موافقته الخطية ومع ذلك، يتعامل أطباء المسالك البولية وطبيباتها مع التعقيم بحذر، ويتبع الكثير منهم.هنّ إرشادات الجمعية الأوروبية لطب المسالك البولية، التي توصي بعدم إجراء عملية قطع القناة الدافقة لمن تقل أعمارهم عن 30 عامًا.

أمَّا والدا راوول، فكانا يفضّلان أيضًا أن يمنح نفسه مزيدًا من الوقت. ويقول راوول عبر الهاتف: “كان والدي متشككًا جدًا. وطلبت مني أمي تجميد الحيوانات المنوية، وهذا ما لم أفعله”. وبعد ست سنوات من العملية، بات راوول مقتنعًا بخياره أكثر من أي وقت مضى. وكذلك، شريكته.

ويقول: “لا نريد إنجاب أطفال في عالم رأسمالي، ليصبحوا أداة في نظام لا يترك مجالًا للحياة. إضافة إلى ذلك، فإن عدم إنجاب الأطفال يمنحني مزيدًا من الحرية، ومزيدًا من الوقت لأكرّسه للأنشطة الاجتماعية”.

ينتمي راوول إلى مجموعات ناشطة في مجال المناخ، ومناهضة لاستغلال الحيوانات. ويناضل من أجل حقوق الحيوانات، ويعمل في ملجأ الحيوانات، كو&كسيستر، في كانتون فو.

الأبوّة لا تعني السعادة

يقدّم أوليفر (اسم مستعار) شهادة مشابهة. فبعد تجاوزه سن العشرين بدأ يتساءل عن مستقبله، وعن مستقبل الكوكب. وفي هذه الفترة، بدأ أوليفر نشاطه في الأوساط النباتية (الفيغان)، والحركات المناهضة لاستغلال الحيوانات.

يقول الطالب الجامعي البالغ من العمر 30 عامًا: “خضعت لعملية قطع القناة الدافقة عندما كنت في الخامسة والعشرين. كنت آنذاك في كندا، حيث الإجراءات أقل تقييدًا. وقد وافق الطبيب على قراري بعد المقابلة فورًا. وأجرى العملية في اليوم نفسه”.

كان قراره أيضًا نابعًا من خياراته في الحياة. فهو متطوّع في عدة جمعيات، ولا يسمح له هذا الالتزام غير مدفوع الأجر بتأمين مستوى معيشة مناسب لعائلة. وليس أوليفر الشاب الوحيد في سويسرا، الذي يعيش هذا الوضع. فوفقًا لبيانات البحث الصحي الذي أجراه المكتب الفدرالي للإحصاء، ازدادت نسبة العزوف عن الإنجاب لدى الشباب من 20 إلى 29 عامًا، بنحو ثلاثة أضعاف بين 2013 و2023. واليوم، يبلغ معدّل العزوف في هذه الفئة العمرية 6،1.

وتتصدَّر ظروف العمل وصعوبة التوفيق بين العمل والأسرة قائمة عوامل العزوف عن الإنجاب. كما بات عدد أكبر من الشباب، يعتبر أن إنجاب طفل لا يعني بالضرورة حياة أفضل أو أجمل. ويرى البعض أن الأبوّة قد تؤثر سلبًا على مستوى السعادة، والعلاقة بين الشريكين، والمستقبل المهني.

عدم الاستقرار الاقتصادي والقلق المناخي

تؤكّد كليمانتين روسييه، مديرة معهد الديموغرافيا والاقتصاد الاجتماعي في جامعة جنيف، هذا الإطار العام. وتقول: “أحد الأسباب الرئيسية هو زيادة الاضطرابات الاقتصادية، كما شهدنا بعد الأزمة المالية في عامي 2008 و2009. وتكشف عدة دراسات أنَّ الفترات التي يزداد فيها الشعور بوجود مناخ من الاضطراب الاقتصادي الشديد تؤدي إلى انخفاض في عدد المواليد خلال الأشهر التسعة اللاحقة”.

وإلى جانب الأسباب الاقتصادية، كانت هناك مجموعة من العوامل الدافعة بأوليفر إلى التخلي عن فكرة الأبوة. يقول الناشط: “أنا قلق بشأن المستقبل. نحن نعيش أزمة مناخية، مع صيف يزداد حرارة عامًا بعد عام. كما أرى أن العالمَ يتجه نحو نوع من الفاشية”. وفي وقت فراغه يناضل ضد انعدام الأمن الغذائي عبر إعادة توزيع الطعام الذي تتخلص منه المتاجر الكبرى.

وهذا القلق ليس فرديًا، كما تؤكد كليمانتين روسييه، المديرة المشاركة في مركز “لايفز” السويسري للخبرة في أبحاث مسار الحياة. فتقول: “تزايد المخاوف المرتبطة بالأزمة المناخية هو أحد العوامل المؤثرة في قرار عدم إنجاب الأطفال. كما أن هناك عنصرًا آخر يُسمّى بالموجة النسوية الثالثة، التي تجلّت أيضًا في حركة #أنا أيضًا (‎#MeToo)، التي أعادت طرح مسألة أدوار الجنسين داخل العلاقة الزوجية، والأسرة”. وتلاحظ الأستاذة أن كثيرًا من الشابات لم يعدن يقبلن بتحمّل المسؤولية المزدوجة بين العمل والأسرة، في مجتمع ما تزال فيه المساواة بين الجنسين غير مكتملة.

وفي هذا السياق، يقول أوليفر إنه سعيد بتحمّل مسؤولية وسائل منع الحمل بنفسه، ما يخفف العبء عن شريكته. ويوضح الطالب الجامعي قائلًا: “إنها ممتنّة لي للغاية، إذ لا تضطر إلى استخدام حبوب منع الحمل، ولا تواجه خطر حمل غير مرغوب فيه”. وتشير روسييه إلى عدم تعلّق المسألة بعبء جسدي ونفسي فقط، بل بعبء اقتصادي أيضًا. وتضيف: “تُظهر الأبحاث أن تكاليف وسائل منع الحمل تقع في الغالب تقريبًا على عاتق النساء، ما يعزز تقاسمًا غير عادل للمسؤوليات”.

التحيّز والمفاهيم الجديدة للذكورية

يعمل يانِك بوم في مجال التربية الجنسية. ومنذ نحو عشر سنوات، يقدّم دورات فيها في المدارس، خصوصًا مع الفتيان. وفي الصف، يلاحظ نوعًا من التحيّز حول قضايا الجندر والجنسانيّة. فإلى جانب توجهات نسوية وتقدمية، يلحظ عودة نماذج عائلية، وأدوار أكثر تقليدية.

يقول هذا الشاب، البالغ من العمر 38 عامًا: “إنها ديناميات متناقضة. في الصف يمكن تمييز ثلاث مجموعات؛ ثلث يؤيد المساواة بين الجنسين والمفهوم الجديد للرجولة، وثلث لم يكوّن رأيًا واضحًا بعد. أمّا الثلث الأخير فمتأثر ببيئات، مثل المانوسفير أو الإنسل، المدافعة عن رؤى تقليدية، وغالبًا ما تكون ذكورية أو تمييزية ضد النساء”. ويضيف بوم، التوترات بين هذه المجموعات ملموسة، وتظهر خصوصًا في مواقف معادية للمثلية، وتميل إلى تعريف الرجولة من خلال التقليل من قيمة المثلية الجنسية، وكل ما يُنظر إليه على أنه أنثوي.

خلال دوراته، يتحدث المربّي عن الحياة الجنسية ويعرض مختلف وسائل منع الحمل. ويشير الخبير إلى أن هناك تراجع في استخدام حبوب منع الحمل في سويسرا لصالح وسائل أخرى، كالواقي الذكري واللولب، والطرق الطبيعية. ويشرح بوم، العضو في مجلس مؤسسة الصحة الجنسية في سويسرا: “لا يضمن الواقي الذكري أمانًا مطلقًا، إذ تصل احتمالية حدوث حمل غير مرغوب فيه إلى 15%. لهذا السبب، وفي ظلّ غياب وسائل بديلة كافية، قد يزداد في المستقبل عدد الشباب الذين يختارون إجراء عملية قطع القناة المنوية”.

وهذا اتجاه قائم بالفعل. ففي فرنسا، مثلًا، شهدت عمليات قطع القناة المنوية ارتفاعًا كبيرًا. وسجّلت الفترة بين 2010 و2022 ارتفاعًا بمقدار 15 ضعفًا، رغم أنّ الانطلاق كان من مستويات منخفضة جدًّا. وفي المقابل، تشير التقديرات العالمية إلى انخفاض ملحوظ في العدد السنوي لعمليات تعقيم الرجال.

يسير أوليفر وراوول، عكس هذا التيّار خصوصًا لاتخاذهما هذا القرار في سنٍّ مبكرة جدًّا. فلم يتخلَّ أوليفر بعد عن فكرة الأبوّة، وربما من خلال التبنّي أو عبر وسائل إنجاب بديلة. أما بالنسبة إلى راوول، فالموضوع محسوم نهائيًّا. ويقول ضاحكًا: “لست نادمًا على قرار قطع القناة المنوية. ولكنني، نادم بعض الشيء على وشم جسدي”.

تحرير: مارك لوتينغير

ترجمة: إيفون صعيبي

مراجعة: ريم حسونة

التدقيق اللغوي: لمياء الواد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى