الحنبلي عزيز
في كل مرة يُطرح فيها مشروع لإصلاح قطاع الصحافة بالمغرب، يُرفع شعار “التنظيم الذاتي” كعنوان عريض يَعِدُ بالاستقلالية والديمقراطية المهنية. غير أن مشروع القانون رقم 09.26، المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، يكشف مرة أخرى أن هذا الشعار يظل، في كثير من الأحيان، أقرب إلى خطاب سياسي منه إلى واقع مؤسساتي.
فالقراءة المتأنية لهذا المشروع تبيّن أنه لم يولد من إرادة إصلاحية حرة، بقدر ما جاء استجابةً لإكراه قانوني فرضه قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26، الذي أسقط مواد أساسية من القانون السابق.
بمعنى آخر، نحن أمام “إصلاح اضطراري” أكثر منه “اختياراً سياسياً” لتطوير استقلالية الحقل الإعلامي.
لكن الإشكال الأعمق لا يكمن في خلفية المشروع، بل في فلسفته. فبينما يتحدث النص عن تعزيز التنظيم الذاتي، نلاحظ في المقابل توسعاً واضحاً لدور المؤسسات الرسمية داخل بنية المجلس، سواء عبر التعيينات أو من خلال اللجنة الانتقالية التي ستشرف على إعادة تشكيله.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: كيف يمكن الحديث عن تنظيم ذاتي، في ظل حضور قوي لآليات التعيين والإشراف المؤسساتي؟
إن تقليص عدد أعضاء المجلس، وإعادة توزيع المقاعد وفق منطق “النجاعة التمثيلية”، قد يبدو في ظاهره خطوة نحو عقلنة العمل المؤسساتي. غير أن اعتماد عتبة تمثيلية (10%)، واستبعاد التنظيمات الصغرى، يفتح الباب أمام إعادة إنتاج نفس النخب المهنية، بل وربما تكريس احتكار القرار داخل دائرة ضيقة من الفاعلين.
وهنا تتحول الديمقراطية المهنية من فضاء تعددي إلى آلية انتقائية، تُقصي الأصوات الهامشية باسم “الفعالية”.
أما اللجنة الانتقالية، التي قُدِّمت كحل تقني لتدبير مرحلة مؤقتة، فهي في الحقيقة تمثل أخطر نقطة في المشروع. إذ تمنح هذه اللجنة صلاحيات واسعة لإعادة تشكيل المجلس، في ظل تركيبة يغلب عليها الطابع المؤسساتي.
وفي غياب ضمانات قوية للحياد، يصبح الانتقال نفسه مجالاً لإعادة ترتيب التوازنات، بدل أن يكون مجرد مرحلة تنظيمية محايدة.
الأخطر من ذلك، أن المشروع يندرج ضمن سياق عام يتسم بتوتر العلاقة بين السلطة والصحافة، حيث تتزايد المتابعات، ويُطرح سؤال حرية التعبير بإلحاح.
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل أي إصلاح قانوني عن المناخ السياسي العام: فالقوانين، مهما بدت متقدمة، تفقد معناها إذا لم تُواكب بإرادة حقيقية لحماية حرية الصحافة.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في إعادة صياغة النصوص، بل في الإجابة عن سؤال بسيط ومعقد في الآن ذاته:
هل تريد الدولة صحافة مستقلة تنظم نفسها بنفسها، أم صحافة “مؤطرة” تُدار داخل حدود مرسومة سلفاً؟
مشروع قانون 09.26، في صيغته الحالية، لا يقدم جواباً حاسماً، بل يعكس تردداً واضحاً بين منطقين:
منطق الاعتراف باستقلالية الصحافة، ومنطق التحكم في شروط ممارستها.
وفي غياب وضوح سياسي صريح، سيظل هذا النوع من الإصلاحات يدور في حلقة مفرغة: تعديلات قانونية متكررة، دون تحول حقيقي في ميزان العلاقة بين السلطة والإعلام.