تدشين بناية المسرح الملكي بحفل افتتاحي يليق بالرباط كعاصمة للثقافة المغربية

أحمد رباص ـ تنوير
بعد ان وضعت تصمبمها زها حديد عام 2010، واكتمل بناؤها عام 2021، وبعد عدة تأجيلات، شهدت بناية المسرح الملكي في الرباط، الأكثر ترقبا في وادي أبي ورقراق، حفل تدشينها يوم الأربعاء 22 أبريل، بحضور الأميرة لالة حسناء وسيدة فرنسا الأولى بريجيت ماكرون.
استغرق الأمر 16 عاما حتى امتلأت المنحنيات الخرسانية التي تخيلتها زها حديد على الضفة اليسرى لوادي ابي رقراق بالموسيقى. وفي يوم الأربعاء 22 أبريل، قدم المسرح الملكي في الرباط، المعروف سابقًا باسم المسرح الكبير، عرضه الافتتاحي أمام جمهور من الدبلوماسيين والفنانين والمثقفين. وكان من بين الحضور في المقصورة الملكية الأميرة لالة حسناء، رئيسة مؤسسة المسرح الملكي، وشقيقتها الأميرة لالة مريم، والأميرة لالة خديجة، وبريجيت ماكرون، التي كان حضورها إلى نفس المكان امتدادا لزيارة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الرباط عام 2019.
في هذا العرض الافتتاحي، استضاف المسرح برنامجا مغربيا بالكامل، صُمم كبيان فني: قادت عازفة البيانو وقائدة الأوركسترا دينا بن سعيد تنسيقا غير مسبوق بين الأوركسترا الفيلهارمونية المغربية، التي تقترب من الذكرى الثلاثين لتأسيسها، والأوركسترا السيمفونية الملكية، التي تضم نحو 20 موسيقيا، ليبلغ مجموعهم 76 موسيقيا و40 منشدا.
انضم إليهم عازف البيانو مروان بن عبد الله الذي قدم مختارات من الأعمال الكلاسية، ومغنية الميزو-سوبرانو حليمة محمدي التي غنت أروع الأغاني الأوبرالية، ومغنية السوبرانو سميرة القادري التي استكشفت التراث العربي الأندلسي، والملحن إدريس الملومي على العود، في عمل معاصر متأثر بالموسيقى المغربية. وقد انخرط تشايكوفسكي وبيزيه وفيردي في حوار موسيقي مع الألحان الأندلسية في برنامج بُني صراحةً على فكرة سد الفجوة بين التراث الموسيقي العالمي والتراث الوطني.
قصة هذه البنتية تكاد تضاهي روعة تصميمه. ففي عام 2010، اختار الملك محمد السادس شخصيا المهندسة المعمارية العراقية البريطانية الراحلة زها حديد، كانت أول امرأة تفوز بجائزة بريتزكر ( 2004)، لتصميم مركز ثقافي هام في نهر أبورقراق، الذي كان آنذاك يشهد مرحلة من التجديد.
سنة 2016 لم يتم تنظيم أي مباراة: استُبعدت زها حديد للتو من مشروع “كازا فنون”، الذي فاز به كريستيان دي بورتزامبارك ورشيد أندلوسي، قكلّفها الملك مباشرةً بالمأمورية.
بلغت الميزانية الأولية للعقد، المُوقّع مع وكالة تهيئة ضفتي أبي رقراق، 120 مليون يورو. كانت المواصفات طموحة: قاعة كبيرة تتسع لـ1800 مقعد، ومدرج خارجي يتسع لـ 7000 مقعد، واستوديوهات إبداعية، ومطعم بانورامي، جميعها على مساحة 27000 متر مربع. اقترحت حديد تصميمًا انسيابيًا مستوحى من تعرجات النهر، بغلاف متجانس من ألواح خرسانية مُقوّاة بالألياف، يتألف من أكثر من ألف قطعة ذات أشكال هندسية فريدة، قامت شركتا الهندسة “نيوتكنيك” و”إيه كيه تي 2″ بنمذجتها باستخدام أدوات بارامترية متطورة. أما في الداخل، فيُحاكي التصميم الهندسي للقاعة الرئيسية المقرنصات في العمارة الإسلامية.
لم تبدأ أعمال الحفر إلا في عام 2014، أي بعد أربع سنوات من توقيع الاتفاقية. وكادت عملية التسليم، التي كان من المقرر إنجازها في غضون 56 شهرًا، أن تتأخر.
بعد 56 شهرًا، تعثّر المشروع فورًا. في مارس 2016، توفيت زها حديد في ميامي إثر نوبة قلبية عن عمر ناهز 65 عامًا، وواصلت شركتها، التي يرأسها الآن باتريك شوماخر، في أعمال البناء.
واجه المشروع صعوبات جمّة عند إطلاقه. ففي عام 2018، ظهرت مشكلة إدارية عويصة بين شركات التصميم البريطانية (ماكس فوردام، إيه كيه تي 2) وشركائها المغاربة، إلى جانب تأخير في الجدول الزمني لمدة عامين على الأقل، في حين تضاعفت الميزانية تقريبًا لتصل إلى حوالي 1.75 مليار درهم مغربي. مُنحت تمديدات متتالية لإتمام اللمسات الأخيرة، وبلغت التكلفة النهائية ما يقارب ملياري درهم مغربي.
على الرغم من جاهزية المبنى تقنيًا بحلول عام 2021، إلا أنه ظل مغلقًا: فقد تسببت جائحة كوفيد-19 في إخلاء القاعات، ولم تُستكمل البرامج الفنية، وتأجلت مواعيد الافتتاح المعلنة مرارا. كثيراً ما يتم الاستشهاد بسابقة قوس لا ديفانس الكبير في باريس، الذي تم افتتاحه عام 1989 بعد عامين من وفاة مهندسه المعماري يوهان أوتو فون سبريكيلسن، لتبرير إصرار المغرب على إنجاز المشروع.
يوم 29 أكتوبر 2024، وخلال زيارة الدولة التي قام بها الرئيس إيمانويل ماكرون، افتتحت الأميرة لالة حسناء وبريجيت ماكرون المسرح رسميا: حيث أُزيح الستار عن لوحة تذكارية، جرى تدشين البناية وعُرض على وسائل الإعلام. إلا أن الحفل أُقيم دون برنامج فني: لا حفل موسيقي، ولا فنانين على خشبة المسرح. وقد سُدّ هذا الفراغ بعد عام ونصف بافتتاحٍ كبير يوم 22 أبريل الجاري، وهو أول تدشين ثقافي حقيقي لمكانٍ كان قد افتُتح قبل عامين دون أن يستقبل جمهورًا.
تشغل البناية موقعًا مثلث الشكل ذا دلالة رمزية بالغة: برج حسان وضريح محمد الخامس على أحد أضلاعه، وبرج محمد السادس على الضلع الآخر. تم افتتاح ناطحة السحاب هذه، التي يبلغ ارتفاعها 250 متراً، والتي صممها رافائيل دي لا هوز وحكيم بنجلون، في 13 أبريل الحالي من قبل ولي العهد الأمير مولاي الحسن، قبل تسعة أيام فقط من الحفل الموسيقي الذي أقيم في المسرح الملكي. وبذلك، شهدت الرباط في غضون أسابيع قليلة ظهور اثنين من معالمها المعمارية الجديدة، ضمن برنامج “الرباط مدينة الأنوار، عاصمة الثقافة المغربية”، الذي حوّل العاصمة إلى ورشة بناء دائمة على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية.
ما تزال مسألة الحكامة مطروحة. منذ سنوات، كان المسرح الكبير عبارة عن بناية بلا مؤسسة، تُديره شركة بورقراق للثقافات، وهي شركة تابعة لوكالة تهيئة وادي أبي رقراق، أي من قِبل مُخططين حضريين ومهندسين لا مُبرمجين. وجاءت نقطة التحول في ماي 2025 مع إنشاء مؤسسة المسرح الملكي بالرباط، برئاسة الأميرة لالة حسناء، التي عُقد أول اجتماع لمجلس إدارتها في 15 ماي، بحضور بريجيت ماكرون.
يتسم الفريق المُختار بطابع دولي واضح، حيث جلست حول الأميرة كل من الشيخة المياسة بنت حمد آل ثاني، وهي شخصية بارزة في الدبلوماسية الثقافية الخليجية ورئيسة متاحف قطر؛ وهدى الخميس كانو، مؤسسة مؤسسة أبوظبي للموسيقى والفنون؛ وعازفة البيانو الفرنسية الكندية وراعية الفنون هيلين ميرسييه أرنو؛ بالأضافة إلى المصرفي الاستثماري مايكل زاوي؛ ومختار ديوب، الرئيس التنفيذي لمؤسسة التمويل الدولية. والطبيب والكاتب ميشيل كانيسي. ويمثل المغرب عثمان بنجلون، مطور برج محمد السادس.
كان من بين الحضور رجل الأعمال الثقافي فريد بن سعيد، ومحمد اليعقوبي، والي جهة الرباط-سلا-القنيطرة، والممثل الكوميدي الفرنسي المغربي جاد المالح. أما من الجانب الفرنسي، فتشغل بريجيت ماكرون، التي حضرت افتتاحَي المكان، منصبًا في مجلس الإدارة.
هذا، وقد أُسندت الإدارة الفنية إلى إبراهيم المزند، الشخصية البارزة في المشهد الثقافي المغربي. يشغل المزند منصب المدير الفني لمهرجان تيميتار في أگادير منذ عام 2004، وهو مهرجان مخصص للموسيقى العالمية والثقافة الأمازيغية، كما أسس “فيزا للموسيقى” في الرباط عام 2014، وهو سوق احترافي للموسيقى الأفريقية والشرق أوسطية.



