ثقافة و فن

التيه المهني والهروب الرقمي: مأساة البحث عن الذات في الفضاء الرقمي مصطفى جليل

  الهوية المهنية، حين يصبح العمل مرآة للذات

تعد الهوية وفق تصور اريكسون (Erik Erikson) عبارة عن سيرورة نشطة تتشكل عبر كفاح و تفاعل طويل مع المجتمع، و هي الإدراك الواعي للفرد بذاته، و تماسك شخصيته، و معرفته بدوره في المجتمع، و تعتبر الهوية المهنية امتداداً لهوية الأنا عند إريكسون، حيث تشير إلى إحساس الفرد بذاته في سياق عمله ودوره الإنتاجي في المجتمع.وانطلاقا من فكرة اريكسون، يحاول بعض الشباب ايجاد و اختيار مهنة مستقبلية لهم في مرحلة معينة من مراحل نموهم النفس-اجتماعي ، فبالإضافة الى أهمية هذه المهنة في توفير قوت يومهم، فهي مهمة أيضا في تشكيل هويتهم الفردية و تميزهم في المجتمع للشعور بقيمة و اعتراف مجتمعيين.

“وهم التجاهل” و أزمة الهوية في الواقع

غير أن هذه الطموحات الهوياتية غالباً ما تصطدم بالواقع السوسيو-اقتصادي الصعب؛ نظرا لمحدودية سوق الشغل في استيعاب التطلعات المهنية للشباب. لا يمثل هذا الاصطدام أزمة مالية فحسب، بل يهدم أيضا أركان الاستقرار النفسي والأسري للفرد،  فعندما يعجز بعض الشباب في سياقات سوسيو-اقتصادية معينة، عن إيجاد موقعه في النسيج الاقتصادي و الاجتماعي، قد يفقد مكانته داخل الأسرة والمجتمع، ما قد يجعله يعيش حالة من ‘التيه المهني’ الذي يغذي الشعور بالدونية وفقدان المعنى.فبينما ينجح البعض في بلوغ منطقة الأمان عبر الوظيفة العمومية التي تحظى بهالة من التقدير الاجتماعي، قد يجد البعض الآخر أنفسهم مضطرينلسلوك مسارات أخرى، غالباً ما تتمثل في مهن موسمية أو حرة وغير قارة، يُنظر إليها مجتمعياً على أنها ‘أقل شأناً’ مقارنة ببريق الوظيفة العمومية، ما قد ينعكس على الاستقرار الاجتماعي و الأسري لأصحاب هذه المهن.

في هذا السياق قديتشكل لدى بعض الشباب ما يمكن أن نسميه “وهم التجاهل”،و هو اعتقاد ذاتي بأن الآخرين يتعمدون تجاهلهم. وينشأ هذا الاعتقادنتيجة تأثر الفرد بالتمثلات الاجتماعية المنتشرة حول هذا النوع من المهن.و يمكن تفسير هذا السلوك ضمن إطار بعض التحيزات الإدراكية، حيث قد يميل الفرد إلى تضخيم الإشارات السلبية و تجاهل الإشارات المحايدة. فيفسر الشاب هنا، سلوك الآخر و كأنهتجاهل و نفور أو رفضللتقرب منه. ما قد يولد في النهاية لدى المفتقرين للمرونة النفسية اللازمة نوعا من الشعور بالإغتراب و العزلة الاجتماعية.

الفضاء الرقمي ك”غرفة إنعاش” هوياتي

و بما أن  الانسان اجتماعي بطبعه كما أصل لذلك”ابن خلدون” قديما ، فلا بد لهذا الشاب أن يبحث عن بيئة أخرى بديلة للتفاعل الاجتماعي أكثر احتراما له و لذاته، و هذا البحث عن مجتمع بديل لا يمكن النظر إليه كمجرد رغبة في الانتماء فقط، بل أيضا كهروب سيكولوجي يفسره مفهوم ‘الأنا المثالية’ عند “كارين هورني.(Karen Horney)فالفرد حين يصطدم بواقع مهني لا يعترف بكيانه، يتولد لديه هروب و نفور من “أناه الواقعية” التي يراها فاشلة أو مهمشة، و هنا يلجأ إلى الفضاء الرقميلبناء”أنا مثالية”تعوضه عن هذا النقص،عبر صورة رقمية لامعة تمنحه شعورا مؤقتا بالوجودو الانتماء الذين افتقدهما في الواقع.

يعدالفضاء الرقمي، ومواقع التواصل الاجتماعي تحديدا، مجالا تفاعليا جديدا يلجأ اليه الشباب. داخل هذا الفضاء، يقوم الشاب بإعادة بناء هوية افتراضية مستعارة تختلف عن هويته الواقعية. للهروب من مشاعر الدونية و”وهم التجاهل” و ضعف الانتماء في الواقع. في هذا السياقينتقل اهتمام الفرد من طبيعة عمله و مهنته الى الاهتمام  بصورته الرقمية. فيسعى إلى تشكيلهوية اجتماعية بديلةتمنحه شعورا بالقبول. و نوعا من التميز الايجابي من منظور “تاجفيل (Henri Tajfel)”، و هو تميز يقاس بعدد الإعجابات (Likes) و المتابعين، و يتحول المعيار هنا من “ماذا أنتج؟” في الواقع، إلى “كيف أبدو؟” في العالم الافتراضي.

هذا الانغماس الرقمي اصبح بمثابة إنعاش هوياتي، يرمم هوية الفرد الجريحة في الواقع، ففي الوقت الذي يحاكم فيه هذا الشاب مجتمعيا بناء على معايير مادية صرفة أو اقتصادية، يمنحه الفضاء الرقمي فرصة لإخفاء ندوبالهشاشة المهنية و تعويض الاحساس بالدونية، حيث تعوض الاعجابات و التفاعلات الرقمية عشرات التحايا المفقودة من جيرانه في الحي.

غير أن هذا اللجوء الى الفضاء الرقمي او العالم الافتراضي و الاستنجاد به، لا يمكن دائما تفسيره أو النظر اليه دائما كهروب سلبي، أو مجرد استعراض لهوية مزيفة. إذ أن هناك من الشباب من يتعامل مع هذا الفضاء ببراغماتية أكبر، و يحولون هذا الفضاء إلى فرصة للتمكين، و وسيلة لكسر حصار الواقع الاقتصادي، و بناء ما يمكن تسميته ب”الهوية الرقمية المنتجة”، و العمل عبر الاستثمار الرقمي و العمل الحر، لما يوفره الفضاء الرقمي من فرص متعددة عابرة للحدود. و تتحول الهوية الافتراضية في هذه الحالة من قناع للإخفاء و إلى أداة للمقاومة و إعادة البناء.

صراع الهويات المزدوجة: من “الإنعاش” إلى “تفتت الأنا”

لكن الإشكال الحقيقي يبرز فعليا حين يغيب هذا البعد الإنتاجي البراغماتي، و يتحول الفضاء الرقمي من وسيلة للتمكين إلى غاية في حد ذاته. فعندما يجد الشاب نفسه يتأرجح بين هويتين متناقضتين، هوية واقعية مثقلة بندوب التهميش المهني و الاجتماعي ، و هوية افتراضية مقنعة ببريق الأنا المثالية. و الانتقال المستمر بين هاتين الهويتين قد يولد لدى حالات معينة صراعا هوياتيا عميقا، يبلغ ذروته لحظة انطفاء شاشة الهاتف، حيث يصطدم الفرد بعجزه عن تقبل واقعه المتأزم، و قد يغرق في اضطراب نفسي يقود لما أسمته الباحثة “شيري توركل” (Sherry Turkle) ب”تفتت الأنا”، و هي حالة يفقد فيها الفرد القدرة على إدراك ذاته الحقيقية و الواقعية خارج الشاشة و الفضاء الرقمي، ليتحول الفضاء الرقمي من وسيلة للتعويض و الترميم أو كما أسميناه سابقا بالإنعاش الهوياتي، إلى سجن يعمق الشعور بالعزلة و الاغتراب.

“ختاماً، إن محاولة التحليل هذه، لا ينبغي أن تكون دعوة لليأس أو رسم صورة سوداوية عن الفضاء الرقمي، بل هي دعوةلاستعادة الذات،لأن التحدي الحقيقي الذي يواجه الشباب اليوم يكمن في القدرة على بناء علاقة آمنة بين الواقع و الفضاء الرقمي الافتراضي؛ علاقة غير مبنية على الهروب أو التجميل، بل على تقبل ‘الأنا الواقعية’ بمرونة واعتزاز، واستثمار الفضاء الرقمي كوسيلة للتمكين و تنمية الذات، وليس كبديل عن الوجود الحقيقي الواقعي. ففي نهاية المطاف، تظل القيمة الإنسانية أعمق من بريق الصورة الرقمية أو عدد المتابعين و كم الإعجابات. وتبدأ رحلة التحرر من سجن ‘تفتت الأنا’ لحظة التصالح مع الواقع والعمل على تغييره بوعي وإرادة، و تحويل الفضاء الرقمي الافتراضي من غاية للاستعراض الى وسيلة للإبداع و التألق. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى