الحنبلي عزيز -تنوير
لم يكن اسم محمد مبديع عاديا في الخريطة السياسية المحلية والوطنية. فالرجل الذي صعد من مدينة الفقيه بن صالح، ونسج مسارا طويلا داخل حزب الحركة الشعبية، وتمكن من دخول البرلمان وتولي حقيبة حكومية، وجد نفسه في نهاية المطاف أمام واحد من أثقل ملفات جرائم الأموال التي شغلت الرأي العام المغربي خلال السنوات الأخيرة، قبل أن تصدر في حقه غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء حكما ابتدائيا قاسيا بلغ 13 سنة سجنا نافذا، إلى جانب غرامة مالية ومصادرة أموال في حدود مبالغ كبيرة، على خلفية اتهامات مرتبطة بتبديد أموال عمومية واستغلال النفوذ والارتشاء والتزوير.
قصة مبديع هي، في جانب منها، قصة صعود سياسي محلي بدأ من جماعة الفقيه بن صالح، قبل أن يتحول إلى نفوذ انتخابي وبرلماني وحزبي. لكنها، في جانب آخر، تحولت إلى نموذج صارخ للأسئلة التي تلاحق تدبير الشأن المحلي، وصفقات الجماعات الترابية، والحدود الفاصلة بين المسؤولية السياسية والمساءلة القضائية.
من الفقيه بن صالح بدأ المسار
ارتبط اسم محمد مبديع، لسنوات طويلة، بمدينة الفقيه بن صالح. هناك بنى حضوره السياسي، وهناك أسس قاعدة انتخابية جعلته واحدا من أبرز الوجوه المحلية التي استطاعت أن تجمع بين رئاسة الجماعة والحضور البرلماني والانتماء الحزبي النافذ.
لم يكن مبديع مجرد منتخب محلي عابر، بل ظل حاضرا في تدبير الشأن الجماعي، وترأس المجلس الجماعي للفقيه بن صالح لسنوات، وهي المرحلة التي ستعود لاحقا إلى واجهة النقاش العمومي والقضائي، بعدما تحولت مجموعة من الصفقات والمشاريع التي أبرمت خلال فترة تسييره إلى موضوع تقارير رقابية وشكايات وملفات أمام القضاء.
في الفقيه بن صالح، قدم مبديع نفسه باعتباره رجل مشاريع وتدبير، واستطاع أن يرسخ حضوره وسط شبكة محلية من المنتخبين والمقاولين والفاعلين السياسيين. غير أن هذا الحضور نفسه سيصبح لاحقا محورا رئيسيا في ملف قضائي معقد، بعدما اعتبرت تقارير رقابية وشكايات حقوقية أن تدبير بعض الصفقات شابته اختلالات خطيرة، مرتبطة بالتلاعب في الصفقات، والنفخ في الفواتير، وأداء مستحقات عن أشغال قيل إنها لم تنجز، وتوجيه بعض المشاريع نحو شركات بعينها.
الحركة الشعبية.. الحزب الذي حمل مبديع إلى الواجهة
سياسيا، ارتبط محمد مبديع بحزب الحركة الشعبية، أحد الأحزاب المغربية ذات الحضور التاريخي في المشهد السياسي الوطني. ومن داخل هذا الحزب، تمكن مبديع من تعزيز موقعه الانتخابي والبرلماني، وتحول إلى واحد من الأسماء المعروفة داخل التنظيم، خصوصا بحكم حضوره في منطقة بني ملال ـ خنيفرة، وتحديدا بإقليم الفقيه بن صالح.
من خلال الحركة الشعبية، دخل مبديع إلى البرلمان، وراكم تجربة سياسية طويلة جعلته يجمع بين صفة المنتخب المحلي والبرلماني والقيادي الحزبي. وقد منحه هذا المسار قدرة على التحرك بين المجال المحلي والمركز السياسي بالرباط، كما جعله جزءا من هندسة التحالفات والتوازنات داخل المؤسسة التشريعية.
لم يكن حضوره داخل البرلمان حضورا بروتوكوليا فقط، بل تولى مسؤوليات وشارك في النقاشات السياسية والتشريعية. وفي مرحلة من مساره، وصل إلى موقع حكومي حين عُين وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلفا بالوظيفة العمومية وتحديث الإدارة، وهو المنصب الذي منحه صورة رجل دولة قادم من المجال المحلي إلى تدبير قطاع إداري حساس.
غير أن هذا الصعود السياسي، الذي بدا في وقت من الأوقات تتويجا لمسار طويل، سرعان ما أصبح موضوع قراءة عكسية بعد تفجر ملف الفقيه بن صالح. فقد بدأ الرأي العام ينظر إلى المسار من زاوية أخرى: كيف انتقل رجل محلي إلى البرلمان والوزارة؟ وكيف تراكم النفوذ؟ وهل كانت الصفقات الجماعية جزءا من شبكة مصالح أوسع، أم أن الأمر يتعلق، كما يقول دفاعه، بملف بني على تقارير يشوبها الخطأ وسوء التقدير؟
ملف تفجر من بوابة حماية المال العام
انطلق الملف، وفق المعطيات المتداولة، بناء على شكاية تقدم بها الفرع الجهوي للجمعية المغربية لحماية المال العام بجهة الدار البيضاء ـ سطات. وتضمنت الشكاية اتهامات وشبهات ثقيلة، من بينها تبديد أموال عمومية، والاغتناء غير المشروع، وخرق قانون الصفقات العمومية، والتلاعب في بعض المشاريع، والنفخ في قيمة الفواتير، وأداء مبالغ مالية عن أشغال قيل إنها لم تنجز على أرض الواقع.
بعد ذلك، دخلت تقارير المفتشية العامة لوزارة الداخلية وتقارير رقابية أخرى على الخط، حيث رصدت، حسب ما تضمنه الملف، اختلالات في تدبير مشاريع وصفقات مرتبطة بالمجلس الجماعي للفقيه بن صالح خلال الفترة التي كان محمد مبديع يرأس فيها الجماعة.
وتحوّل الملف تدريجيا من نقاش حقوقي ورقابي إلى متابعة قضائية واسعة، شملت محمد مبديع وعددا من المتهمين الآخرين، من مقاولين ومسؤولين وفاعلين مرتبطين بصفقات الجماعة. وكان جوهر الاتهام يدور حول وجود شبكة استفادة من المال العام عبر صفقات قيل إنها مرت في ظروف غير سليمة، أو استفادت منها شركات بعينها دون احترام قواعد المنافسة والشفافية.
66 جلسة ومحاكمة طويلة أمام جرائم الأموال
لم يكن الملف بسيطا من حيث عدد المتهمين أو طبيعة الوقائع أو حجم الوثائق. فقد استغرقت المحاكمة، حسب المعطيات الواردة في المقالات، أكثر من 66 جلسة أمام غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء.
وخلال هذه الجلسات، ناقشت المحكمة تفاصيل دقيقة مرتبطة بالصفقات العمومية، ومحاضر اللجان، وتقارير التفتيش، وأوامر الأداء، والفواتير، والأشغال المنجزة وغير المنجزة، ومسؤولية كل طرف في سلسلة التدبير والتنفيذ والمراقبة.
كما رفضت المحكمة بعض الدفوع والطلبات الأولية التي تقدم بها الدفاع، ومن بينها طلبات تتعلق باستدعاء مسؤولين سابقين، ضمنهم وزراء داخلية سابقون وولاة وأعضاء لجان رقابية وفتح الأظرفة، معتبرة أن الملف يتوفر على ما يكفي من عناصر المناقشة داخل الجلسات.
وقد ركز رئيس الهيئة، خلال استنطاق محمد مبديع، على مجموعة من الصفقات التي أبرمت في عهد تسييره لجماعة الفقيه بن صالح، خاصة تلك التي كانت موضوع تقارير صادرة عن المفتشية العامة لوزارة الداخلية. ودار النقاش حول مدى قانونية المساطر، وحقيقة الأشغال المنجزة، وطبيعة العلاقة بين الجماعة وبعض الشركات، وهل كان الأمر يتعلق بصفقات عادية خضعت للمراقبة، أم بآلية منظمة لاستنزاف المال العام.
النيابة العامة: شبكة منظمة واستنزاف للميزانية
في مرافعتها، قدمت النيابة العامة صورة ثقيلة عن الملف، معتبرة أن الوقائع لا تتعلق بمجرد أخطاء إدارية أو اختلالات تقنية، بل بأفعال تمس المال العام وتضرب مبدأ المنافسة الشريفة في الصفقات العمومية.
واتهم ممثل النيابة العامة محمد مبديع، بصفته الرئيس الأسبق للمجلس الجماعي للفقيه بن صالح، بارتكاب جرائم مرتبطة بتبديد أموال عامة، واستغلال النفوذ، والارتشاء، والتزوير في وثائق عرفية وتجارية ورسمية. كما اعتبرت النيابة أن بعض الشركات لعبت دور الوسيط بين الجماعة والمنفذين الحقيقيين للأشغال، بحيث تحصل على الصفقات بمبالغ مرتفعة، ثم تفوت التنفيذ إلى جهات أخرى أو مقاولين صغار، بما يحرم الشركات المستوفية للشروط من حقها في المنافسة.
وذهبت النيابة العامة إلى وصف ما وقع بأنه شكل من أشكال “شبكة فساد منظمة” استنزفت ميزانية الجماعة، مطالبة بإدانة المتهمين وتشديد العقوبات ومصادرة العائدات المالية المتحصلة من الأفعال موضوع المتابعة.
هذا الوصف كان مركزيا في الملف، لأنه نقل النقاش من مجرد مسؤولية فردية لرئيس جماعة سابق إلى تصور أوسع يقوم على وجود بنية من المصالح والصفقات والعلاقات التي استفادت، حسب النيابة، من المال العام على حساب الجماعة وساكنة الفقيه بن صالح.
دفاع مبديع: الصفقات مرت عبر المساطر القانونية
في المقابل، تمسك محمد مبديع، عبر دفاعه وخلال كلمته الأخيرة أمام المحكمة، ببراءته من التهم المنسوبة إليه. وأكد أن الصفقات العمومية التي أبرمت خلال فترة تدبيره للجماعة مرت عبر المساطر القانونية، وخضعت لمراقبة ومصادقة مصالح وزارة الداخلية، وأن الجماعة لم تكن تشتغل خارج القنوات الإدارية المعتمدة.
وحسب ما نقله دفاعه، فإن مبديع كان متأثرا خلال كلمته الأخيرة، ليس فقط بسبب الحكم المنتظر أو وضعيته الصحية والعائلية، بل لأنه كان يشعر، وفق تعبير دفاعه، بألم كبير من أن ينظر إليه كمسؤول سابق خان الثقة التي منحت له.
كما اعتبر الدفاع أن تقرير المفتشية الذي شكل منطلق المتابعة تضمن “أخطاء فادحة”، وأن بعض المبالغ التي نسبت إلى موكله لا علاقة لها بالصفقات موضوع الملف. وشددت هيئة الدفاع على أن مبديع لا يزال يتمسك ببراءته، وأنها ستواصل الدفاع عنه في المراحل القضائية اللاحقة.
باقي المتهمين بدورهم تمسكوا ببراءتهم خلال الكلمة الأخيرة قبل المداولة. فمنهم من أكد أن شركته تشتغل منذ سنوات طويلة دون تسجيل مخالفات في حقها، ومنهم من قال إن التقارير الرقابية تثبت براءته، فيما شدد آخرون على أنهم مارسوا مهامهم في إطار القانون ولم يكونوا جزءا من أي تلاعب أو شبكة.
الحكم: 13 سنة سجنا نافذا وغرامات ومصادرة
بعد جلسات طويلة ومرافعات متشعبة، أسدلت غرفة الجنايات الابتدائية بمحكمة الاستئناف بالدار البيضاء الستار على المرحلة الابتدائية من الملف، بإصدار حكمها في حق محمد مبديع ومن معه.
وقضت المحكمة بإدانة محمد مبديع والحكم عليه بـ 13 سنة سجنا نافذا، إضافة إلى غرامة مالية ومصادرة أموال في حدود 30 مليون درهم، أي ما يعادل ثلاثة ملايير سنتيم، وفق ما أوردته المعطيات المتداولة. ويعد هذا الحكم من أثقل الأحكام الصادرة في حق مسؤول سياسي سابق ارتبط اسمه بتدبير جماعة ترابية وبتجربة حكومية وبرلمانية.
كما شملت الأحكام متهمين آخرين بعقوبات متفاوتة، بين السجن النافذ والغرامات المالية والمصادرة، كل بحسب المنسوب إليه ودوره في الملف. واعتبرت المحكمة، من خلال منطوق حكمها، أن الوقائع المعروضة أمامها ثابتة في حدود ما انتهت إليه المداولات، وأن الأفعال موضوع المتابعة تستوجب العقاب.
ولم تقتصر القرارات على الجانب الزجري فقط، بل شملت أيضا الشق المالي والمدني، حيث أمرت المحكمة بمصادرة أموال مرتبطة بالأفعال موضوع المتابعة، وبإجراء خبرة حسابية في شأن المطالب المدنية، من أجل تحديد حجم الضرر الذي لحق بالجماعة أو الأطراف المدنية نتيجة الأفعال التي تمت المؤاخذة عليها.
خبرة حسابية لتحديد الأضرار
في الجانب المدني، قبلت المحكمة مبدأ المطالب المدنية المرتبطة بالملف، وأمرت بإجراء خبرة حسابية يعهد بها إلى خبير مختص، قصد تحديد حجم الأضرار المالية الناتجة عن الأفعال موضوع المتابعة.
وتكتسي هذه الخبرة أهمية كبيرة، لأنها ستحدد، من الناحية التقنية والمالية، حجم الخسائر التي يمكن أن تكون قد لحقت بالجماعة نتيجة الصفقات موضوع النزاع. كما ستساعد على رسم صورة أدق للعلاقة بين ما صرف من أموال عمومية وما أنجز فعليا من مشاريع أو أشغال.
ويعني هذا أن الملف، رغم صدور الحكم الابتدائي، لم يغلق بالكامل من الناحية المالية والمدنية، إذ ستظل الخبرة الحسابية محطة أساسية في تقدير التعويضات وترتيب الآثار المدنية للحكم.
حكم ابتدائي ومسار قضائي لم ينته
رغم قساوة الحكم، فإن الملف لا يزال، من الناحية القانونية، في مرحلته الابتدائية، ما يعني أن الباب يبقى مفتوحا أمام الطعن والاستئناف وفق المساطر المعمول بها. ولذلك فإن إدانة محمد مبديع وباقي المتهمين تظل مرتبطة بهذه المرحلة من التقاضي، في انتظار ما قد تسفر عنه المراحل اللاحقة.
غير أن الأثر السياسي والرمزي للحكم بدا واضحا منذ اللحظة الأولى. فالأمر لا يتعلق فقط بإدانة شخص، بل بسقوط مسار سياسي طويل بدأ من جماعة الفقيه بن صالح، ومر عبر البرلمان والحكومة والحركة الشعبية، وانتهى، في هذه المرحلة، بحكم ثقيل أمام غرفة جرائم الأموال.
نهاية مسار أم بداية لأسئلة أكبر؟
قضية محمد مبديع تطرح أسئلة تتجاوز شخصه ومساره. فهي تضع تدبير الجماعات الترابية تحت المجهر، وتعيد النقاش حول مراقبة الصفقات العمومية، ودور المفتشيات، ومسؤولية المنتخبين، وحدود الثقة التي يمنحها الناخبون لممثليهم.
كما تطرح سؤالا سياسيا أكبر: كيف يمكن لمسؤول محلي أن يراكم نفوذا انتخابيا وحزبيا وبرلمانيا وحكوميا، قبل أن تنفجر في وجهه ملفات تدبير محلي؟ وهل تكفي الآليات الحالية لمراقبة الصفقات وحماية المال العام؟ أم أن الحاجة أصبحت ملحة إلى رقابة أكثر صرامة وشفافية أكبر في تدبير الجماعات؟
بين مؤيدين يرون في الحكم انتصارا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومدافعين يعتبرون أن مبديع لم ينل بعد كلمته النهائية أمام القضاء، تبقى القضية واحدة من أبرز المحاكمات التي طبعت النقاش العمومي حول الفساد وتدبير المال العام في المغرب.
محمد مبديع، الذي بدأ مساره من الفقيه بن صالح وصعد إلى البرلمان والوزارة تحت راية الحركة الشعبية، يجد نفسه اليوم أمام منعطف حاسم: منعطف لا يخصه وحده، بل يخص صورة المنتخب المحلي، وثقة المواطن في المؤسسات، ومستقبل ربط السلطة بالمحاسبة.