متابعة سعيد حمان
في تطور قضائي وسياسي بارز، أدانت محكمة الاستئناف في باريس، اليوم الثلاثاء، زعيمة حزب “التجمع الوطني” اليميني، ماري لوبان، بالسجن لمدة ثلاث سنوات، وذلك على خلفية قضية المساعدين البرلمانيين، التي تعد من أكثر الملفات إثارة للجدل في الحياة السياسية الفرنسية خلال السنوات الأخيرة.ووفقا لما أوردته وكالة الأنباء الفرنسية، فقد قضت المحكمة بأن تنفذ لوبان سنة واحدة من العقوبة تحت المراقبة بواسطة سوار إلكتروني، فيما يشمل الجزء المتبقي من الحكم إجراءات قانونية تتماشى مع النظام القضائي الفرنسي. كما أصدرت المحكمة قرارا يقضي بحرمانها من الأهلية لتولي أي منصب عام لمدة خمسة عشر شهرا، وهو ما يمثل ضربة قوية لمسارها السياسي ويطرح تساؤلات عديدة حول مستقبلها داخل حزب “التجمع الوطني”.
ويأتي هذا الحكم بعد سنوات من التحقيقات والإجراءات القضائية التي فتحت بشأن شبهات تتعلق باستخدام أموال البرلمان الأوروبي في توظيف مساعدين برلمانيين، حيث وجهت النيابة العامة اتهامات لعدد من مسؤولي الحزب، من بينهم ماري لوبان، بالاستفادة من الأموال الأوروبية لتمويل أنشطة حزبية داخل فرنسا، بدلا من تخصيصها للأعمال البرلمانية المرتبطة بمهام النواب الأوروبيين.وخلال مختلف مراحل المحاكمة، أصرت لوبان على نفي جميع الاتهامات الموجهة إليها، معتبرة أن القضية ذات خلفيات سياسية، وأنها تستهدف حزبها الذي عرف خلال السنوات الأخيرة صعودا لافتا في المشهد السياسي الفرنسي. كما دافعت عن طريقة اشتغال مساعديها، مؤكدة أنهم كانوا يؤدون مهاما مرتبطة بعملها السياسي والبرلماني.
ويعد حزب “التجمع الوطني”، الذي تتزعمه ماري لوبان، أحد أبرز الأحزاب المعارضة في فرنسا، وقد نجح خلال السنوات الماضية في تعزيز حضوره داخل المؤسسات المنتخبة، مستفيدا من تصاعد الخطاب المناهض للهجرة والمنتقد لسياسات الاتحاد الأوروبي، وهو ما جعل لوبان من أبرز الشخصيات السياسية المرشحة للمنافسة على رئاسة الجمهورية الفرنسية.ويرى متابعون أن الحكم الصادر عن محكمة الاستئناف قد تكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل لوبان السياسي، خاصة في ظل الاستعدادات المبكرة للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، حيث قد يحد قرار عدم الأهلية من قدرتها على الترشح أو ممارسة مسؤوليات سياسية خلال الفترة التي يشملها الحكم، إذا أصبح نهائيا.وفي المقابل، ينتظر أن تستنفد لوبان جميع المساطر القانونية المتاحة للطعن في القرار، إذ يسمح القانون الفرنسي بالطعن أمام محكمة النقض في بعض الحالات، وهو ما قد يفتح فصلا جديدا في هذه القضية التي تحظى باهتمام واسع داخل فرنسا وخارجها.وقد أثار الحكم ردود فعل متباينة في الأوساط السياسية الفرنسية، إذ اعتبره أنصار استقلالية القضاء دليلا على خضوع جميع المسؤولين، مهما كانت مواقعهم، لمبدأ سيادة القانون، بينما رأى مؤيدو لوبان أن القضية تحمل أبعادا سياسية وتستهدف إضعاف أحد أبرز رموز اليمين الفرنسي.
ويؤكد هذا التطور مجددا أن القضاء الفرنسي يواصل متابعة القضايا المرتبطة بتدبير المال العام والتمويل السياسي، في إطار مساعيه لتعزيز الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وهي المبادئ التي تشكل إحدى ركائز النظام الديمقراطي في فرنسا.ويبقى مستقبل ماري لوبان السياسي رهينا بمآلات المساطر القضائية المقبلة، في وقت يراقب فيه الرأي العام الفرنسي والأوروبي تداعيات هذا الحكم على موازين القوى داخل الساحة السياسية الفرنسية، وعلى مستقبل حزب “التجمع الوطني”، الذي يواجه تحديا جديدا في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخه.