“إن انتصار الديمقراطية في أنظمة الحكم السائدة في عهد المدنية الحاضرة فرض تنظيم الأمة ضمن هيئات من شأنها أن تسهل توجيه الشعب وتصنيع رغباته الحقيقية التي قد تضيع في عماء الجمهور، لو تركت للناس يعبر كل واحد عنها بما شاء” – علال الفاسي – النقد الذاتي (ص 159) – المطبعة العالمية – القاهرة – الطبعة الأولى 1952
1 – يعد المغرب من الدول العربية القليلة التي تبنت، قبيل الاستقلال وبعده، التعددية الحزبية، مكوناً “بنيوياً” في المشهد السياسي العام، لمواجهة مظاهر القصور والضعف التي تَسِمُ المعطى السياسي للدولة “الحديثة” بشكل عام، وبناء مشروع مجتمعي لمغرب الحال والمآل. فعمت الساحة السياسية الوطنية فعالية حزبية، بالغة الأهمية في العقود الثلاثة لما بعد الاستقلال، تجلى ذلك عبر المساهمة الملموسة في نشر الثقافة السياسية الرفيعة، وتأهيل المواطنين وتأطيرهم وتوعيتهم بواقعهم والعالم المحيط بهم، ودفاعهم عن الطبقات الشعبية الضعيفة، ووقوفهم في وجه المسؤولين أصحاب القرار، ومواجهتهم بقدر كبير من النضال والتضحية ونكران الذات. وكان من المفترض أن يمهد هذا السبق “الاستثنائي” لإرساء تجربة ديمقراطية عربية نوعية، تُتخذُ نموذجاً يحتذى به عربيا وإفريقيا على الأقل، ومثالاً يُعمَّمُ من أجل بلورة وطن عربي موحد، يمتح مفرداته المجتمعية من سجل المبادئ الإسلامية السامية والديمقراطية الكونية والقيم الإنسانية المشتركة، غير أن ذلك لم يحدث، فما هي العوائق التي حالت دون ذلك؟
2 – يقرّ المعنيون والمهتمون بالشأن السياسي المغربي بأن أصحاب القرار تمكنوا من تحجيم الهياكل الحزبية وتقليم أظافرها وتجريدها من “أنيابها”، وخاصة أثناء ما عرف “بسنوات الرصاص” والتجاذبات السياسية والصراع على تقاسم السلطة، بوسائل تحكمية، أقلها الترغيب والترهيب والاختراق وشراء الذمم وزرع بذورالانشقاق داخل هذه الهيئات، بيد أن تراجع الأداء الحزبي المغربي، في العقدين الأخيرين، يعود أيضاً وربما بدرجة أكثر حدة، إلى الأحزاب نفسها، التي رضخت رغما عنها أو بإرادتها لمسلكيات سياسوية هجينة، وفضلت الانشغال بالمصالح والقضايا الضيقة، على حساب الانتظارات الوطنية النبيلة، الداعية إلى الديمقراطية والعدالة والحرية والكرامة الإنسانية. ومعلوم أن الفضاء السياسي المغربي الراهن يضم أكثر من ثلاثين “حزباً”، غالبيتها شبه نكرة لا يعرفها الشارع المغربي، ولا يسمع عنها إلا أثناء “الحملات والاستحقاقات” البرلمانية والجماعية. وبالتالي، هي بمثابة عبء على كاهل المجتمع، واستنزاف مادي ومعنوي لا طائل منه، بل إن عدمها قد يكون أفضل بكثير من وجودها!
3 – ويمكن القول من دون خشيةٍ من السقوط في المبالغة، أن حزبين مغربيين اثنين هما الجديران بالاحترام، لما يتميزان به من مواصفات وسمات تكوينية، نجد بعضها في الهياكل السياسية الدولية المتقدمة، حيث تحترم الديمقراطية الداخلية إلى حد معقول، ويعمل بمبدأ الشفافية والحوار وتقبل الاختلاف والتنوع والاعتراف بالتيارات والتداول الحضاري على “الزعامة”. ويا للمفارقة، الأول يمثل الإسلام السياسي المعتدل (العدالة والتنمية)، ترأس الحكومة الائتلافية في ولايتين (2011 – 2021)، والثاني يمثل اليسار المغربي النظيف (الحزب الاشتراكي الموحد)، مع وجود فارق هو أن “العدالة والتنمية” يحظى بشعبية نسبية، فهو قريب نوعا ما من المغاربة وانشغالاتهم الملموسة وتطلعاتهم “الروحية” والمادية، والاشتراكي الموحد، على الرغم من نياته الحسنة وأطره الرفيعة، الذي لم يجد بعد المفتاح الذي يدخل به إلى القلوب والعقول، رغم نواياه الحسنة وأطره المجتهدة!
وفي المقابل هناك حزبان آخران يجران وراءهما مشروعية تاريخية ووطنية أكيدة، وقد عُدَّا من أبرز الهياكل الحزبية في العالم الثالث، في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي). وما من شك أنه كلما ذكرنا حزب الاستقلال، استحضرنا المؤسس علال الفاسي، صاحب النظر الثاقب والفكر السديد والثقافة العميقة، ومؤلفاته الوطنية والسياسية والمعرفية ومنها كتاب النقد الذاتي، توجز بشكل لا غبار عليه، صورة الزعيم السياسي البطل، رجل الفكر والإبداع ورجل النضال اليومي دفاعا عن ثوابت الأمة بلا هوادة.
4 – أما حاليا فقد أضحى “الاستقلال” متواضعا يكاد يقترن ذكره بالمواسم الانتخابية وتوزيع الغنائم، وكأنه تنازل بمحض إرادته عن موروثه المعرفي والسياسي والأيديولوجي المحافظ والصادق، واقتصر على الظهور الشعبوي والاستعراض الإعلامي غير الفعال. تماماً كما أن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان يقيم الدنيا ولا يقعدها في “الزمن السياسي الجميل”، (عهد المهدي بنبركة وعمر بنجلون وعبد الرحيم بوعبيد وعبد الرحمن اليوسفي)، أضحى مستعداً للتنسيق مع أي كان من أجل معارضة الخصوم الشرسين “اليمينيين واليساريين”، وتعطيل الانتقال الديمقراطي الهش، وتهميش الديمقراطية الداخلية، مع الميل إلى تحييد بعض الأصوات النضالية “المشاكسة”.
5 – هل بهذا المشهد الحزبي المعطوب يمكن إقامة دولة عصرية تستحضر المشترك الوطني الثقافي والديني، والقيم والمواثيق المتعارف عليها كونياً؟ وهل بهذه الفقاقيع الهوائية يمكن بناء مجتمع حداثي، يضمن التنمية والعدالة الاجتماعية والحرية والكرامة الإنسانية، وهي تفتقر إلى أبسط أبجديات الحداثة والديمقراطية والفكر المتنور؟