إن أخطر ما يمكن أن يبتلى به مجتمع ليس الفقر في حد ذاته، وإنما الاعتياد عليه، وليس البطالة في ذاتها، وإنما تحويلها إلى قدر محتوم، وليس غلاء الأسعار، وإنما ترويض الناس على التعايش مع الغلاء حتى يصبح الألم جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية.
لقد كتب عبد الرحمن الكواكبي في طبائع الاستبداد أن الاستبداد لا يفسد السياسة وحدها، بل يفسد الأخلاق، ويُميت الإحساس بالحقوق، حتى يألف الناس المظالم كما يألفون شروق الشمس وغروبها. ولعل ما نعيشه اليوم يقترب من هذا المعنى؛ فقد أصبح المواطن يسمع كل صباح عن ارتفاع جديد في الأسعار، فلا يغضب كما كان يغضب بالأمس، لأنه استنفد رصيده من الدهشة، وصارت المفاجآت الاقتصادية خبزاً يومياً على موائد الفقراء.
أي معنى يمكن أن تبقى له التنمية إذا كانت الأسرة المغربية، التي كانت بالكاد تستطيع تدبير ضروريات العيش، أصبحت اليوم عاجزة حتى عن تأمين الحد الأدنى من متطلبات الكرامة؟
لقد صار المواطن يدخل السوق وهو يحمل قائمة طويلة، ثم يعود إلى بيته بنصفها، وربما بأقل من نصفها، لأن الأسعار تسبق قدرته الشرائية بخطوات واسعة. لم يعد الغلاء يقتصر على الكماليات، بل طال الخبز، والخضر، واللحوم، والزيوت، والأدوية، وفواتير الماء والكهرباء، والإيجار، والنقل، حتى غدت الحياة نفسها مشروعاً مكلفاً.
أليس من حق الشباب أن يسأل:
كيف تريدون منا أن نفكر في الزواج، ونحن عاجزون عن كراء غرفة؟
كيف تريدون منا أن نؤسس أسرة، بينما الراتب ـ إن وجد ـ ينتهي قبل منتصف الشهر؟
كيف تطلبون منا أن نؤمن بالمستقبل، وأنتم تجعلون الحاضر نفسه عبئاً ثقيلاً؟
لقد قال الفيلسوف جون رولز إن معيار عدالة الدولة ليس حجم ثروتها، وإنما كيفية توزيع تلك الثروة، ومدى انعكاسها على الفئات الأقل حظاً. وهنا يكمن السؤال المؤلم: لماذا يشعر المواطن البسيط بأن كل مؤشرات النمو لا تمر من أمام بابه؟ ولماذا تبقى التنمية، بالنسبة إليه، خبراً يقرأه في الصحف أكثر مما يلمسه في حياته؟
ثم ماذا عن التشغيل؟
لقد تحولت البطالة من ظاهرة اقتصادية إلى جرح نفسي عميق. فالشاب الذي يقضي سنوات عمره بين الجامعة ومراكز التكوين، لا ينتظر من الدولة صدقة، ولا يبحث عن امتياز، بل يطلب حقاً أصيلاً: فرصة عمل تحفظ كرامته.
لكن الواقع يقول إن كثيراً من الكفاءات تُترك على أرصفة الانتظار، بينما تتقدم في أحيان كثيرة اعتبارات القرابة والولاء والوساطة على معيار الاستحقاق. وهذا ما يجعل الإحساس بالغبن أشد من البطالة نفسها، لأن الإنسان قد يصبر على قلة ذات اليد، لكنه يصعب عليه أن يصبر حين يشعر أن قواعد المنافسة غير متكافئة.
وقد قال محمد عابد الجابري إن أخطر ما يهدد الدولة هو فقدان المواطن ثقته في عدالة المؤسسات. والثقة لا تُستعاد بالشعارات، وإنما بسياسات تجعل الشاب يؤمن أن جهده لن يضيع، وأن مستقبله لن يكون رهيناً بهاتف من صاحب نفوذ أو توقيع من صاحب امتياز.
⸻
الصحة… حين يصبح المرض امتحاناً للفقر
ثم تعالوا نسأل سؤالاً لا يحتاج إلى كثير من البلاغة:
ماذا يفعل المواطن البسيط إذا مرض؟
هل يجد مستشفى يستقبله بكرامة؟
هل يجد طبيباً مختصاً في الوقت المناسب؟
هل يجد دواءً في متناول قدرته؟
كم من مريض ينتظر أشهراً للحصول على موعد؟
وكم من أسرة باعت ما تملك لتغطية تكاليف علاج كان يفترض أن يكون حقاً دستورياً؟
إن الدولة لا تُقاس بعدد المستشفيات التي تُدشَّن أمام عدسات الكاميرات، بل بقدرة المواطن على الولوج إلى العلاج دون إذلال، ودون وساطة، ودون أن يتحول المرض إلى حكم بالإفلاس.
قال ابن حزم: «الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى.» وإذا كانت الدولة الاجتماعية تعني شيئاً، فإن أول معانيها أن لا يشعر المواطن بأن حياته معلقة بقدرته على دفع فاتورة العلاج.
⸻
التعليم… عندما يتحول الحلم إلى شهادة معلقة على الجدار
أما التعليم، وهو رافعة الأمم وميزان نهضتها، فقد أصبح في كثير من الأحيان عنواناً لخيبة جديدة.
أي رسالة نبعث بها إلى التلميذ الذي يرى المدرسة العمومية تفقد بريقها عاماً بعد آخر؟
وأي معنى تبقى للشهادة الجامعية، إذا كان حاملها يضيفها إلى ملف البطالة؟
لقد كان التعليم، في زمن مضى، سلماً للترقي الاجتماعي، أما اليوم، فإن كثيراً من الشباب لم يعودوا يرونه إلا محطة انتظار طويلة قبل الاصطدام بسوق شغل مغلق.
وقد كان نيلسون مانديلا يقول: «التعليم هو أقوى سلاح يمكنك استخدامه لتغيير العالم.» لكن أي تغيير يمكن أن يصنعه تعليم لا يقود إلى أفق، ولا يفتح باباً، ولا يمنح صاحبه شعوراً بأن جهده كان ذا جدوى؟
⸻
الإفراغات القسرية… حين يصبح السكن امتيازاً لا حقاً
ومن أكثر الصور إيلاماً في السنوات الأخيرة، تلك التي وثقت إخراج أسر كاملة من منازلها بالقوة، في عز الشتاء، وتحت المطر، وفي ذروة الموسم الدراسي، بينما الأطفال يراقبون أثاث بيوتهم يُلقى في الشارع.
قد يكون للإفراغ سند قانوني في بعض الحالات، لكن القانون لا ينبغي أن يفقد روحه الإنسانية.
فهل كان من المتعذر تأجيل التنفيذ إلى حين انتهاء موجة البرد؟
وهل كان من المستحيل مراعاة مصلحة الأطفال الذين وجدوا أنفسهم بين ليلة وضحاها بلا مأوى، وبلا استقرار نفسي، وبلا بيئة تساعدهم على متابعة دراستهم؟
أي ذاكرة ستبقى في وجدان طفل رأى كتبه المدرسية تختلط بأغطية أسرته على الرصيف؟
وأي إحساس بالانتماء سينمو داخله وهو يرى البيت، الذي كان يمثل بالنسبة إليه معنى الأمان، يتحول في لحظات إلى ذكرى؟
لقد كتب الفيلسوف غاستون باشلار في جماليات المكان أن البيت ليس مجرد جدران وسقف، بل هو المستودع الأول للطمأنينة والذاكرة والهوية. فإذا كان الأمر كذلك، فإن اقتلاع الإنسان من بيته ليس مجرد إجراء إداري، بل زلزال نفسي واجتماعي يمتد أثره لسنوات.
فكيف نتحدث عن “الدولة الاجتماعية”، بينما تُقتلع أسر من بيوتها في أقسى فصول السنة، وفي وقت يحتاج فيه الأطفال إلى الاستقرار من أجل مواصلة تعليمهم؟
وهل التنمية تُقاس بعدد البنايات التي تُشيَّد، أم بعدد البيوت التي تحفظ كرامة أصحابها؟
إن هذه الأسئلة ليست مرافعة ضد القانون، وإنما دعوة لأن يكون القانون مصحوباً بالعدالة والرحمة، لأن الدول تُبنى بقوة المؤسسات، لكنها تستمر أيضاً بقوة إنسانيتها.