ثقافة و فن

“الفقيه لي نتسناو براكتو”.. عبد العزيز سعدي يفتح ملف الفتوى الرقمية وتحولات الخطاب الديني بالمغرب

  الحنبلي عزيز -متابعة

يُعد كتاب “الفقيه لي نتسناو براكتو”، أي الفقيه الذي ننتظر بركته، للباحث المغربي عبد العزيز سعدي، الصادر في أبريل 2026، عملاً نقدياً وتحليلياً يرصد تحولات الخطاب الديني في المغرب، خاصة مع بروز ظاهرة “الدعاة الجدد” ونجوم الفتوى الرقمية، الذين أصبحوا يحضرون بقوة في مواقع التواصل الاجتماعي والمنابر الإلكترونية.

ويستمد الكتاب عنوانه من المثل الشعبي المغربي المعروف: “الفقيه لي نتسناو براكتو دخل للجامع ببلغتو”، وهو مثل ساخر يُستعمل للدلالة على خيبة الأمل حين يصدر عن شخص يُفترض فيه الوقار والعلم سلوكٌ مخالف لما ينتظره الناس منه. ومن خلال هذا العنوان، يسلط الكاتب الضوء على التناقض بين الصورة التقليدية للفقيه، باعتباره رمزاً للعلم والحكمة والاتزان، وبين بعض الممارسات الوعظية المعاصرة التي تميل إلى الإثارة وصناعة الجدل داخل الفضاء العمومي والرقمي.

ينطلق عبد العزيز سعدي من فكرة أساسية مفادها أن الخطاب الديني لم يعد في بعض تجلياته مجرد توجيه روحي أو تربوي، بل تحول أحياناً إلى مادة استهلاكية تُنتج “الترند” وتغذي النقاشات الحادة. فبعض الفتاوى، بدل أن تساهم في التنوير والطمأنة، أصبحت تثير البلبلة وتدفع الناس إلى الانقسام حول قضايا دينية واجتماعية وثقافية.

ويفكك الكاتب، عبر نماذج متعددة، خطب ومواعظ عدد من الدعاة الجدد، سواء في صيغتها المكتوبة أو المرئية أو المسموعة، معتمداً مقاربة نقدية تكشف آليات التأثير في الجمهور، وطريقة استعمال اللغة الدينية لإثارة الانتباه، واستقطاب المتابعين، وبناء نوع من النجومية الوعظية.

كما يتوقف الكتاب عند علاقة الفقه بالتحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب، موضحاً أن بعض الخطابات الدينية المتداولة لا تنسجم دائماً مع الخصوصية الثقافية والاجتماعية المغربية، ولا مع متطلبات الواقع المعاصر. ويرى الكاتب أن استيراد بعض التصورات المتشددة أو المغلقة يساهم في التشويش على التدين المغربي المعروف تاريخياً بالاعتدال والتوازن.

ويولي الكتاب أهمية خاصة لتأثير الفضاء الرقمي في تضخيم الفتاوى المثيرة للجدل. فالفتوى، التي كانت في السابق مرتبطة بسياق علمي ومؤسساتي، أصبحت اليوم تنتشر بسرعة عبر المقاطع القصيرة والتدوينات والمنصات الاجتماعية، ما يجعلها أحياناً أقرب إلى مشهد إعلامي منها إلى اجتهاد فقهي رصين. وهذا التحول، في نظر الكاتب، يهدد مصداقية الخطاب الديني ويضعف ثقة الجمهور في المؤسسات الدينية الجادة.

وقد أثار الكتاب نقاشاً واسعاً بين القراء والمهتمين بالشأن الديني والفكري. فهناك من اعتبره مساهمة ضرورية في نقد مظاهر التوظيف الشعبوي للدين، وتنقية الحقل الديني من ممارسات تتخفى وراء الوعظ لكنها تبحث عن الشهرة والإثارة. في المقابل، رأى بعض المنتقدين أن الكتاب يبالغ في نقد الفقهاء، وأنه قد يُفهم كاستهداف عام للخطاب الديني، رغم أن صاحبه يميز بين الفقيه العالم الرصين وبين من يحول الدين إلى وسيلة للظهور والتأثير السريع.

ويخلص الكتاب إلى ضرورة فتح نقاش جدي حول تجديد الخطاب الديني، بما يحقق التوازن بين المرجعية التراثية ومتطلبات العصر، دون تبسيط مخل أو قطيعة متسرعة. كما يحذر من خطورة تحويل الدين إلى “سلعة رقمية”، ومن اختزال الفقه في فتاوى مثيرة تنتشر بسرعة لكنها تترك أثراً سلبياً في وعي الناس وفي صورة الدين داخل المجتمع.

ويأتي هذا الإصدار امتداداً لمسار فكري اشتغل فيه عبد العزيز سعدي على مساءلة الخطاب الديني والتيارات الفكرية بالمغرب، بعد عمله السابق “سلفي وتنويري وجهاً لوجه”. وبذلك يشكل كتاب “الفقيه لي نتسناو براكتو” محاولة جديدة لتشريح المشهد الديني المغربي، والدعوة إلى خطاب أكثر عقلانية واتزاناً، يحترم خصوصية المجتمع المغربي، ويعيد الاعتبار إلى دور الفقيه بوصفه موجهاً ومربياً، لا صانعاً للضجيج والفتنة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى