حوار مع مصطفى عنترة بمناسبة صدور كتابه “الأمازيغ والهوية الوطنية: بين الخطاب السياسي والاعتراف الدستوري”

ترجمة: أحمد رباص
نشر مصطفى عنترة، الباحث الجامعي المتخصص في التنوع الثقافي والمواطنة والديمقراطية، كتابًا بعنوان “الأمازيغ والهوية الوطنية: بين الخطاب السياسي والاعتراف الدستوري”. يُسلط المؤلف، وهو أيضًا أستاذ بدوام جزئي في كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية في عين الشق بالدار البيضاء، وفي المعهد العالي للصحافة بالدار البيضاء، الضوء في هذا الكتاب، الذي كتب مقدمته حسن أوريد، على تطور الهوية الأمازيغية في المغرب، من الإنكار السياسي إلى التأسيس الدستوري. ويُبرز الفجوة المستمرة بين الاعتراف القانوني والتطبيق الفعلي، مُقدمًا المواطنة كهدف جامع.
بمناسبة صدور كتابه الجديد، أجرت جريدة رقمية وطنية معه حوار نقدم في ما يلي لقراء وزوار “تنوير” مضمونه الكامل
ـ ما الذي دفعك لإعادة النظر في قضية الهوية الأمازيغية والهوية الوطنية اليوم؟
+ لا ينبغي فهم هذه العودة إلى القضية على أنها استجابة ظرفية أو رد فعل عابر لسياق معين، بل هي تعبير عن استمرار مشكلة بنيوية لم تُحل بعد في المجال العام المغربي. في الواقع، ما تزال مسألة الهوية الأمازيغية تحتل مكانة مركزية في النقاش العام، ليس فقط كقضية ثقافية أو لغوية، بل أيضاً كحجر أساس لفهم طبيعة الدولة وحدود قدرتها على إدارة التنوع الثقافي واللغوي والهوياتي.
علاوة على ذلك، فإن التحولات التي يشهدها المغرب، على المستويين الدستوري والسياسي، تستلزم إعادة تقييم عميقة لكيفية تصورنا لهويتنا الجماعية، في ظل وعي متزايد بأهمية الاعتراف بالتنوع كركيزة للديمقراطية. لا يقتصر الأمر على مجرد الاعتراف بأحد مكونات الهوية، بل يتعداه إلى إعادة بناء مفهوم شامل للانتماء الوطني قائم على التعددية لا الاختزال، وعلى الإدماج لا الإقصاء.
من هذا المنطلق، باتت معالجة قضية الهوية الأمازيغية محورية في العملية الديمقراطية، باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الحقوق الثقافية واللغوية. وفي سياق دولي باتت فيه الثقافة أداةً أساسيةً لإدارة التعددية، لم يعد الاعتراف بالتنوع خيارًا رمزيًا، بل ضرورة سياسية لضمان التوازن الاجتماعي، والحد من النزاعات، وتعزيز التعايش، وتوطيد التماسك الاجتماعي، وصولًا إلى الاستقرار السياسي والتنمية المستدامة.
ـ ما هو أبرز تطور شهده الخطاب الرسمي حول قضية الهوية الأمازيغية منذ الاستقلال؟
+ يمكن القول إن أبرز تغيير يكمن في التحول التدريجي من منطق الإنكار والتهميش إلى منطق الاعتراف والتأسيس المؤسسي. وقد تُوِّجت هذه العملية بخطوة حاسمة: إدراج الهوية الأمازيغية في دستور عام 2011. رفعت هذه الخطوة الهامة مكانة الهوية الأمازيغية من كونها عنصرًا ثقافيًا إلى لغة رسمية للدولة.
لم يأتِ هذا التغيير صدفةً، بل كان نتاج تفاعل دينامي بين التحولات المجتمعية والضغوط المؤيدة لحقوق الإنسان، والتي لعب فيها المجتمع الأمازيغي دورًا محوريًا، فضلًا عن المكاسب الفكرية والسياسية التي تراكمت على مدى عقود من النضال. ويمكن اعتبار خطاب جلالة الملك التاريخي، الذي ألقاه في أجدير عام 2001، لحظةً فارقةً أعادت تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع الأمازيغي، مُتبنّيةً نهجًا قائمًا على الاعتراف والتمكين.
أدى هذا التوجه إلى إنشاء المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وهي مؤسسة مُكلفة بالترويج العلمي للغة الأمازيغية ودمجها في قطاعات حيوية كالتعليم والإعلام. ثم جاء دستور عام 2011 الذي رسّخ هذا التطور بجعل الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وإنشاء المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية كهيئة لتنظيم وإدارة التنوع الثقافي واللغوي.
ـ هل لا تزال هناك فجوة بين الخطاب السياسي والواقع المؤسسي؟
+ نعم، ثمة فجوة كبيرة بين الخطاب السياسي والممارسة المؤسسية. فعلى الرغم من الاعتراف الرسمي بالتعدد اللغوي والثقافي، إلا أن التطبيق العملي ما يزال بطيئًا في عدة مجالات: التعليم، والإعلام، والإدارة، والحياة العامة.
يرتبط هذا المأزق بطبيعة البنيات الاجتماعية والمؤسسية التي تشكلت على مدى عقود تحت راية الإنكار. ولا يمكن أن يكون تحولها فوريًا، بل يتطلب وقتًا، فضلًا عن إعادة صياغة التمثيلات الجماعية والآليات المؤسسية.
يمكننا هنا الحديث عن تحول تدريجي، يُوصف أحيانًا بـ”ثورة ثقافية صامتة”، مدفوع بإرادة سياسية واضحة، لا سيما في رؤية جلالة الملك محمد السادس، وبدعم من مختلف الجهات الفاعلة المؤسسية والسياسية والفكرية.
ـ هل حسم دستور 2011 مسألة الهوية حقًا؟
+ من الصعب الجزم بأن دستور 2011 قد حسم مسألة الهوية بشكل نهائي. بل أعاد صياغتها ضمن إطار دستوري متطور، معترفًا بتعدد مكونات الهوية الوطنية. مع ذلك، لا يُنهي هذا الترسيم النقاش، بل على العكس، يفتح آفاقًا جديدة للتطبيق. فالهوية ليست كيانًا ثابتًا، بل هي عملية دينامية في طور التكوين المستمر.
ـ لماذا لا تواكب السياسات العامة هذا الاعتراف الدستوري؟
+ يُعزى هذا التفاوت إلى صعوبة الانتقال من الاعتراف الرمزي إلى التطبيق الفعال. يتطلب هذا التحول موارد بشرية مؤهلة، وموارد مالية كافية، وتحولًا جذريًا في الثقافة الإدارية.
يُضاف إلى ذلك مسألة أولويات السياسة العامة، حيث تتقدم بعض المشاريع الهيكلية ببطء نظرًا لطبيعتها الشاملة وتأثيرها على قطاعات متعددة.
ـ هل غيّر الاعتراف الرسمي بالهوية الأمازيغية نظرة المغاربة لأنفسهم؟
+ إلى حد كبير، نعم. فقد ساهم الاعتراف باللغة الأمازيغية في إعادة إحياء مكانتها كعنصر أساسي في الهوية الوطنية، مما عزز فهمًا أكثر انفتاحًا وتعددية للرابطة الجماعية. مع ذلك، ما يزال هذا التطور قيد الترسخ. فآثار عقود من التهميش لا تزول سريعًا، وتتطلب جهودًا متواصلة في مجالات التعليم والثقافة والإعلام.
ـ هل تهتم الأجيال الشابة بهذه النقاشات؟
+ الأجيال الشابة أقل اهتمامًا بالنقاشات النظرية حول الهوية، وأكثر انشغالًا بقضايا العدالة الاجتماعية والمساواة والكرامة. إلا أن هذه الاهتمامات تعكس قضايا الهوية بصورة مختلفة. فقد ساهمت العولمة والتحولات الرقمية أيضًا في توسيع أطر الهوية، التي أصبحت الآن أكثر تعددًا وتداخلًا بين المستويات المحلية والوطنية والعالمية.
ـ هل تؤدي المدرسة دورها في بناء هوية تعددية؟
+ ما تزال المدرسة ركيزة أساسية، لكن دورها لا يزال غير متوافق تمامًا مع أهداف دستور 2011.
+ رغم إدخال الدراسات الأمازيغية في المنظومة التعليمية، فإن المناهج الدراسية لا تدمج بشكل كامل فلسفة التعددية اللغوية والثقافية. ولا يزال من الضروري إجراء إصلاح جذري للمحتوى وأساليب التدريس لجعل المدرسة بيئةً للتعلم والعيش المشترك.
ـ هل تطورت رؤيتك الشخصية للهوية المغربية؟
+ نعم. لقد تحولت من مفهوم متجانس إلى رؤية أكثر انفتاحًا وشمولية، تأخذ في الاعتبار التراث التاريخي والثقافي الغني للبلاد.
تُعتبر الهوية المغربية اليوم بناءً تاريخيًا ديناميًا، لا جوهرًا ثابتًا. ولذلك، لم يعد التعامل مع التنوع خيارًا، بل ضرورة هيكلية.
ـ هل تلاحظون مؤشرات على توترات هوية في النقاش العام اليوم؟
+ لا يمكننا الحديث عن توترات حادة أو صراعات مفتوحة. مع ذلك، تعكس بعض النقاشات أحيانًا سوء فهم أو تنافسات رمزية بين مجموعات هوية مختلفة.
في المجتمعات التي تشهد تحولات، يُعد هذا النوع من الديناميكية طبيعيًا نسبيًا. ومع ذلك، فهو يستدعي الحذر، إذ تبقى مسألة الهوية حساسة، وقد تؤثر على التماسك الاجتماعي إذا لم تُدار بشكل سليم.
من هنا تبرز أهمية النقاش العقلاني، القائم على الاعتراف المتبادل والإدارة الديمقراطية للتنوع.
+ هل يمتلك المجلس الوطني للغات والثقافة في المغرب موارد كافية؟
لا تكمن المشكلة في الموارد فحسب، بل أيضًا في القدرة على العمل وسرعة تنفيذ مهام هذه المؤسسة.
مع ذلك، يحتل المجلس مكانة مركزية في الإطار الدستوري، كأداة لتنسيق وتخطيط السياسات اللغوية والثقافية. ويهدف إلى تجاوز المقاربات القطاعية لتقديم رؤية متكاملة للتنوع.
ـ لماذا تعتبر المواطنة مفهومًا أكثر توحيدًا من الهوية؟
+ لأن المواطنة تقوم على مبادئ عالمية: المساواة أمام القانون، والحقوق والمسؤوليات، والمشاركة في الحياة العامة.
أما الهوية، عند اختزالها إلى بُعد واحد، فقد تُصبح أحيانًا إقصائية. في المقابل، تُتيح لنا المواطنة تنظيم التنوع ضمن إطار مشترك دون طمسه. وبالتالي، فهي تُوفر إطارًا أكثر استقرارًا لإدارة التعددية وتعزيز التماسك الاجتماعي.
ـ هل تُبدي الأجيال الشابة اهتمامًا بهذه النقاشات؟
+ لقد أحدثت التحولات العالمية، ولا سيما العولمة والتكنولوجيا الرقمية، تغييرات جذرية في أشكال الانتماء. أصبحت الهوية الآن متعددة الأوجه وشاملة.
ينجذب الشباب بشكل متزايد إلى مبادئ الحقوق والعدالة والمشاركة، والتي تُعكس بشكل غير مباشر قضايا الهوية بصورة مُتجددة.
لو أردنا تلخيص قضايا الأمازيغ في جملة واحدة:
تُعدّ الهوية الأمازيغية اختباراً حاسماً لقدرة المغرب على بناء نموذج ديمقراطي قائم على الاعتراف بالتنوع وتوطيد التماسك الاجتماعي.
الحوار منشور في جريدة “le matin” بتاريخ 2026/05/12


