افتتاحية

صراع الأحرار و«البام» يشعل ما قبل الانتخابات.. حرب بلاغات أم «ميركاتو» سياسي للمرشحين؟

الحنبلي عزيز

هل نحن أمام حرية طبيعية في الاختيار السياسي، أم أمام «ميركاتو» انتخابي يعيد ترتيب الأسماء بينما تظل الأفكار والبرامج في الخلف؟

هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه بعد حرب البلاغات التي اندلعت بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة، وهما حزبان يفترض أنهما شريكان في الأغلبية الحكومية، قبل أن يتحولا، مع اقتراب الانتخابات، إلى خصمين يتبادلان الاتهامات حول استقطاب المنتخبين والمرشحين.

بلاغ التجمع الوطني للأحرار تحدث بلغة أخلاقية عالية النبرة عن «الاستمالة والضغوط» و«الممارسات المشينة» وتهديد الثقة في العمل السياسي. وهي عبارات تبدو، في ظاهرها، دفاعاً مشروعاً عن نزاهة التنافس. لكن المشكلة أن البلاغ لم يقدم للرأي العام ما يكفي من الوقائع التي تثبت وجود إكراه أو ضغط فعلي، بل جمع بين الانتقال الحزبي والاستمالة وكأنهما بالضرورة شيء واحد.

ثم إن السؤال الذي يصعب على الأحرار تفاديه هو: هل كان الحزب دائماً رافضاً لانتقال المنتخبين بين التنظيمات السياسية، أم أن المشكلة ظهرت عندما تغير اتجاه هذه الانتقالات وأصبح هو الطرف الذي يخسر بعض الأسماء؟

أما الأصالة والمعاصرة، فقد اختار رداً معاكساً تماماً. فبدلاً من الحديث عن «الاستمالة»، رفع شعار «حرية الاختيار والانتماء»، وذكّر بأن الأحرار نفسه استفاد في انتخابات 2021 من انتقال برلمانيين ومنتخبين قادمين من أحزاب أخرى.

حجة قوية سياسياً، لكنها ليست جواباً كاملاً.

فأن يكون الانتقال الحزبي قانونياً لا يعني بالضرورة أنه صحي سياسياً. وأن يكون الأحرار قد استفاد منه سابقاً لا يجعل منه ممارسة نموذجية ينبغي الدفاع عنها اليوم. المشكلة أعمق من معرفة من بدأ أولاً، ومن استقطب أكثر.

المثير أن كلا البلاغين يتحدثان عن الديمقراطية، لكنهما يكشفان، من حيث لا يقصدان، أزمة أخرى: ضعف الارتباط بين الأشخاص والبرامج الحزبية.

فإذا كان منتخب يستطيع أن ينتقل من حزب إلى آخر عشية الانتخابات، ويجد موقعاً متقدماً في اللوائح الجديدة، فما الذي يبقى من معنى الهوية السياسية؟ وأين تنتهي القناعة وتبدأ الحسابات الانتخابية؟

الأكثر إثارة للقلق أن هذا السجال يجري بين حزبين يدبران معاً الشأن الحكومي. فإذا كانت الثقة بين مكونات الأغلبية قد وصلت إلى مستوى تبادل الاتهامات بالضغط والاستمالة، فمن المشروع التساؤل عن طبيعة العلاقة التي كانت تجمعهما طوال السنوات الماضية.

وفي خضم هذه الحرب، يغيب المواطن تقريباً.

لا نقاش جدي حول التشغيل أو الصحة أو التعليم أو غلاء المعيشة، بل معركة حول المرشحين والتزكيات وموازين القوى.

لهذا، فإن المشكلة ليست فقط في «استمالة» مرشح أو في «حرية» آخر في تغيير حزبه، وإنما في منظومة سياسية تجعل الأشخاص أهم من البرامج، والولاءات الانتخابية أقوى من الانتماءات الفكرية.

وحين تتحول السياسة إلى سوق لانتقالات المرشحين، تصبح الانتخابات أقرب إلى «ميركاتو» موسمي، فيما تظل الأفكار والمشاريع، مرة أخرى، تنتظر دورها على مقاعد الاحتياط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى