تنوير -متابعة
أخرج حزب التجمع الوطني للأحرار خلافاته مع حليفه في الأغلبية، حزب الأصالة والمعاصرة، إلى العلن، بعدما أصدر مكتبه السياسي، في 25 غشت 2026، بلاغاً شديد اللهجة يتهم فيه «البام» بممارسة الاستمالة والضغط على عدد من برلمانييه ومنتخبيه وقياداته، محذراً من أن استمرار هذه الممارسات قد يضرب مصداقية العمل السياسي وثقة المواطنين في المؤسسات الحزبية.
بلاغ «الأحرار» يطرح، من حيث المبدأ، إشكالية حقيقية. فتحويل الانتخابات إلى سوق مفتوحة لاستقطاب الأعيان والمرشحين، بعيداً عن البرامج والمرجعيات، يساهم بالفعل في إفراغ العمل الحزبي من مضمونه. لكن قوة هذا التشخيص لا تعفي الحزب من سؤال أساسي: هل كل انتقال حزبي هو بالضرورة نتيجة ضغط أو استمالة؟ وأين الأدلة التي تسمح بالانتقال من الشك السياسي إلى الاتهام؟
الحزب ذكر أسماء عبد الحي حرطون ومحمد الجماني وزينب السيمو وعثمان بادل ومنال بادل وبشرى الوردي وعبد الحفيظ المكوتي وعبد القادر الحضوري، لكنه لم يقدم، في بلاغه المنشور للرأي العام، تفاصيل دقيقة حول طبيعة الضغوط المفترضة أو الجهات والأشخاص الذين مارسوها أو الوقائع المادية التي تثبتها.
وهنا تظهر إحدى نقاط ضعف البلاغ: فهو يضع الانتقالات الحزبية في خانة «الممارسات المشينة»، بينما يقول بعض المعنيين أنفسهم إن قرارهم كان اختياراً سياسياً حراً. منال بادل، مثلاً، ربطت مغادرتها للأحرار بما وصفته بإخفاقات في التواصل مع المنتخبين والناخبين، مؤكدة أن انضمامها إلى الأصالة والمعاصرة جاء بعد تقييم لمسارها السياسي وليس نتيجة ضغط.
الأكثر إحراجاً لخطاب «الأحرار» هو الرد الذي قدمه «البام». فقد نفى الأخير ممارسة أي إكراه، وذكّر بأن التجمع الوطني للأحرار نفسه رشح خلال انتخابات 2021 أكثر من 17 برلمانياً كانوا ينتمون سابقاً إلى خمسة أحزاب، بينهم ستة من الأصالة والمعاصرة.
هذه المعطيات لا تثبت أن اتهامات الأحرار خاطئة، لكنها تجعل النقاش أكثر تعقيداً من رواية «حزب يتعرض للاستهداف». فإذا كان الانتقال الحزبي مشروعاً عندما تستفيد منه جهة، فسيكون من الصعب اعتباره مساساً بالديمقراطية بمجرد تغير اتجاه الحركة.
المفارقة الأكبر أن الحزبين اللذين يتبادلان اليوم الاتهامات ظلا شريكين في الأغلبية الحكومية. ما يعني أن «حرب البلاغات» تكشف دخول الانتخابات مبكراً إلى قلب تحالف كان يفترض أن يجمعه حد أدنى من الثقة السياسية.
والأخطر أن المواطن يكاد يغيب عن هذا السجال. فبدل التنافس حول الصحة والتعليم والتشغيل والقدرة الشرائية، يتصدر المشهد سؤال: من أخذ مرشح من؟
وفي النهاية، لا تحمى مصداقية السياسة بالبلاغات وحدها، ولا بالحديث عن تخليق الحياة الحزبية عندما تتعارض المصالح. وإنما تحمى بقواعد واضحة تطبق على الجميع، وبأحزاب تجعل قوة البرنامج والتنظيم أهم من حركة الأسماء والتزكيات.
فالامتحان الحقيقي ليس في عدد المرشحين الذين يحتفظ بهم كل حزب، بل في ما إذا كانت الانتخابات ستظل منافسة بين مشاريع سياسية أم تتحول إلى مجرد «ميركاتو» كبير للمنتخبين.