لانقصد بذلك، العودة إلى الخيمياء كعلم قديم للمادة، ولكننا نستدعي الخيمياء كاستعارة فلسفية ومنهجية لفهم جدور وامكانات التحول السياسي في المغرب. اي محاولة استقراء الانتقال من حال إلى حال من منظور الخيمياء، بفعل قوى ظاهرة وخفية، مادية ورمزية، واعية وفي احيان اخرى غير واعية، خيمياء السياسة هي مختبر كيميائي يتجاوز المقاربة النسقية لدافيد استون و يسمح بطرح أسئلة أخرى حول تحول المادة الاجتماعية في علاقاتها الاقتصادية المعقدة إلى نظام سياسي . إنها سؤال حول كيف تتحول الجماعات القبلية التقليدية إلى مجتمع سياسي عصري في المغرب؟ وكيف يتحول الاعتقاد والولاء إلى سلطة شرعية وكيف تحول الدين إلى مورد للشرعية السياسية؟
بهذا المعنى، فالسياسة في المغرب لا تبدأ بالدستور ولا بالبرلمان ولا بالحزب ولا بالانتخابات والتي ربما قد تكون صورا صورية من تجسدها المؤسسي. السياسة تبدأ قبل الدولة والمؤسسات، منذ اللحظة التي تحولت فيها الجماعة من مجرد تجمع بشري إلى جماعة ذات عقل جمعي تنتج عبر التجربة والذاكرة والعرف والمعتقد تصوراتها عن النظام والسلطة والعدل والواجب والانتماء. وفي هذا المستوى تشكلت القواعد الأولية التي تنظّم العيش المشترك وتحدد مصادر الشرعية، ومعايير الطاعة والمكانةوطرائق تدبير النزاع وتوزيع الموارد.
ومن هنا، فإن التاريخ الخيميائي للسياسة ليس فقط تاريخ الدول والحكام والعائلات الحاكمة والأشخاص،
انه تاريخ لتكون العقل الجمعي في شروط قبل نظام الدولة القومية الحديثة كما تناوله ابن خلدون في مفهومي العصبية والعمران، وكذا من منظور دوركايم في الوعي الجمعي، ويمكن ان نفهمه بشكل ادق من منظور فيبر في أنماط الشرعية، وكدا من خلال اطروحة موس في منطق العطاء والتبادل ثم مع بورديو في كيفية تحول البنى الاجتماعية إلى تصورات وممارسات تبدو طبيعية أي الهابيتوس الاجتماعي. وبذلك تصبح السياسة، قبل أن تكون مبحثا لدراسة المؤسسات السياسية وتحليل العلاقات السياسية، إطارا ممكنا لدراسة التراكمات التاريخية وكيفية إعادة إنتاجها عبر الزمن.
خيمياء السياسة هي محاولة تشريحية لتاريخ تحول الإنسان من كائن بيولوجي واجتماعي إلى كائن سياسي في المغرب، وهي محاولة تفكيكية لبسط التحليل على اشكال التحول التي شهدتها الروابط الأولية من القرابة والجوار والقبيلة والعشيرة والطائفة والمصلحة إلى روابط مؤسساتية او تدعي كونها كذلك، وهي روابط أكثر تركيبا وتعقيد تقوم على مفاهيم متنافرة تتعايش بصعوبة في شروط الانتقال نحو الدولة الحديثة ومنها: الرعية والثوابت الدينية والوطنيةوالأمة ودولة الحقوق والحريات والعقد الاجتماعي والمواطنة .
سؤال خيمياء السياسة قد يعود بنا إلى تاريخ ظهور الدولة المغربية؟ أو الأمة المغربية؟ وكيف تشكلت العلاقات السوسيوسياسية عبر التاريخ وجعلت السلطة مفهوما قابلا للتصور والممارسة والطاعة والمقاومة والتفاوض؟ وكيف أنتجت هذه العلاقات نوعاً معيناً من «العقل السياسي» الذي أعاد، في كل مرحلة تاريخية، تعريف الدولة والجماعة والسلطة والشرعية والانتماء؟
قد تكون الخيمياء مدخلا لابد منه لفهم التاريخ الاجتماعي للسياسة، لتشريح سلسلة طويلة من عمليات التحول، من القبيلة إلى الجماعة السياسية ومن العصبية إلى الدولة ومن الجماعة إلى العمران، ومن البيعة إلى الشرعية، ومن السلطان إلى المؤسسة ومن الرعية إلى المواطن ومن الحكم الشخصي إلى دولة الحق والقانون وكذلك من المقدس السياسي إلى الشرعية الدستورية،
في هذا المستوى، لا يمكن فهم تاريخ الدولة المغربية خارج ابن خلدون ومنظور العصبية كقدرة اجتماعية على التضامن والتماسك وحمل مشروع سياسي يتجاوز الفرد وتقبل الدولة كجهاز قهري وعمراني وكاسمى نمط من أنماط العيش المشترك. الدولة-الأمة المغربية لا ينبغي أن تقرأ باعتبارها وليدة لحظة الاستقلال وحدها، بل باعتبارها حصيلة تاريخ طويل من تحولات العلاقة بين الجماعة والسلطة والمجال والشرعية من التشكيلات السياسية والدينية المبكرة، كـبرغواطة وبني يفرن وغيرها من الكيانات المحلية، مروراً بالدولة الإدريسية ثم المرابطية والموحدية والمرينية والسعدية، وصولا إلى الدولة العلوية، مع ما رافق ذلك من أنماط متباينة في إنتاج السلطة والشرعية وتنظيم المجال وربط المركز بالجماعات. وبذلك يصبح تاريخ الدولة المغربية تاريخاً لتراكم طبقات من العقل السياسي. إنها مراحل مختلفة في إعادة تنظيم المجال، وتوزيع السلطة، وإنتاج الشرعية، وتركيب العلاقة بين المركز والأطراف وبين القبيلة والمخزن، وبين العلماء والسلطةوبين الزوايا والدولة، وبين المجال الديني والمجال السياسي.
وهو المخاض التاريخي الذي انتج مفهوم المخزن كبنية للعلاقة السياسية وطريقة للارتقاء الاجتماعي والوصول إلى السلطة ونظام للجباية والحماية والولاء، وشبكة من الوسطاء والرموز والمراتب، وصيغة تاريخية لتنظيم العلاقة بين المركز والمجالات الاجتماعية. نحن امام مفهوم خيميائي وصيغة تاريخية أنتجها التفاوض والمواجهات المسلحة والإدماج والإخضاع بالسيف والجزرة إلى أن أصبح واقعا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ورمزا دينيا واقعا ملموسا من خلال البيعة والمصالح والامتياز والحماية والاعتراف المتبادل بين المخزن والقبائل وباقي الشرائح الاجتماعية.
تشكل العقل السياسي المغربي قبل دخول المستعمر الفرنسي وبعده كان يقوم على مفهوم البيعة كمفهوم فقهي يقع في المنطقة الفاصلة بين الديني والسياسي والاجتماعي وهو مفهوم مؤسس للخيمياء السياسية المغربية في إطار يعترف بالجماعة كطرف اساسي في إنتاج الشرعية وكصيغة تاريخية ارتضتها الدولةو المجتمع لتنظيم علاقة السلطة بالطاعة، والشرعية بالاعتراف. فالبيعة مفهوم خيميائي قد لايكون مطابقاً للسيادة الشعبية الحديثة وقد يتملص من مفهوم الدولة الدستورية المعاصرة . لأنها مجرد ألية تقليدية لإنتاج الاعتراف المتبادل وتنظيم علاقة الجماعة بالمركز السياسي. نحن امام مؤسسة تاريخية ذات حمولة دينية ورمزية واجتماعية لايمكن إعادة تأويلها وفرضها أوإدماجها داخل الدولة الترابية الحديثة لأنها استثناء قانوني وجب تاويله تاويلا ضيقا حسب المباديء الراسخة لدولة القانون والمؤسسات المعاصرة ومفاهيم السيادة والمواطنة..
وهنا يدخل الدين كمكون خيميائي أكثر حسما وثقلا في خضم هذا التحليل باعتباره أحد المكونات التاريخية العميقة للعقل السياسي المغربي. لأن الإسلام في المغرب لم يكن مجرد عقيدة فردية، بل كان إطارا لتصور السلطة. مفهوم خيميائي تداخلت فيه مفاهيم الإمامة والبيعة والأمة والشورى والمصلحة والإحسان والعلم والولاية والبركة، كما تداخلت المؤسسات الدينية والعلماء والزوايا والأوقاف مع الحياة الاجتماعية والسياسية. ومن ثم فإن فهم خيمياء السياسة في المغرب قد يدعونا لدراسة الكيفية التي تحول بها الدين من منظومة اعتقاد إلى مورد من موارد الشرعية السياسية وكيف أعادت الدولة الحديثة نفسها تنظيم هذا المورد وتدجينه وتقنينه وإدماجه داخل مؤسساتها.
المخزن والتصوف والزوايا مكوّنات أساسية لهذه «الخيمياء السياسية» فالزاوية لم تكن مؤسسة دينية محضة، بل كانت في كثير من المجالات فضاء للتربية والتعليم والتضامن والعلاج التقليدي وتنظيم بعض شؤون الري والمجال، وتسوية النزاعات، وتبادل المنافع، وأحياناً للتعبئة السياسية والجهاد. لذلك كانت علاقتها بالمخزن علاقة مركبة من الاستقلال والتفاوض والاحتواء، ومنح الشرعية واكتساب النفوذ. وتكشف الأدبيات التاريخية، من دراسات المستشرقين إلى أعمال ميشو-بيلير ودو فوكو وكاييه، ثم وثائق الحماية ومراسلات ليوطي، أن الإدارة الاستعمارية أدركت مبكراً القيمة السياسية لهذه البنى الخيميائية، فاختارت في حالات كثيرة سياسة «الحكم غير المباشر» عبر احترام المؤسسات التقليدية واستعمال بعض شبكاتها، وهو ما ظهر بوضوح في سياسة ليوطي تجاه السلطان والمؤسسات الدينية والزوايا.
يمكن العودة كذلك لأعمال إدموند دوتي (Edmond Doutté)، ميشو-بيلير (Michaux-Bellaire)، إميل لاووست (Émile Laoust)، ثم كليفورد غيرتز وجيرمان عياش وإرنست غلنر في الأنثروبولوجيا السياسية والدينية للمغرب لفهم هذه الخيمياء.
التاريخ المغربي لا يمكن اختزاله في علاقة السلطة بالدين. فهناك أيضاً المجال القبلي والمحلي والأعراف والجماعة والسوق والعائلة والعلماء والتجار والحرفيون والفلاحون والطرق الصوفية والمدن والبوادي. أي إن «المادة الاجتماعية» التي صنعت الدولة المغربية كانت شديدة التنوع. ولذلك فإن الدولة لم تكن فقط جهازا يصنع المجتمع من الأعلى ولكنها كانت أيضاً نتيجة تاريخية لتفاعلات المجتمع مع السلطة ولعمليات مستمرة من الإدماج والمقاومة والتفاوض والتكيف.
ربما قد لا تكفينا ابحاث ماكس فيبر وشارل تيلي وبندكت أندرسون وإرنست غلنر لفهم العلاقة بين الحرب والجباية وبناء الدولة وفهم تحولات الشرعية من التقليدية إلى القانونية-العقلانية وتشكل الدولة المركزية و لفهم الأمة باعتبارها جماعة متخيلة تتشكل عبر اللغة والذاكرة والرموز ووسائل الاتصال ولفهم العلاقة بين الدولة الحديثة والتجانس الثقافي والتعليم. لأن فهم خيمياء السياسة في المغرب يقتضي استحضار أعمال ابتاء التجربة أولا ولا سيما مقاربات محمد عابد الجابري للعقل السياسي المغربي والتي أعاد فيها طرح السؤال حول كيفية تشكل منظومة التفكير التي تجعل بعض أشكال السلطة والشرعية مقبولة ومفهومة للعموم وما العناصر التي تكون العقل السياسي المغربي؟ وما الذي بقي فيه من منطق القبيلة والغنيمة والعقيدة، وما الذي أضافته الدولة الحديثة والقانون والإدارة والتعليم والسوق والاستعمار والوطنية والدستور؟
كما يصبح عبد الله العروي مدخلا مهما للتفكير في تاريخانية التوافقات الاجتماعية ومفهوم الدولة الحديثة
في نفس الاطار حاول محمد أركون تجاوز سؤال العقل من بنيته السياسية نحو جذوره الدينية والتاريخية والاجتماعية من خلال مشروعه في «نقد العقل الإسلامي» الذي استحظر فيه ثقل المتخيل الديني والسياسي كوسيط بين المجتمع والسلطة،
فهل يمكن بناء مؤسسات حديثة بعقل سياسي تشكل تاريخياً في سياقات مختلفة؟ وهل يكفي استيراد المؤسسات الحديثة لكي يتغير العقل الذي يستخدمها؟ أم أن التحول السياسي الحقيقي يتطلب تحولا موازياً في مفاهيم السلطة والمواطنة والزمن والتاريخ والشرعية؟
في هذا المستوى تكتسب «خيمياء السياسة» معناها المنهجي، فهي استعارة لمسار تاريخي انتقل فيه التفكير في التحول من فضاء الخيميائي، حيث كانت البرديات والرموز والطلاسم والمختبرات القديمة تبحث في أسرار المادة وتحولاتها، إلى فضاء العلم الحديث الذي أخضع التحول لمنهج بيكون أي الملاحظة والتجربة والتصنيف والقياس. ولم يكن الانتقال قطيعة مفاجئةفقد أسهمت الممارسة الخيميائية بما راكمته من تجريب وأدوات وتقنيات، في تهيئة بعض شروط نشوء الكيمياء الحديثة، قبل أن تتبلور الحدود المنهجية بين الخيمياء والعلم الحديث. ومن هنا فإن استعارتنا ل «الخيمياء» هو محاولة للفت الانتباه إلى ضرورة إحداث قطيعة ابستمولوجية لابد منها في العقل السياسي المغربي قطيعة تكف عن توظيف الأسطورة والذاكرة والرمز والممارسة المتوارثة وتنقلها إلى مكتسبات ممكنة وقابلة للتجريب في مختبر علم السياسة الحديث خيمياء السياسة في المغرب هي جسر منهجي لفهم اساليب الانتقال الديموقراطي السلمية والسلسة والتي تستدعي حضورا قويا للفاعل السياسي المركزي في تحقيق هذا الانتقال.
الاستعمار كان لحظة تاريخية مؤثرة وشكل صدمة في العقل السياسي وفي بنية الدولة والمجتمع بعد استقدامه لنمط جديد من الإدارة والقانون والمجال الترابي والاقتصاد والتعليم والبنيات التحتية التوزيعية، وأعاد تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف، وأنتج مفاهيم جديدة للسلطة والسيادة والوطن. وفي الوقت نفسه، نشأت الحركة الوطنية باعتبارها محاولة لاستعادة الدولة وإعادة تعريف الجماعة السياسية في صورة حديثة لم يعد فيها المغرب فقط مجالا للسلطان والرعية وإنما بدأ يتحول تدريجيا إلى إدخال عنصر جديد من النخب المثقفة والمتعلمة التي اصبحت تطالب بالاستقلال والسيادة وتنتقد بشدة الظروف والملابسات التي استفرد فيها السلطان بالتوقيع على اتفاقية الحماية والسماح للفرنسيين بتدبير الشؤون العام الاقتصادية للمغاربة ونهب ثرواتهم والسطو على اراضيهم .
الاستعمار الفرنسي يمكن اعتباره مكونا قوبا في الخيمياء السياسية المغربية كيف ذلك؟ لأن الاستعمار الفرنسي الذي استقدم هاته النمادج التدبيرية الحديثة كان معارضا شرسا لاية طريقة لنقل الدولة الحديثة بعد انهاء الحماية لهاته الحركة الوطنية ولم يقبل ان تكون شريكا في السلطة السياسية بعد الاستقلال لقد عمل الاستعمار الفرنسي على محاولة تمرير الدولة الحديثة الثي كيف فيها الوسطاء الاجتماعيين التقليديين أي الأعيان المحليين يواسطة نظام قياد الإدارة الترابية، إلى الدولة الحديثة بما يضمن عدم نشوء دولة ديموقراطية حديثة وما يؤمن في نفس الوقت هيمنة السلطان على مجاله الجغرافي وما يعيد كذلك تركيب العلاقة بين الملكية والحركة الوطنية والقبائل والنخب والإدارة والأحزاب والمجتمع إلى نقطة الصفر ، اي دولة حديثة الاستقلال وبنفس المواصفات التقليدية التي كانت تحكم شرعية الدولة ما قبل الاستعمار الفرنسي.
ما بعد الاستقلال يمكن اعتباره المختبر الأهم لتحول العقل السياسي المغربي ففيه دخل المغرب مرحلة الدولة الوطنية الحديثة بما تقتضيه من إدارة وطنية ومدرسة وجيش وعملة وقانون وقضاء وحدود ومؤسسات تمثيلية وحكومة وطنية. غير أن بناء هذه الدولة كان فرصة لإعادة نسج وتركيب المكونات الخيميائية العميقة للسياسة في المغرب ولإعادة رسم علاقات القوة والشرعية التي ورثها الاستقلال. مند إقصاء حكومة عبد الله إبراهيم سنة 1960 واختلاق أزمة «مؤامرة» اغتيال ولي العهد وما رافقها من اعتقالات، ثم وفاة محمد الخامس وصعود الحسن الثاني وتصاعد الصراع مع المعارضة، وصولا إلى إعلان حالة الاستثناء سنة 1965 واختطاف المهدي بن بركة، دخل العقل السياسي المغربي طورا جديدا اتسعت فيه مركزية المؤسسة الملكية وتراجعت إمكانات التنافس السياسي المؤسسي. ثم جاءت الاعتقالات والمحاكمات ومراكز الاعتقال السرية وتازمامارت، قبل أن تبلغ أزمة الدولة ذروتها بمحاولتي الانقلاب العسكري في 1971 و1972.
وهكذا لم تكن «الخيمياء» هنا مجرد بناء مؤسسات الدولة الحديثة، بل إعادة صهر مكونات متباينة تجمع بين شرعية الملكية التاريخية وإرث الحركة الوطنية والإدارة الموروثة عن الحماية والجيش والأحزاب السياسية التي ابتداعها لمواجهة أحزاب الحركة الوطنية والاعيان والقانون والدستور، في تركيب سياسي جديد أعاد تحديد موقع كل قوة داخل الدولة. ومن هذه الزاوية يصبح عهد الحسن الثاني مختبراً لفهم كيفية انتقال الدولة من مشروع تعددي متنازع عليه إلى صيغة شديدة المركزية، وكيف أنتج هذا التحول بدوره عقلا سياسيا جديدا ستظل آثاره ممتدة في المغرب المعاصر.
الخيمياء السياسية في المغرب هي تلك الهالة من الرموز التاريخية التي ألبست للدولة الحديثة في تحول شارد نحو الحداثة والمعاصرة بالشكل الذي جعل الدولة الحديثة تستخدم الدستور والقانون والانتخابات والمواطنة بشكل صوري لأنها تعمل داخل ثقافة سياسية عريقة وغير قابلة للانتقال نحو الديموقراطية
الخيميائية السياسية هي الجمع بين الحداثة والتقليد وبين الأصالة والمعاصرة داخل تركيب سياسي واحد هي علم ينتمي إلى مرحلة ما قبل العلمية لكنه يبحث بلا منهج أو منطلقات نظرية في التفاعلات الممكنة بين الاصالة والمعاصرة وكيف قد تعيد الأصالة والتقليدانية تشكيل المعاصرة أوكيف قد يحدث العكس في مغرب تعتقد فيه الأجيال الجديدة بلا جدوى التحليل لأنها مؤمنة بأن المغرب ليس مجرد بقايا للماضي وليس كذلك أيضا نسخة ناقصة ومشوهة من الحاضر ومن الدولة الغربية.
الخيمياء هي تركيب تاريخي خاص خارج المختبرات العلمية وبعيد عن المعايير الدولية، لكنه أنتج عقلَه السياسي من خلال تفاعل الإسلام والملكية والمخزن والقبيلة وصدمة المدينة والتمدن ووصفات التحكم الاستعماري ومفهوم الدولة الوطنية البعيد عن السيادة الشعبية والدولة الحديثة والبورجوازية المحلية الهجينة وعدم جدية أو نضج رؤية الدولة الحديثة لمشاريع التنمية والتعليم والتغطية الصحيةوحريةالإعلام وتنافسية السوق وضمان سيادة الدولة في اقتصاد معولم .
وفي هذا السياق، سياق الخيمياء السياسية المكفولة بالحظ والحظوة واستشراء الجهل والأمية والظلام وتراجع التعليم، يصبح مفهوم «الدولة-الأمة» نفسه بحاجة إلى حذر منهجي. فالأمة المغربية ليست مجرد نتيجة متأخرة للاستعمار أو نتاجاً آليا للحدود الحديثة كما وضعها المستعمر الفرنسي كما أن الدولة المغربية لا يمكن اختزالها في الدولة الوطنية التي ظهرت بعد 1956 بمشروع أقصى الحركة الوطنية من المشاركة في الحكم وابتدع احزاب ارتزاقية فهمت جيدا دروس الخيمياء السياسية المغربية . لكننا أمام فرص هائلة لإعادة تشريح العلاقة بين استمرارية الدولة وتغير أشكالها ووضعها من جديد في مختبر العلوم السياسية.
لعل سؤال الإنسان الذي تنتجه الدولة والمجتمع في مخاض الخيمياء السياسية المغربية هو الجواب الأخير الممكن لتقييم هاته الخيمياء. أي هل تمكنت السياسات العمومية الوطنية من الإجابة بشكل جدي عن المطلبية الاجتماعية والانتظارات الشعبية، وهل تمكنت الدولة الوطنية بعد الاستقلال من إنشاء دولة مؤسسات ومن تنشئة اجتماعية تباهي بها الدولة نفسها بين الأمم . هل تمكنت السياسات العمومية من وضع شروط ملائمة للمواطنين المغاربة كي لا يفكرو في الهجرة الجماعية وهل تمكنت من ترسيخ ذلك على مستوى الأسرة والمدرسة والاصلاح الديني والإعلام وتنافسية السوق .
هل تمكنت هاته الخيمياء من انتاج افراد اترى نفسها شريكة في صناعة القرار المتعلق بالشأن العام هل أنتجنا إنسانا مؤمنا ومحبا لثقافة الاختلاف، محبا للمسؤولية ومتقبلا للمساءلة محبا للديموقراطية وللدفاع عن رأيه .
مع الأسف الخيمياء السياسية المغربية مازالت تحتضن ثقافة الحماية والخوف والعبودية والتزلف واحتقار الذات أمام هالة الآخر وتأليه السلطان وقبول العطايا والرشاوى وتمني رضوان المخزن كرمز تقليدي للدولة وهي اخلاق وثقافة سائدة انتشرت بفعل التفقير الممنهج الساعي إلى نزع صفة المواطنة وشيم الكرامة عن الانسان المغربي.
ما الحاجة إلى السياسة اليوم إن لم يكن بمقدور السياسيين تقديم مشروع مجتمعي لفائدة الإنسان ويضمن مصالحه وكرامته ومصيره . وما الحاجة إلى السياسة اليوم إن لم تكن قادرة على تقديم جواب ملموس حول إمكانات العيش المشترك والعدالة والاعتراف والمشاركة
الخيمياء السياسية التي نبحث عنها ليست تحويل السلطة إلى ذهب وإنما تحويل الإنسان إلى مواطن والاستمرار في مشروع المصالحة الوطنية وبناء دولة المؤسسات وتنزيهها عن المصالح الشخصية لتكون مؤسسات للمصلحة العامة . نعم لن نكون ضد هاته الخيمياء الكامنة إن تمكنت من بناء ثقافة الاختلاف والتعددية، وتحويل الدين كرأسمال روحي وطني إلى قيم أخلاقية حميدة وتشجيع العقل النقدي وإحلال الثقة والانتماء محل الخوف والعزلة .
منير الطاهري