وجهة نظر

توظيف الرياضة في السياسة ومتلازمة العريان والخاتم /  الحلقة الثالثة ذ. عبد الواحد حمزة

 الحضور الكريم!

من اللازم التذكير بحقيقة نسبية – تبعث على الأمل، أكدها خبراء العلوم السياسية- اليوم، في بلادنا، مفادها أن هامشا “ما” للسياسة لازال ممكنا في المغرب( طوزي 2025)، وإن لازال الكثير يشكك في ذلك، وهو محق في الكثير من توجسه النقدي الجذري المشروع، ذاك، فالبعض يتعامل مع الرياضة والسياسة، مثلا، كـ”ضرتين”، وكأنهما وجدا -هكذا- لكي يتخاصما ويفترقا، لكي لا تكون بينهما أي علاقة، لكي يكونا في مفترق طرق طبيعي وعاـدي مستدام !

كل ذلك حتى يؤدي المجالان- الرياضة والسياسة-  وظيفتهما الأصلية، على عهد فرانكو وهتلر ومن حدا حدوهما، في حب بليد للعريان في الخاتم و عشق قدسي لمولاه، تفضيلا لمنطق السوق الجشع والريع والربح الأعلى المباشر و للصفقات والبرامج والمشاريع الآنية والنخبوية،…. و كذاللإستقرار المشوه والهش! .

إنه -حقا وصراحة- يتم بعيدا عن موضة ،”التخطيط الطويل المدى” المتقادمة والعدالة المجالية- المناطقية،
والتي لم تعد تغري أحدا من الليبراليين الجدد/ أصحاب النموذج التنموي الجديد، و لا جدوى إعتماد  العقلنة والنجاعة في كل إستثمار وطني، وبعيدا كذلك عن إستبارعميق  لإشكالية السلطة في بلادنا، و لإستخبار موضوع “الإيديولوجيا القاتلة” الضرورية لبقاء حكام الدول الإستبدادية، بالذات.

 ولأن المقارنة منهجية تحليلية مهمة، دائما، فمن الممكن ان نرى كيف تعاملت إسبانيا السنة الماضية مع الفياضانات التي حلت بها، وكيف كان الحضور الرمزي اللافت والعادي في نفس الوقت لأكبر مسؤوليها في عين المكان، وكيف إعترفوا بالتقصير الحكومي في الشأن العام، وتفهموا ردود فعل المتضررين المشروع وعوضوهم ، ولم يسلموا من حنق مطالبهم…..أو كيف تعامل رئيس تركيا مع ضحايا الزلزال السنة ما قبل- الماضية، حيث لم تمر سنة حتى وزعت السلطة مفاتيح شقق للمتضررين، إلخ، في تميز وإختلاف جذري مع تعامل ديكتاتورية فرانكو وهتلر، مثلا، مع إختلالات الحكامة العامة للمدن والبلاد والانظمة السائدة، عموما.

وفي مجال الكرة بالذات، من المهم إستخراج المعنى، أكان ذلك على عهد فرانكو أو موسيليني/ ثلاثينات القرن الماضي، مثلا، و كل ذلك التمجيد المبالغ فيه للنظام المسيطر المغلق، للدفع بالجمهور إلى إظهار قوة الأنظمة وتغطية زيفها وسوء تدبيرها، بينما هي في الواقع تقمع وتعذب وترمي بالمعارضين في البحر – من أعلى الطائرات في السماء / حالة الشيلي- ، أو على إثر تنظيم عسكر الأرجنتين / 1978 لكأس العالم، و باقي الدول والأنظمة السلطوية، ذات المنحى المتصاعد، اليوم، خاصة في البلدان العربية- الإسلامية والعالم- ثالثية. وهو ما يتم- الآن وهنا- في سياق مختلف عن القرن الماضي، السياق الرقمي- التكنولوجي الشعبي الموسع، بحيث لم يعد من الممكن عزل الشعوب والاستفراد بها، ولا كسر وحصر تواصل الجماهير الغاضبة او الثائرة بينها، لإسقاط الأنظمة المستبدة والفاسدة…!

إنه شيء مما جرى في قطر، بحيث يتم الفضح -عن طريق وساءل التواصل الاجتماعي- لفضاعات و ظروف الإقامة العادية للعموم بما بعرف ب”الوكيل”، ومن ردم غير منتبه للعمال الأجانب في أساسات المشاتل، أثناء تحضير و بناء الملاعب واحتضان المباريات، أكان على إثر كأس العالم/ 2022، أو كأس العرب / 2025، وقبل ذلك كله في سنة 2014، لما إستضافت البرازيل المونديال تحت هتاف وصراخ وإحتجاج وقمع المتظاهرين، على إثر إنفاق المليارات على الملاعب، عوض إعداد المستشفيات والمدارس العمومية و ضمان الشغل المستدام، مقارنة مع الميل العالمي الواضح -اليوم- إلى أفول حصة وبريق قيم الدول الديموقراطية التنويرية المعتزة بحقوق الإنسان وكرامته، حقا..

والحال أن هذه العقلية السكيزوفرينية بالذات، والتي لا تستصيغ أن “الكرة- الجلدة” سياسة خاصة، او “سياسة عمومية” ضمن سياسة عامة للدول ولدولة-المخزن، بالذات، عندنا، فضلا عن المتعة التي توفرها للجماهير العريضة، أصبحت توجد في مأزق حاد -اليوم- مع تطور وتأزم أوضاع الرأسمالية  العالمية والوطنية، عموما، و مع إحتدام المشاكل الإقتصاديةوالإجتماعية والسياسية الدولية والمحلية، إذ لم تعد هذه الدول والكيانات الشعبوية السافرة تتضايق أبدا من الغدر والنفاق وهدر الديموقراطية التمثيلية والتشاركية، علنا، في بلدانها، وفي العالم، ولا حرج عليها…!!

و من جميل الصدف أن أصبحنا نلاحظ ردود أفعال فارقة وقوية لدى نخب الفرق الكروية، وقد أمسستها اليقظة والحذر، و وعي لافت لدى بعض مدربيها  ( أنظر بيب غواردويلا مدرب نادي مانشستر الإنجليزي…، و في المقابل تأنيب وعزل اللاعب زياش، مثلا، نصرة لفلسطين….!)، ولدى بعض اللاعبين والفرق و الألتراسات والجمهور الرياضي ( في حدود ما لشعارات الإحساس بالغبن والحكرة والضياع لدى جماهير الرجاء والوداد، مثلا….)، وحتى لدى فنانين كبار ( روجيه ووترزالموسيقي البريطاني -العضو السابق البارز في مجموعة البينكفلويد، و كذا جورج واسوف المغني السوري-المصري المعروف…)! والمقررة الأممية المستقلة لدى هيئة الأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة- المناصرة لعدالة القضية الفلسطينية السيدة فرانسيشكاألبانيزي، منذ 2022.

ذلك ما يمكن ملاحظته من قلب -و من فوق- الملاعب والمنصات، أو على هوامشها، في أعماق المجتمعات “السفلية”، تفاعلا مع هزات وتداعيات المحيط الدولي والوطني بالذات، كذاك الأثر الذي تركه طوفان الأقصى على العالم، وقبله الحرب الأوكرانية- الروسية، الممتدة -إلى اليوم – في عامها الرابع، أو على إثر العدوان والتآمر السافر لتلك الإبادة الجماعية الغاشمة لشعب غزة- فلسطين ، فضبط الملاعب وطبيعة الجمهور الكروي، على الخصوص ( ثمن تذاكر، الحجز عن بعد، مراقبة إلكترونية، إبعاد المشاغبين، الإلهاء والبوز….)، فتحاشي اختلاط “الجمهور المخملي” أو “لي فان!” مع الغوغاء، الجمهور الشعبي والشعبوي..، بالذات، إلخ.

 –عضو مركز بنسعيدآيتإيدر للأبحاث والدراسات /عضو المجلس الوطني للاشتراكي الموحدرئيس الجمعية المغربية للتنوير/ كاتب عام للحزب

تمارة في 14 نوفمبر 2026

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى