الحنبلي عزيز -تنوير
خمسة عشر عامًا مرّت على لحظة 20 فبراير، ومع ذلك ما تزال هذه الحركة تُثير سؤالًا جوهريًا في الحياة العامة: كيف يمكن لنبض الشارع أن يتحول إلى ممارسة سياسية ناضجة، مستدامة، وقادرة على الإصلاح دون أن تفقد جذوتها الأخلاقية؟ إن استحضار ذكرى 20 فبراير ليس تمرينًا في الحنين، ولا مناسبة للمزايدات الإيديولوجية، بل فرصة لاستعادة ذاكرة نضالية ساهمت في إعادة ترتيب العلاقة بين المجتمع والدولة، وأعادت الاعتبار لفكرة المشاركة والرقابة والمحاسبة.
حركة 20 فبراير لم تكن مجرد احتجاجات عابرة، بل كانت تعبيرًا عن تحوّل عميق في الوعي السياسي لدى فئات واسعة، خصوصًا الشباب. لقد رفعت شعارات ترتبط بالكرامة والعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد وتوسيع الحريات، وهي مطالب لم تكن طارئة على المجتمع، لكنها وجدت في تلك اللحظة صيغة جماعية واضحة وقادرة على التعبئة. والأهم أنّ الحركة، رغم تعدد مكوناتها، كانت مدرسة في طرح أسئلة الإصلاح بلغة عامة، قريبة من الناس، تتجاوز النخب المغلقة، وتُخرج السياسة من قاعات التفاوض الضيقة إلى فضاء النقاش العمومي.
لكن قوة 20 فبراير لا تُقاس فقط بما رفعته من مطالب، بل أيضًا بما كشفته من اختلالات بنيوية في الوساطة السياسية. فقد أظهرت محدودية الأحزاب في التقاط المزاج الاجتماعي، وضعف قدرتها على تأطير الاحتجاج وتحويله إلى برامج وسياسات. كما كشفت أزمة الثقة التي بدأت تتسع بين المواطن والمؤسسات التمثيلية، حين صار جزء من المجتمع يرى في السياسة مجرد “إدارة للانتظارات” بدل أن تكون أداة لتحقيقها. لذلك، فإن استحضار الذكرى الخامسة عشرة ينبغي أن يكون استحضارًا نقديًا: نُثمّن ما تحقق من مكاسب، ونعترف بما تعثر، ونحلل لماذا لم تتحول تلك الطاقة إلى مسار سياسي مؤسساتي قوي.
لقد جاءت مرحلة ما بعد 2011 بإصلاحات دستورية ومؤسساتية مهمة، لكنها لم تُنهِ الإحساس العام بأن الفجوة ما تزال قائمة بين النص والواقع، وبين الإعلان والممارسة. فالسياسة تُقاس في النهاية بقدرتها على تحسين شروط العيش، وبترسيخ قواعد الشفافية والإنصاف وتكافؤ الفرص. وحين تتباطأ هذه الوعود، يعود السؤال: أين تتجه المطالب الاجتماعية؟ وهل تتجدد بأشكال أكثر حدة أم تُستنزف في اللامبالاة؟ هنا بالضبط تكمن أهمية الذاكرة النضالية: ليست لتأجيج الصراع، بل لتذكير الجميع بأن الاستقرار الحقيقي يقوم على الثقة، وأن الثقة تُبنى بالمساءلة والاستجابة والعدل.
تجديد الممارسة السياسية، في ضوء درس 20 فبراير، يبدأ من الاعتراف بأن السياسة ليست موسمًا انتخابيًا ولا خطابًا احتفاليًا. إنها فعل يومي: إصغاء، تواصل، إنجاز، ومحاسبة. وهي أيضًا بناء وسائط جديدة بين المجتمع ومراكز القرار، لأن المجتمع تغيّر: شبكات التواصل أعادت تشكيل المجال العمومي، وشباب اليوم أكثر حساسية للكرامة والعدالة، وأقل صبرًا على الخطابات المكررة. لذلك، لا يمكن للأحزاب أن تستعيد دورها دون مراجعة عميقة لأساليب اشتغالها، ولغتها، وآليات اختيار النخب داخلها. المطلوب أحزاب تُنتج المعرفة الميدانية، تُقترح الحلول الواقعية، وتفتح أبوابها للكفاءات الجديدة بدل إعادة تدوير الوجوه نفسها.
كما أن تجديد الممارسة السياسية يمر عبر ترسيخ ديمقراطية محلية فعّالة. فجزء كبير من الإحباط يرتبط بالخدمات اليومية: النقل، الصحة، التعليم، السكن، الشغل. وإذا لم تتحول المؤسسات المنتخبة إلى أدوات فعلية لحل هذه الملفات، فإن السياسة ستبدو في أعين الناس مجرد صراع مواقع. إن ربط المسؤولية بالمحاسبة، ومحاربة الريع، وضمان شفافية الصفقات والبرامج الاجتماعية، ليست شعارات بل شروط لعودة المعنى إلى العمل السياسي.
في الذكرى الخامسة عشرة، المطلوب ليس إصدار أحكام نهائية على حركة 20 فبراير، بل إدراك أنها كانت لحظة كشف وتعلّم. لحظة قالت إن المجتمع قادر على التعبير، وإن الشباب قادر على المبادرة، وإن الإصلاح ممكن حين تُفتح قنوات الثقة. واليوم، إذا أردنا أن نجعل من الذاكرة النضالية قوة للمستقبل، فعلينا أن نحول “الاحتجاج” إلى “اقتراح”، و“الرفض” إلى “بناء”، و“الخيبة” إلى “إرادة تنظيمية” تؤمن بأن السياسة ليست قدرًا مغلقًا بل مجالًا قابلًا للتجديد.
إن استحضار 20 فبراير و بعدها حركة جيل z هو استحضار لفكرة بسيطة لكنها حاسمة: لا ديمقراطية بلا مواطن فاعل، ولا مواطن فاعل بلا مؤسسات تُصغي وتستجيب. وبين الذاكرة والواقع، تظل المهمة الأساسية هي إعادة السياسة إلى معناها النبيل: خدمة الصالح العام، وصون الكرامة، وتوسيع الأمل.
الحنبلي عزيز -مدير نشر تنوير وباحث في العلوم السياسية