وجهة نظر

إصلاح مؤسسات التقاعد والمقاصة وحمية التوزيع العادلة.5/8 ذ. عبدالواحد حمزة

قراءة نقدية أولية من أجل إقتراحات لوعود إقتصادية إنتخابية جريئة لتشريعية سبتمبر 2026

دفاعا عن روح الإلتزامات الإقتصادية لمشروع البرنامج الإنتخابي-الإقتصادي- السياسي لتحالف اليسار، نقدم مساهمة متواضعة/قراءة نقدية أولى لما يكون قد تم الإعلان على بعضه عبر الصحافة الوطنية، وذلك من أجل إقتراحات لوعود إنتخابية جريئة لتشريعية سبتمبر المقبلة جدا / يومه 23، مما قد يقدم بعضه، أو تتناول كله الندوة الصحافية لتحالف اليسار بالبيضاء، يومه الثلاثاء 8 سبتمبر 2026.

فبعد أن تطرقنا في بداية هذه المساهمة النقدية لبعض الواحد من أهم البرامج الإقتصادية المتبارية اليوم في التشريعيات الوطنية، واليسارية منها، على وجه الخصوص، وما تتطلبه من وجوب وإحترام وإعتماد مبدىء “جودة المؤسسات”، تأسيسا وتفريعا وتطويرا في بلادنا، حيث عرجنا على نقاش فكري نظري- عملي سريع وراهن، حول جدل تناءية “معيار العدل” في الحركات الإسلامية، ومفهوم “نمط الإنتاج العادل” وحدود شروطه لدى قوى الإشتراكية-الديموقراطية، ثم أن “جودة المؤسسات/ المنظمات” وما تعانيه ببلادنا من خصاص إنساني- إجتماعي وسياسي، مرتبط أساسا بمعضلة الديموقراطية، عندنا، وكذا ذلك التحليل المعاصر عند نورث دوكلاس (2005)، الذي يكاد يؤكد حدوس إبن خلدون في العالم العربي  وللفرس الإسلامي، أو في الفكر/ العمل الإسلامي، عموما، مع فارق البنيات الإجتماعية السياسية والإقتصادية، حقا، وما يمكن أن يخص ويهم بلدنا، المغرب، في خصوصياته.

وما يعني ذلك -أصلا وفصلا- من وجوب إعتماد فصل صريح وتوازن للسلط، ببلادنا، لا يمكن لحكم البلاد أن يتم بكامل العقلانية والحكامة بدونه، نقدم الآن، تمرينا مقتضبا في نقض أسس وسير مؤسستي التقاعد والمقاصة، على سبيل المثال لا الحصر، وما يستدعي ذلك من مراجعة أساسية وحقيقية لنمط التوزيع للمداخيل والثروة، ببلادنا.

سنحاول الآن ربط بعض مبادىء الإصلاح العميق الممكن للتقاعد والتعويض- المقاصة والدعم المباشر، في بلادنا، بإعتماد حمية توزيعية محفزة، عادلة ومنصفة لكل المغاربة.

كلنا يعلم، ولعل الخبراء يعلمون معنا، أيضا (أنظر مداخلة الطاوجني سعد في ندوة الدولة الإجتماعية لمركز بنسعيد، 2026)، أن مشاكل ومفارقات ومعضلات التنمية الإقتصادية والاجتماعية ببلدنا هي من “العواصة” والتعقيد والجدية بمكان، حتى انه لايمكن -أبدا- أن تترك -هكذا- لتحاليل تقنوية محضة، لخطورة ما تستتبعه من توصيات الخبراء والتقنوقراط والحكومات على مصلحة الشعب العريض …

إنهم/ التقنوقراط-الغير المسيس، والذي عادة من قد لا تكون لهم ولإختياراتهم الحقيقية أو الدفينة “كبدة” على الوطن والشعب ( كما كان يقول الفقيد النقابي نوبير  الأموي، وآخرون).أنظر بورديو -اصلا- في كتابه عن الدولة، الذي أصدره سنة 2012 عن دار النشر سوي، وهو عبارة عن دروسه بكوليج دو فرانس لسنوات 1989 الى 1992، المكملة لكتاباه “نبل/ نبلاء الدولة”)، أشباه “خدام وأشباح الدولة”، عندنا، و “من وآلآهم، ولا تراهم العين المجردة”، إلا عين ومسبار جبروت، مثلا..!!.

نفس مستوى التحليل يبديه بورديو في كتابه الآخر، الثاني،  “السيطرة الذكورية”، التي تنال من عدالة وإنصاف ما يزيد عن نصف المجتمع المغربي، النساء، بتشغيل أقل من 13% عوض التلاثين المرجوة، وعن تمثيليته في المؤسسات التشريعية، بأقل من ربع الكراسي، اليوم، وفي باقي المؤسسات الجهوية والمحلية الوطنية المنتخبة الأخرى، مما يستجدي الإصلاح الإنتخابي، حيث يفكك بورديو  -بالمزيد- أصل الدولة، ك”ماوراءية المجال”، تحتكر العنف الرمزي وتنتج حتى مقولات للتفكير و تؤهل “الرأسمال البيروقراطي” و تؤسس لعقيدتها/ الدولة (انظر تعليق/ تدوينة سريعة للعوفي نور الدين، مؤخرا، على الفايس/ مواقع التواصل الإجتماعي على ملصق ندوة الدولة الإجتماعية(2) – التي نظمها مركز بنسعيد آيت إيدر للدراسات والأبحاث في هذه الإحالة -، حول اليد اليمنى واليد اليسرى للدولة، في إشارة ماكرة لإختيارات اليمين وإختيارات اليسار الإجتماعية …).

من الممكن أيضا أن ننظر إلى خطابات السياسيين، الشعبويين خاصة منهم، وكذا القياديين النقابيين على منصات فاتح ماي للمركزيات النقابية المغربية…!!!.)، أكانوا من عيار ومتصرفي أدلوجة خبراء البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، أو غيرهما، ممن يلوكون توصياتهما،  ومن كل منظمات العولمة والكوكبية الراسمالية والحوكمة العالمية الراهنة، اليوم.

وفي إرتباط الإجتماعي بالصحة، إنبرى الباحثون في العلوم الإقتصادية والإجتماعية والقانونية في بلادنا مؤخرا إلى الإهتمام بإقتصاد وتدبير الصحة، والجامعات إلى إنشاء ماسترات علمية في شؤون الصحة، وذلك في زمن أصبحت السياسات العمومية فيه ببلادنا تتحسس مواضيع الحماية الإجتماعية الشاملة، وغيرها، بل وتجعلها في مركز إهتمامات ما أصطلح عليه ب”الدولة الإجتماعية”، دولة الرفاه للجميع، بعد أن تم الإعتراف على مضض وتسجيل الخصاص الإنساني” الهاءل والمهول الذي تسبب فيه، بلا أدنى شك، إعتماد العقيدة doxa الليبرالية- النيوليبرالية الإقتصادية ببلادنا، والتي تجعل من كل ما هو “إجتماعي” رديف ثانوي ولاحق للنمو الإقتصادي، وكذا من النفقات العمومية “كلفة” لا غير، يجب الحد منها ما أمكن، حتى يتم إستخراج وتوليد موارد مالية ضرورية للإستثمار/ نظرية التقاطر/ ruisselement.

يبدو أن الدولة إستمرت اليوم في نفس الإختيارات، ولربما بسرعة فاءقة، قيل أنها “سرعتين فارقتين”، لكم واحدة “نخبوية” إلى الأعلى تعمق الفارق بنسبة نمو 4,2% حسب صندوق النقد الدولي إلى 4,5%، حسب البنك الدولي ( 2026) لاغير، والأخرى تفشي أنشطة “شعبية”-أغلبها غير مهيكل ومهمش- بنسبة نمو إلى الأسفل!)( هناك نسب نمو أخرى مختلفة شيءما، ما بين 5,6% حسب بنك المغرب إلى 5% فقط حسب توقعات المندوبية السامية للتخطيط لكامل الإقتصاد و السنة/2026)، وذلك على الرغم من إفلاس الإختيارات الإستراتيجية الظاهر، ومن كل الآثار المدمرة لها على مستوى التماسك الإجتماعي للبلاد، بل وحتى على جدوى الفعالية الإقتصادية، بالذات، ما أصبح يعرف بالإنجازات…والرياضية، مثال على ذلك، إستعدادا لكؤوس إفريقيا والعالم، في ما يتعلق بمردوديتها في المديين المتوسط والبعيد….

كل هذا، وبالرغم من أن تقرير الخمسينية(2005)، وغيره، سبق وأكد حدود وإفلاس ذلك الإختيار السياسي الإقتصادي الوطني، حتى أن حزبا للدولة، “البام”، إعتمده برنامجا سياسيا له، دون حشمة أو عناء التفكيرالجدي والصداع  الأيديولوجي، حينها،  بالتمام والكمال، دليل كسل نخبه!!، أظهرت حركة 20 فبراير -حينذاك- زيف وخطر إدعاءاته، لتضعه هو ومن وما سطا عليه من “برنامج إنتخابي” مزعوم على جانب، غداة أفول وضمور الحركة أعلاه ليخرج اليوم بممارسة أكثر رعونة!

ولا يبدو ان الحكومة الحالية، والمكونة أطرها من رجال أعمال ومال، والتي تسلمت النموذج التنموي الجديد، الذي وسع مبدءيا/ شكليا بنية الدولة الإجتماعية، وما قامت به حكومة التناوب التوافقي، على عهد اليوسفي، قبله، من مشروع في الصحة والحماية الشاملة يرى اليوم بعض تقدمه، لا يبدو وهي في آخر أيامها العجاف إجتماعيا أنها قادرة اليوم على تنزيله، بالتمام والكمال، بالرغم من أنها وضعته شعارا مركزيا لكل خطاباتها الديماغوجية، وذلك لفقدانها الشروط الموضوعية/ الطبقية السياسية والأيديولوجية، لذلك.

ولعل كل المؤشرات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية تلوح -اليوم- في أفق آثار مدمرة لغلق المجال السياسي ببلادنا، ومن تم، توشي أولا برفع مستوى حالات الإحتجاج الإجتماعي الواسع بالبلاد، وثانيا وفي الأفق، بمعاودة نفس سيناريو -وأكثر وأعمق وبسفور أكبر، ربما- لوضعية ما قبل الربيع العربي لسنة 2011.

وقد يكون النزال الميداني والفكري حاسما هذه المرة بين القوى الحية في إنتقال من مجرد “إعلان غضب” شعبي إلى “ثورة في الوعي” قبل ترجمتها في الفعل السياسي المنظم، عبر تحول حضاري قيمي ضروري، أو غيره، وذلك لإعتبارات عديدة، يشملها تغير الزمن وتآكل سندات “الثورة المضادة” الكلاسيكية ( سقوط أنظمة حليفة في الأفق، تهافت “الكنسية الإسلاموية”/ المتواطاة!، بهات كسوة الجيش المدنية وقت الطوارىء، وسفه خطاب ورساءل المخابرات الموحد، و صدءية بوق المؤثرين النظامي، وإنكشاف سر اليسار المداهن، …) ونهاية الإعلام التقليدي و إنفضاح أمد الوعود الكاذبة، وظهور أدوات تكنولوجية جديدة حاسمة  للتواصل والإتصال، وإنبعاث الشعب كفاعل جماعي جديد يطلع بالتغيير من تحت..!.

 ولعل ما يدفع بعض القوى اليسار الراديكالية وأعماق المجتمع المنسي إلى تبني حل الخروج الكامل من “التحول العظيم”/ بولانيي، ولو أنه قد يكون مكلفا حقا وحاسما، خروج من مسار تعميقه برمته بنفس الإختيارات الإستراتيجية الكبرى التي دأب عليها حكام المغرب منذ الإستقلال، ومنذ الثمانينات خصوصا، إنه “المسار النيوليبرالي المتوحش”، كما يتصوره ويفككه الجذريون، وكما يكون قد حلله بولانيي!

 والحال ايضا أن زمان “التقارير الإيديولوجية” الكبرى يكون قد أفل منذ تراجع الحركة الوطنية التاريخية، على عهد تقارير حزب القوات الشعبية، السبعينات، وغيره، من خطاب وأرضيات احزاب اليسار الجذري، والتي كان لمنظرين، من عيار الجابري محمد عابد وعبد السلام المودن وغيرهما، يولون لها كامل العناية والاهمية الفكرية والسياسية، وينتظرها المناضلون بشغف كبير لا يقاوم، أيامها.

و يمكن الإشارة ايضا إلى كذا إنحسار وخلوية وتشتت تصورات وأقطاب وأحلاف وتجمعات اليسار الديموقراطي والجذري، في بلادنا.. وقد يكون لتحالف اليسار، اليوم، بريق ما على طريق وحدة إنتخابية وسياسية واعدة، سيظهر ما بعد الإنتخابات زيفها من حقيقتها، صمودها من تهافتها !، خاصة وأن الخبرة القيادية السياسية والاكاديمية الوطنية النحريرة توعدت بتهافت “الشراكات القصيرة” الامد وبهجانة “الكتل التابثة” لليسار ( أنظر الساسي محمد، 2026) وكذا ب”التحالفات الظرفية” التي قد تكون اليوم تمت بإيعاز واضح وضروري من السلطة، لدى الصف اليساري الديموقراطي (والجذري)، تنسجم مع روح الخط الوحدوي الأصيل لليسار الديموقراطي الممانع، خاصة في غياب التقييم النقدي الموضوعي والصريح واللازم وقت المؤتمرات، لحد الساعة، لتلك التحالفات وغيرها، وفي المدى الطويل، وفي كل وقت وحين، بالذات، من طرفه. !

وقد يقطع الشك باليقين قيادي في التحالف لما يؤكد ان الإعداد التقني العملي للبرنامج الإنتخابي المشترك لتحالف اليسار أتى في سياق تقارب متزايد بين الحزبين، وتقاطع واسع بين برامج كل واحد على حدة، وكذا توجهاتهما وإختياراتهما، تجاوزا للمقاربة الإقتصادوية الضيقة، وفي مقدمة هذا التوجه تعزيز الديموقراطية والإهتمام بالواجهة الإنتخابية وترشيد العمل السياسي، عموما،  فضلا عن تراكم عدد من المبادرات وتجارب العمل المشترك على مدى سنوات،  وهما اللذان يسعيان إلى تجاوز خلافات التجارب الإنتخابية السابقة، والحزازات الشخصية، خاصة مارشح عن تشريعيات 2021، وتقديمها عرض سياسي موحد خلال الإنتخابات المقبلة ( أنظر عرض العزيز، أمين عام الفيدرالية، البيضاء، 22 غشت 2026).

 و بالرغم من ذلك، فلا زالت الممارسة السياسية في اوساط اليسار مقلقة، إذ لوحظ كذلك انتقال الأحزاب، جميعها، من إرادة تحويل برامجها الطموحة إلى سياسات عمومية فعلية، إلى مجرد السعي لمواءمتها مع “برنامج الدولة القار”، في انزياح واضح عن وظائف الوساطة والاقتراح التي كانت تشكل جوهر الفعل الحزبي، في ما سبق، وحيث أصبحت الدولة طرفاً مركزياً في “إصلاح بنية الأحزاب”، (ولعل كذلك في نسج تحالفاتها، اليوم، إضافة منا….!)، في حين كان من المفترض أن تضطلع الأحزاب بهذه الوظيفة المستقلة والجريأة اتجاه الدولة والمجتمع، وليس العكس ( الساسي محمد، 2026).

كما إعتبر القيادي نفسه/ الساسي في تحالف اليسار أن هذا التحول يعكس حالة “تماهٍ متبادل” بين مكونات سياسية كان يفصل بينها تاريخياً “جدار برلماني”، قبل أن ينهار لصالح إتفاق واسع على السيادة الملكية، سواء من منطلق ديني كما لدى بعض القوى التقليدية، أو باعتبار الملك قائداً للمشروع التنموي والديمقراطي لدى قوى أخرى.

واعتبر كذلك أن أحد أبرز التحولات يتمثل في رغبة و تواضع كل حزب اليوم في “مطابقة برنامجه مع برنامج الدولة”، في وقت تقاس فيه فعالية الأحزاب بقدرتها على جعل برنامجها هو برنامج الدولة.

كما أشار إلى تحولات كبرى في الخطاب السياسي المغربي، من الوطنية والثورة والأيديولوجيا إلى البراغماتية، ومن حماية الملكية إلى “حماية منجزاتها”، فضلاً عن تغير مصادر القوة، حيث بات “القرب من النظام” هو المدخل الأساسي لاكتساب النفوذ.

 وتوقف عند تراجع الأدوار المجتمعية للأحزاب، ملاحظا ظهور فاعلون جدد من الملاعب عبر مجموعات الألتراس، ومن الفضاء الأزرق عبر المؤثرين، ومن التنسيقيات التي شكلت أداة احتجاجية جديدة. وأكد أيضاً أن التحالفات الحزبية لم تعد قائمة على كتل ثابتة أو شراكات طويلة الأمد، بل على تنافس قد يصل حد الاصطدام بين أحزاب الأسرة السياسية نفسها.

 كما أن ما كان يُسمّى بـ“المجموعة التاريخية” انتقل طموحها من الوصول للحكم إلى المشاركة فيه، فقط، ثم لاحقا، إلى مجرد التدبير داخل ائتلافات حكومية شبه دائمة، حيث صارت “الأولوية للتدبير وليس للنضال الديمقراطي”، لدرجة استعداد بعض الأحزاب للتنازل عن ملفات استراتيجية مثل التطبيع، وغير التطبيع، (من “الممنوعات الأربعة” التي باتت معروفة والمسلطة لدى/ وعلى رقاب القيادات اليسارية، اليوم، إضافة منا)، مقابل البقاء داخل الحكومة ( الساسي محمد، 2026،  وتدبير برامج وسلطة الملكية التنفيذية، مما يضع اختيار الملكية البرلمانية في مأزق، مما تستدعيه من إصلاح المؤسسات، ومنها مؤسستي التقاعد والمقاصة، على قاعدة الإصلاح السياسي والدستوري،  ويجعل من إجتهاد التأويل الديموقراطي للدستور نافذة ضيقة للتقدم السياسي والإجتماعي والإنساني ببلادنا.

عبدالواحد حمزة، سوسيوإقتصادي، عضو المجلس الوطني للحزب الإشتراكي الموحد/ تحالف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى