تنوير | متابعة
كشف التقرير السنوي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية برسم سنة 2025 عن حصيلة جديدة لجهود تخليق المنظومة القضائية وتعزيز آليات المراقبة والمحاسبة، حيث بلغ عدد القضاة الذين صدرت في حقهم مؤاخذات تأديبية 68 قاضياً، مقابل 35 خلال سنة 2024، في سياق مواصلة الإصلاحات الرامية إلى ترسيخ النزاهة والاستقلالية والشفافية داخل المؤسسات القضائية.
وأوضح التقرير، الذي نُشرت مضامينه في الجريدة الرسمية عدد 7547 مكرر، أن المجلس اعتمد خلال السنة الماضية مقاربة تجمع بين الوقاية والتأطير المهني والمساءلة التأديبية، بهدف تعزيز ثقة المواطنين في العدالة وحماية القضاء من الممارسات المخالفة للواجبات المهنية والأخلاقية.
195 ملفاً جديداً للتحقيق و118 قاضياً معنيون بالمساطر التأديبية
وأظهرت المعطيات أن المفتشية العامة للشؤون القضائية فتحت خلال سنة 2025 ما مجموعه 195 ملفاً جديداً للبحث والتحري، فيما انتهت الأبحاث في 181 ملفاً، وأُحيلت بشأنها التقارير النهائية لاتخاذ الإجراءات المناسبة.
وفي الجانب التأديبي، بت المجلس الأعلى للسلطة القضائية في 76 ملفاً شملت 118 قاضياً، وأسفرت عن اتخاذ مجموعة من القرارات التأديبية متفاوتة الدرجة بحسب طبيعة المخالفات المنسوبة إلى المعنيين.
وشملت العقوبات أربع حالات للإحالة إلى التقاعد الحتمي، و12 حالة للإقصاء المؤقت عن العمل مع الحرمان من الأجر أو النقل، إضافة إلى 49 حالة للإنذار والتوبيخ، توزعت بين 38 إنذاراً و11 توبيخاً.
كما سُجلت 32 حالة لعدم المؤاخذة مع إثارة الانتباه، في إطار المساطر التأديبية التي يباشرها المجلس وفق الضمانات القانونية المعمول بها.
وبحسب التقرير، ارتفع عدد القضاة الذين تمت مؤاخذتهم فعلياً إلى 68 قاضياً خلال سنة 2025، مقارنة بـ35 سنة 2024، وهو ما يعكس ارتفاعاً ملحوظاً في عدد القرارات التأديبية الصادرة.
تعزيز مراقبة المحاكم وتقييم أدائها
وعلى مستوى التفتيش القضائي المركزي، قامت المفتشية العامة للشؤون القضائية بزيارة 26 محكمة، وأعدت 19 تقريراً نهائياً، شملت تقييم مؤشرات الأداء ورصد الإكراهات المرتبطة بالبنيات التحتية والتجهيزات والرقمنة وإجراءات التبليغ.
أما التفتيش القضائي اللامركزي، فقد سجل نسب إنجاز متفاوتة، بلغت 92 في المائة بالنسبة إلى المحاكم الابتدائية ذات الولاية العامة على مستوى الرئاسة، و97 في المائة على مستوى النيابة العامة، مقابل 86 في المائة بالمحاكم التجارية و85 في المائة بالمحاكم الإدارية.
وتهدف عمليات التفتيش، وفق التقرير، إلى الوقوف على الاختلالات التنظيمية والمهنية، وتقديم توصيات لتحسين الأداء القضائي والرفع من جودة الخدمات المقدمة للمتقاضين.
116 نشاطاً لتكريس أخلاقيات القضاء
وفي مجال الوقاية والتأطير الأخلاقي، واصل المجلس تنفيذ برامج لتعزيز قيم النزاهة والحياد والاستقلال، من خلال تنظيم 116 نشاطاً تأطيرياً وتواصلياً بواسطة مستشاري الأخلاقيات بالدوائر الاستئنافية.
وتوزعت هذه الأنشطة بين 60 لقاء لفائدة قضاة النيابة العامة و56 لقاء لفائدة قضاة الحكم، فيما توصلت لجنة الأخلاقيات بـ51 تقريراً سنوياً حول أنشطة مستشاريها، فضلاً عن ست إحالات مرتبطة بقضايا أخلاقية.
كما استفاد الملحقون القضائيون للفوج الثامن والأربعين من تكوين متخصص حول مدونة الأخلاقيات القضائية، بتنسيق مع المعهد العالي للقضاء، إلى جانب تنظيم لقاءات تحسيسية بشأن واجب التحفظ وأثره على حياد القاضي واستقلاليته.
مراقبة ممتلكات القضاة ونشر القرارات التأديبية
وشمل ورش تخليق القضاء كذلك تعزيز آليات الشفافية المتعلقة بالتصريح بالممتلكات والمداخيل، بعدما فعّل المجلس إجراءات الفحص المنتظم للتصريحات، وأصدر الرئيس المنتدب دورية بتاريخ 12 فبراير 2025 بشأن تجديد التصريح بالممتلكات.
وفي خطوة تروم توضيح القواعد المهنية والسلوكيات المخالفة لأخلاقيات القضاء، بلغ عدد المقررات التأديبية المنشورة، بعد حذف المعطيات الشخصية والتعريفية لأصحابها، 151 مقرراً مع نهاية سنة 2025.
ويرى المجلس أن نشر هذه المقررات يساهم في ترسيخ ثقافة الشفافية وتوضيح حدود المسؤوليات المهنية، بما يساعد القضاة على استيعاب المقتضيات الأخلاقية والقانونية المنظمة لممارسة مهامهم.
تخليق العدالة بين المساءلة وحماية استقلال القضاء
وتعكس حصيلة سنة 2025 استمرار توجه المجلس الأعلى للسلطة القضائية نحو تعزيز آليات المراقبة والتأطير والتقييم، في إطار الإصلاح المؤسساتي للعدالة.
غير أن ارتفاع عدد المؤاخذات التأديبية يطرح أيضاً أسئلة بشأن طبيعة الاختلالات المسجلة، ومدى فعالية التدابير الوقائية المعتمدة للحد من تكرارها، فضلاً عن أهمية تحقيق التوازن بين صرامة المساءلة وضمان استقلال القضاة وحماية حقوقهم المهنية.
ويؤكد التقرير أن المقاربة المعتمدة لا تقتصر على إصدار العقوبات، بل تشمل التكوين والمواكبة والتوجيه ونشر الاجتهادات التأديبية، بما يساهم في تطوير الممارسة القضائية وترسيخ قواعد الحياد والتجرد.
وتظل ثقة المواطنين في العدالة مرتبطة، إلى جانب تفعيل آليات المحاسبة، بسرعة البت في القضايا وجودة الأحكام وضمان المساواة أمام القانون وشفافية الإجراءات القضائية.
وتضع هذه الحصيلة السنوية ورش تخليق المنظومة القضائية أمام تحدي تحويل نتائج التفتيش والتأديب إلى إصلاحات مؤسساتية مستدامة، تنعكس بصورة ملموسة على أداء المحاكم وجودة الخدمات القضائية وحماية حقوق المتقاضين.